خرج الراضى بالله فى سحر يوم الثلاثاء لثلاث خلون من المحرم يريد سر من رأى ليشخص منها إلى الموصل لمحاربة الحسن بن عبد الله وخرج بجكم فى هذا اليوم وخرجنا مع الراضى فكان بجكم ينزل بين يديه بقليل وتعبث أهل عسكره بالناس وتأذى الراضى بذلك، وكان قبل خروجه يذكر أمره ونهوضه ويقول: لا بدلى منه. فنشير عليه ألا يفعل ذاك، وكان ممن يوافقنى على الرأى فى تركه الخروج عمر بن محمد القاضى فلم يلتفت إلى قول أحد ولا أظهر ما أراده وما عزم عليه. وأمر الراضى أن يكون عبد الله بن على البغوى خليفة الوزير الفضل بن جعفر خارجا معه وأن يكون عبيد الله بن محمد الكلوذانى خليفة الوزير على الأعمال والأموال مقيما ببغداد.
وأخرج أحمد بن على الكوفى إلى تربة أم المقتدر ليؤدى ما فورق
[ ٢ / ١٠٨ ]
عليه. وكرهت العامة خروج السلطان إلى الموصل لمحبتهم للحسن بن عبد الله وعنايته بانفاذ الدقيق إليهم ولبره بالأشراف وما يتصدق على الضعفى بسر من رأى وبغداد، ولكفاية أخيه على الناس أمر الثغور والغزو، وعنايته بغزو الصايفة وغيرها.
وخرج القاضى عمر بن محمد مع الراضى واستخلف ابنه يوسف ابن عمر على بغداد مكانه. فركب إلى جامع الشرقى فقضى وقرأ السجلات وركب معه جميع العدول وحضر محمد بن بدر الشرابى صاحب الشرطة مجلسه ونثر عليه دراهم ودنانير فى غير موضع، فوصل الراضى إلى سر من رأى وأنفق فى أصحاب بجكم نفائس منيفة كان أعدها لنفسه ولهوه، وظن الناس أنه سيقيم بسر من رأى وينفذ بحكم إلى الموصل فان احتاج إليه لحق به وإلا أقام بمكانه، وجعل كل من يصل إليه يشير عليه بذلك.
وورد عليه الخبر بتحرك أمر ابن رايق وأنه يكاتب الناس للوثوب ببغداد فظننا مع ذلك أنه لا يبرح وانطلقت الألسن لأجل ذلك بالمشورة عليه ألا يبرح من سر من رأى وكان أشد الناس كراهة لخروجه ورحيله القاضى عمر بن محمد وذكى الحاجب، فكنا نجتمع على ما نقوله. وورد كتب الحسن بن عبد الله وإلى الراضى وإلى بجكم يتضمن لهما أكثر مما ظن أنه يبذله له وكتبه بذلك متصلة إلى القاضى وهو يتولى إيصالها عنه وينفذ الجواب، وكان يقرئنى كل شىء يرد فأقام الراضى أياما بسر من رأى وطمعنه فى رجوعه، واتفقت مع القاضى على أن يكلم
[ ٢ / ١٠٩ ]
الراضى كل واحد منا إذا خلا به ورأى وجها للكلام، فوصلت إليه بسر من رأى يوما وحدى قبل أن يحضر أهل نوبتى فقلت يا أمير المؤمنين إن العبد المتفق لا يملك كتمان ما بقلبه لمولاه، ولا يدخره النصح. وما على المولى شىء من أن يسمع قول عبده، فان كان صوابا أمضاه، وإن كان خطأ جعله بمنزلة ما لم يسمعه. فضحك وقال: هات ما عندك، فقلت: إن الناس يتحدثون بأن العسكر الذى قد رحلت لتزيله أشبه بعساكر الاسلام من العسكر الذى تقصده به من قوم لا يرون طاعتك، وأشبه بعساكر آبائك. وقد تحدثوا بأن الحسن قد بذل أكثر مما أريد منه فان رأى سيدنا أن يقبل هذا ويرجع إلى دار ملكه ويزول ما يخافه من وثوب ابن رايق فانه غير مأمون.
- وكان الراضى قد أمر بأن ينادى على ابن رايق، ويطلب فكبست مواضع كثيرة- ومع هذا فان الحسن بن عبد الله قد نظر إلى أقرب الناس من قلبك وهو قاضيك فجعله السفير له، والضامن عنه وإنه يلقاه فيتصرف بجميع ما يريده.
وهاهنا أيضا أمر آخر، قال: وما هو؟ قلت: إذا يئس الحسن من قبول سيدنا لما بذل لم نأمن أن يصرف أمره إلى غيره، ويلقى نفسه عليه ويتقرب اليه، ويحظيه ببعض ما بذله، فيجعله صنيعة له ومادة لدهره وعدة لجدته ويكلم من يلقى نفسه عليه سيدنا فى أمره ويسأله له ما يريده فيقبل قوله ويهب له أمره، فيحظى بما أردنا أن نحظى به- أعرض ببجكم- فما رأيته أطال الفكر عند شئ سمعه أكثر مما أطاله بعقب
[ ٢ / ١١٠ ]
قولى هذا، وذكى واقف وحده يسمع بعض ما يجرى.
ثم قلت: أما النثر فقد قضيت الحق فيه، وقد نظمت قصيدة إن أذن سيدنا أنشدته إياها، وهى فى هذا المعنى فقال هات فأنشدته- وكان يقول إنى سأسكن سرمن رأى وأترك بغداد، وجعل يصور بيده ما يكتبه- فذكرت أيضا مدح بغداد وأنشدته.
متيّم متلفه تلدّده بان لبين الهوى تجلّده
طال عليه مدى الصّدود فما يبصره من ضناه عوّده
قد كتب الحبّ بالسّقام له نظّمه بمن أتى يفنّده
أورده الحتف مارد غنج زاد على حسنه تمرّده
يكاد من لينه ورقّته تحلّه لحظتى وتعقده
قد ارتدت بالجمال جملته كما ارتدى بالنّدى محمّده
خليفة أكملت فضائله ففرعه طيّب ومحتده
تعبّد المجد فهو يملكه طارفه عنده ومتلده
قد رضى الرّاضى الإله لإصلاح زمان سواه مفسده
فهو بتفويضه الأمور إلى الله بحسن التّوفيق يعضده
أما ترى ما كفاه من خطر غائره معجز ومنجده
[ ٢ / ١١١ ]
لا يبلغ الفكر كشف غمّته يعوم فى حيرة تردّده
وهو عليه فى ذاك متّكل يشكر إحسانه ويحمده
ولن يضيع الإله ملتجئا إليه فى الخطب بل مؤيّده
يسلّ رأيا كالسّيف وقفته ويحتوى سيفه ويغمده
تمسّكا فيه بالوفاء وما تقصر عمّا يريده يده
كفاية الله تستطيف به تنحس أعداءه وتسعده
أوحده الله فى فضائله فهو من بدء الكمال أوجده
جرى على الصّنع والسّعادة واليمن له سيره ومقصده
جيوشه حوله كما حدقت بالبدر بدر التّمام أسعده
يسوسهم بالسّداد حاجبه وهو بآرائه يسدّده
كأنّه منه ليس يبعد أن يشبه مولى فى العزّ أعبده
لكنّه فايت بهمّته كما يفوت الهلال فرقده
وأين من زاخر العباب صرى يحفى إذا جاش فيه مزبده
أرى ذكيّا ذكت خواطره فلم يخن فهمه متلّده
سيف على من عصاك متّقد تطفى به طغيانه وتغمده
[ ٢ / ١١٢ ]
يا خير من لاذ ذو الرّجاء به وخير من بالنّوال يرفده
ومن يفوت المنى تطوّله ويقتضيه الانجاز موعده
أمواله نحونا موجّهة بنائل لا تحثّ ورّده
يعلى لنا الحال والمحلّ به فلا سؤال له نردّده
لو جاز أن يعبد العباد سوى الخالق كنّا للبرّ نعبده
عبدك من قد عرفت نيّته لم ينتقص ساعة تودّده
يسأل أن يستبين سيده الرّأى بفكر له يحدّده
ومؤثر الحقن للدّماء فقد تاقت إليه للعيث شرّده
مستيقنا نعمة المطيع له يحمل ما فى الضّمان يعقده
يقبل فيه ضمان موعده فليس يخشى منه تزيّده
إن قال قولا وفّى به عجلا يهديه للرّأى فيه أرشده
فكلّ وقت له شريطته يصدر هذا ما ذاك يورده
قد يسمح اليوم بالمراد ولا يشبهه فى سماحه غده
فى كلّ صقع من البلاد لظى مسعّر والغواة توقده
فان نجا بعضها بمقصده هدّ من البعض ما يشيّده
[ ٢ / ١١٣ ]
وكلّهم إن أقام فى يده خطامه صاغرا ومقوده
يطلب هذا ما ذاك يطلبه بشافع عنده يؤكّده
قد يستحيل الولىّ ذا عنت تقدح بالغشّ منه أزنده
ويصبح المخلق الولاء له من طاعة ثابت تجدّده
بغداد حصن الملوك تؤمنهم من كلّ باغ يخشى تورّده
وأهلها فى الخطوب جيشهم بغير رزق للجيش ينقده
فأين لا أين مثلها بلد بحافظ ملكه يؤكّده
فلا ترد غيرها بها بلدا أسلم سير المغذّ أحمده
والأمر من بعد ذا وذاك إلى معوّد للصّواب يوجده
فانّه أعلم الملوك بما يفعل والله فيه يرشده
فقال نعم أنظر فى هذا إن شاء الله. واستؤذن للقاضى فخرجت فلقيته وحدثته بما جرى وقال أنا أؤكد لهذا، فدخل فأطال ثم خرج فقال ما فى هذا الرجل حيلة استمع منى كما قلت فى نحو معناك فلما خرجت الساعة تقدم إلى ذكى بأن تقدم النوبة ليرحل نحو تكريت. ورحل من غد يومنا ذلك وصرنا فى مرحلتين إلى تكريت، فنزل دور بنى جابر النصرانى وأقام أياما، والأخبار واردة من بغداد بقوة أمر ابن رايق وكتب الحسن بن عبد الله متواترة بإزاحة العلة
[ ٢ / ١١٤ ]
فى جميع ما يراد منه.
فحدثنا الراضى بالله أنه سمع الديالم فى المنزل الذى رحل منه إلى تكريت- وقد مرقوم منهم خلف مضربه فصاح بهم الخدم- يتكلمون بكلام قبيح، وقال أما لهؤلاء دين ولا عليهم طاعة وجرى ذكر ابن رايق وقوة أمره فغمزنى ذكى الحاجب فى كلامه وظننت أنه بما سمع من الديالمة قد فش عزمه، فقلت: يا أمير المؤمنين، بغداد دار المملكة ووطن الخلافة وفتقها لا يتلافى، فقال إنما كانت بغداد كذا حيث كان فى بيت المال بها عشرة آلاف ألف دينار فى أيام المعتضد وضعف لها فى أيام المكتفى، فأما ولا مال بها فهى كسائر البلدان، فقلت فيها ما هو أجل من المال، الأميران بلغ الله سيدنا ما يأمله فى نفسه وفيهما، وفيها حرم الخلافة وذخائرهن. وأعاننى العروضى بكلمة فصاح عليه فسكت، ثم أقبل على فقال يا هذا كم تنصحنى فى هذا الأمر وما استنصحتك، وتشير على وما استشرتك! فقلت خطأ والله من عبدك وفرط إشفاق، لا أعود لشىء من هذا أبدا.
وقمت إلى ذكى فقلت له أو مأت إلى بالقول فنالنى ما رأيت، فقال لى ما بالصواب أن يعيد أحد فى هذا شيئا. وكانت نوبتنا هى النوبة التى تصل اليه ونأنس بها ويديم إعطاءها والاحسان اليها، ونوبة بنى المنجم مجفوة لا يصلون اليه إلا فى المدة البعيدة، فلما سار فى الماء يريد تكريت سرنا نحن على الظهر وطلبنا فلم يجدنا، وسار بنو المنجم فى الماء وتعرضوا له فجلسوا معه، فكايدنا بهم وساواهم بنا وقال: السفر
[ ٢ / ١١٥ ]
لا نوبة فيه لقوم دون قوم، وجعلوا إذا خلوا يشعثون حال من قدروا على ذكره منا عنده وهو يطلع بعض ذلك لنا، حضرنا وغابوا، يغرى بعضنا ببعض ووصلهم سرا ولم يصلنا، فأجمع أصحابنا على أن أعمل شعرا فى ذلك، فأوصلت اليه رقعة فيها- وكان أعطاهم خمسة دنانير لكل واحد فى كل دينار عشرة دنانير-:
يا مذيقى غصّة الكمد مشعلا للنّار فى كبدى
ألذنب كان هجرك لى أو دلال الغنج والغيد
حين أزمعت الرّحيل ضحى أزمعت روحى عن الجسد
ما أبالى ما يفوت إذا ظفرت بالوصل منك يدى
قل لخير النّاس كلّهم لا أحاشى فيه من أحد
الّذى يرضى الإله به مذهبا للغىّ بالرّشد
حاسدى فى حسن فعلك بى غير معذول على الحسد
قد دهتنى الآن داهية وسمها باق على الأبد
أنت يا أعلى الملوك يدا عدتى فيها ومعتمدى
نوبتى قد ذلّ جانبها بيع منها النّوم بالسّهد
ضعّف لحرمان قوّتها بعد حسن الأيد والجلد
[ ٢ / ١١٦ ]
لا تطع فينا الوشاة فقد جعلونا ضحكة البلد
حين فازوا دوننا بيد منك واستولوا على الأمد
ورأيناها معاينة إنّ هذا منتهى الكمد
بعد أن كنّا بفضلك فى طيب عيش دونهم رغد
فأنلنا ما أنلتهم خمسة توفى على العدد
أو فزدنا مثل عادتنا ليس غمر الجود كالثّمد
عندنا من فعلهم ترة فأزلها اليوم بالقود
لم تزل بالبذل تبدأنا فاجعلنها الآن دون غد
وليكن إن شئت مكتتما إنّنا منهم على رصد
وأزل نحسا برؤيتهم طالعا منهم بمفتقد
وعليهم لا عليك بهم دابرات السّوء والنّكد
فما عوضنا بشىء وأقام على كياده لنا، وأقام أياما بتكريت، ثم رحل منها يريد الموصل، فنزل منزلا على أربعة فراسخ. واستهل هلال صفر ودخل بجكم قبل ذلك إلى الموصل، ووافى الخبر بظهور ابن رايق يوم الأربعاء لليلتين أو لثلاث خلون من صفر وأنه دخل إلى بغداد كأنه لم يكن بها من ناحية باب قطربل ومعه ألف من القرامطة فيهم رافع
[ ٢ / ١١٧ ]
كانوا فى عسكر الراضى، فاستحقوا فلم يعطوا وأبطىء فى أمرهم، وكان بجكم لا يحب كونهم مع الخليفة فى جملة حاجبه، فانصرفوا إلى بغداد فكانوا سبب ظهور ابن رايق، وتصد داره فلم يصل اليها فخرج إلى المصلى وكان مستترا فى دار كاتبه السرمن رآى «١» ونادى مناديه أنه قد زاد الفرسان اللاحقين به خمسة دنانير كل واحد منهم، وأنه يطلق لهم عاجلا رزقة كاملة ويزيد الرجالة دينارا دينارا ويطلق لهم نوبتين معجلتين ويكون ذلك بلا نقصان ولا مصارفة. ووافى جعفر بن ورقاء فنزل فى الحلبة فى دار الخليفة ونزل معه أحمد بن خاقان وضبط أحمد ابن بدر الشرابى البلد جهده وكانت اليه الشرطة، وأعطت أم الراضى مالا أنفق فى رجاله وفرسانه وقصد اصحاب ابن رايق دار بجكم على دجلة فمنع عنها أصحاب كان لهم فيها ثم انهزموا وخرجوا هاربين يريدون سرمن رأى وسلموا الدار فنهبت وأحرقت، وتحدث الناس بان ابن مقاتل حمل إلى ابن رايق مالا فأعطى الفرسان كل واحد منهم خمسة دنانير صلة وهى الزيادة وأعطى الرجالة دينارا دينارا، وجاء إلى دار السلطان فقوتل عنها وقتل من الفريقين جماعة وانصرف ابن رايق إلى المصلى واستأمن قوم من البجكمية فيهم يارخ وصيغون فأحسن اليهما وتبع أصحاب ابن رايق من كان فى دار بجكم ورئيسهم تكينك فأخذوا منهم دواب وتفرقوا، وجاء خبر محمد بن ينال الترجمان ومعه جماعة كانوا بواسط بأن يقصد بغداد فوافاها
[ ٢ / ١١٨ ]
واجتمع مع ابن بدر الشرابى وحاربهم ابن رايق وأصابت ابن بدر ضربات وحمل إلى منزله وذلك لثمان ليال خلت من صفر فمات فى منزله بعد ثلاث.
وملك ابن رايق بغداد، وظهر ابن مقاتل وحمل إلى ابن رايق مالا فأعطى القرامطة رزقة كاملة بزيادة خمسة دنانير لكل واحد منهم ودخل إلى داره المعروفة بدار مؤنس فأقام فيها ووجه إلى دار الخليفة وإلى أم الراضى فسكن منهم، وقال لهم كونوا على أمركم، ونهبت دار على بن خلف بن طياب فى الجانب الغربى بقرب الجسر ودار أخ له وأخذ منها مال ومتاع ووجد لبجكم مال فأخذ وانحاز ابن ورقاء وقصد الموصل بعد أن قاتل أشد قتال وما أبلى أحد بلاءه وبلاء ابن بدر الشرابى ونادى ابن رايق بأمان البجكمية وولى شرطة بغداد ابن يزداد قائدا من قواده. وفرض قوما من العيارين فأعطاهم دينارا دينارا وجاءه ساجية وحجرية فقبلهم ووعدهم ما أحبوا، ووجه إلى أبى القاسم الكلوذانى فأخذ منه مالا كان قد جمعه للسلطان وملك العيارون البلد. وكتب لابن رايق فى هذه الحال أبو غالب كاتب صافى الخازن وعلى جيشه ابن القلانسى. وطلب أبا العباس الاصبهانى فاستتر وكان ابنه ظاهرا بين يدى ابن رايق، وخلع على صيغون ويارج وركبا فى شارع الجانب الشرقى حتى رآهم الناس وبين أيديهم بدور دراهم على أكتاف الرجال.
ووجه إلى دار السلطان فأخذ ما وجد من الخزاين. ووصل محمد بن ينال الترجمان إلى النهروان ومعه أحمد بن نصر القشورى وسياتنكول
[ ٢ / ١١٩ ]
وابراهيم بن خلف بن طياب وعبد الله الشيرازى ومؤنس غلام هنكر فى خلق عظيم فتوجه اليهم ابن رايق فواقعهم يوم السبت لأحدى عشرة ليلة بقيت من صفر ثم حجز الليل بينهم وحاربهم يوم الأثنين لتسع بقين منه، فظفر بهم وغنم هو وأصحابه غنيمة عظيمة من الدواب والحلى والمال والأمتعة وكان ابن رايق قد رأى كثرتهم فزال طمعه فى مقاومتهم فدس اليهم جماعة من القرامطة وواطأهم على أن يستأمنوا اليهم فأذا واقعهم صيحوا بهم من عسكرهم فكان هذا سبب الهزيمة وقتل سياتنكول وأصابت أحمد بن القشورى ضربة فى وجهه وجىء به أسيرا إلى ابن رايق فمن عليه. وأسر مؤنس الهنكرى فهجنه ابن رايق وشتمه فعدا عليه بعض القرامطة فقتله وهرب الترجمان فلم يعرف له خبر حتى وافى الموصل على حالة قبيحة وكان بجكم يظن أنه قتل فوجه إليه بما لبس وبدواب حتى دخل الموصل، ونادى ابن رايق بعد الوقعة ببراءة الذمة ممن آوى الترجمان، أو ابن خلف بن طياب أو عبد الله الشيرازى.
ودخل البريدى إلى واسط فى هذا الوقت، وعظم أمر العيارين ببغداد وأخذوا ثياب الناس من المساجد والطرقات إلى أن ركب ابن يزداد وأخذ جماعة منهم فضربهم بالسياط. ووجد لبجكم عشر بدر دنانير فى درب الزعفران فأخذت ووافى فاتك صاحب ابن رايق فى جيش فدخل من باب الأنبار فى تعبئة حسنة، وذلك فى يوم الخميس لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، ودخل معه لؤلؤ غلام المتهشم، وعلى أعلامه لؤلؤ الرائقى
[ ٢ / ١٢٠ ]
ولما ظفر ابن رايق وجاءه فاتك وصار إليه مال بجكم الذى ذكرناه أفكر فى الأموال العظام وكاتب فى أمر الخلافة جماعة، ووجه إلى الحسن والحسين ابنى الفضل بن المأمون فأخذهما إلى داره وقدر مال البيعة فاذا هو على التقليل ثمانمائة ألف دينار فقال له ابن مقاتل:
نحن لا نملك عدد هذه دراهم، فكيف نحتالها دنانير افرد ابنى المأمون إلى منازلهما وأضرب عن هذا الرأى.
ووجه محمد بن يحيى بن شيرزاد إلى الموصل فى أشياء أرادها فوصل إلى الراضى بالله وإلى بجكم ووجه الراضى بالله القاضى عمر بن محمد برسالة إلى ابن رايق ولزمه وكان يخلو به وبابن مقاتل، وربما حضر ابن سنكلا وألزم ابن مقاتل الأمر وقال إن السلطان يعلم أن هذا يتصرف برأيك ومتى أعنتنى على أمر الصلح وقع لك ذلك أجمل موقع، فاتفق الرأى على خروج ابن رايق إلى الشام واليا عليها. فاقتصر على من أراد من أصحابه وأخرج مضربه، وكل من استغنى عنه ابن رايق لحق بالبريدى مثل جنى الحمدانى وجماعة قواد وفرسان وخرج ابن رايق عن بغداد يوم الأحد لثلاث خلون من شهر ربيع الآخر، وركب بشرى الأثرم غلام الراضى بالله، وكان أنفذه الراضى معه لشرطة بغداد إذا رحل ابن رايق عنها، فنادى فى الذعار وأخذ جماعة من العيارين وطاف فى الجانبين فسكن البلد بعد افتتان عظيم وأظهر القاضى كتابا ورد عليه من السلطان وأمر بأن يقرأه عدوله فى مجالسهم بأن السلطان لم يؤاخذ أحدا من أهل بغداد بشىء مما جرى،
[ ٢ / ١٢١ ]
وأنه إذا ورد أحسن إليهم كل الإحسان ولم يطلق يد بجكم عليهم وأمر أن لا يتبع أحد ولا يعنت فسكن الناس إلى ذلك وسروا به (رجعنا إلى أمر الراضى بالله ورحيله، من تكريت ونزوله على أربعة فراسخ) ووافى الخبر بظهور ابن رايق وقصده الدار، وكان الراضى فى طيار وقد طلبنا وما وصلنا إليه بعد ورود هذا الخبر، فجاء القاضى وابتدأ يكلمه ويشير عليه بالتوقف والنظر فى الرجوع فأسبل غشاء الطيار بينه وبينه، وأمره بالأنصراف، فانصرف. ودعا بذكى حاجبه وقال:
أنا أعبر إلى الجانب الغربى الساعة فاعبر بدوابى ودوابك ومن تبعك من الغلمان فانى أركب البرحتى ألحق بالموصل، وليسر الناس فى الماء ويكون الذى يسير بهم ويحفظهم سعيد بن حفيف السمرقندى ويشاور القاضى فى جميع ما يفعله وعبر من وقته وعبر ذكى وجماعة من الغلمان والفرسان، فحدثنا هو لما وصلنا إليه إلى الموصل أنهم كانوا كلهم نحو خمسين ومائة وأن الهيبة حرسته بعد حفظ الله من أن يتخطف وأنه جاع فى الطريق ولم يجد ما يأكل وأن خيرا غلام ذكى الحاجب كان ربما طبخ له القدر والقدرين فيأكلها إلى أن وافى الموصل فى أربعة أيام وقد ماتث الدواب وهلك أكثر من كان معه، فنزل دار الحسن ابن عبد الله، وسار سعيد بن حفيف بالناس وحفظهم أحسن حفظ، على أنه ليس معه أحد ولا له معين، وكان بنفسه وغلمانه وغلمان من معه فى الزواريق بمنع الاعراب والزواقيل ويحرس الناس بنفسه ولا ينام
[ ٢ / ١٢٢ ]
الليل، ويأمر بأيقاد النار وضرب الدبادب إلى أن يصبح. وكنا نسير فى سفننا لصعوبة الطريق الفرسخين فى اليوم وأقل وأكثر، وكنت أنا مع ابن حمدون فى زورق وكان معه طيار ومعى سميرية بأربعة مجاذيف فغلط أصحاب السميريات ليلا، فربطوا على بعد من العسكر وكبسهم القياقنة وأخذوا جميع ما كان فى السميريات ولم يبق لى شىء كان فى سميريتى إلا ذهب، ثم دخل بعد ذلك الماء إلى زورقنا حتى كاد يغوص وسقطنا إلى الماء، فمن الله علينا بأن رجالة كانوا معنا فى الزورق وحملونى وحملوا ابن حمدون حتى صرنا إلى الشط وانتظرنا الطيار حتى جاءوا به وأخذ ما فى الزورق ومد إلى الشط حتى أصلح وكان قد انتقب فى عدة مواضع.
ووافى راغب خادم الراضى بالله من الثغر، وكان قد شهد الفداء إلى الموصل فوجه به الراضى فلقينا بين الحديثة والسن فسلمنا عليه وكانت معه دواب فحمل القاضى عليها لأن الراضى أمره بذلك وأراد أن يتقدم وصوله وتبعه من كان له مركوب، وبقينا نحن أياما كثيرة إلى أن وصلنا إلى الموصل، ودخلنا إلى الراضى بعد عشرين يوما من مفارقتنا إياه وكان فى نفسى ما قاله الراضى حين أنشدته قصيدتى الضادية وقت جلوسه: هذه حمتك رميت بها. وأردت أن أعمل قصيدة أشكو فيها غرقنا وما نالنا فقلت والله لأجعلنها ضادية ليعلم أن تلك لم تكن حمتى، وأنه قد بقيت لى قصيدة وأنا فى الزورق مع ابن حمدون، نحو تلك القصيدة فى الطول وهى:
[ ٢ / ١٢٣ ]
أبغضته من بعد ما بذل الرّضا؟ هذا تجنّ من حبيب يرتضى
لا تجزعن للبعد توعده غدا فالله يصرفه بما فيه قضا
ظلم الحبيب فأظلم البيت الّذى أمّت مطاياه به ذات الأضا
قد قال بشّار وكان مسدّدا يحوى المعانى إن رمى أو أنبضا
قد ذقت ألفته وذقت فراقه فوجدت ذا عسلا وذا جمر الغضا
خذ من زمانك ما صفا لك قلّما يغنيك غمّك بالتّكدّر إذ مضا
واصبر على غرق بنعمى نلتها إنّ الزّمان لمقتض ما أقرضا
فهويت فى لجّ علاك عبابه لا بدّ أن تلقى الّذى لك قيّضا
إن قمت فيه لم تطله لغزره ورأيت تحت الرّجل منه مدحضا
وتسرّعت منه اليك حجارة تذر الصّحيح من العظام مرضّضا
وكساك من يده ولم تستكسه عشرا يؤلّفه المدود وعرمضا
نجّاك من نجّا بلطف يونسا منه وكان لقبض روحك معرضا
هذا وقد ثلم الزّواقل جانبى فأفضت دمعا عند ذاك مغيّضا
أبكى كساء كان أوثق عدّتى إن أخصر البرد العظام ونقضّا
ومخدّة قد كان يألف لينها خدّى فأضحى الجسم منها ممرضا
[ ٢ / ١٢٤ ]
ونفيس فرش كالرّياض نقوشه ما كان من دون الرّياش مرحّضا
ومجمّعا قد كنت أجمع آلة فيه وكان من البلاء مفضّضا
والصّفر أبكى كالنّضار وشمعة زانت يد الماشى بها والمقبضا
صرّحت بالشّكوى إليك تأنّسا بندى يديك إذا غريب عرّضا
فلأنت أعلى فى الملوك محلّة وأجلّ من راش العبيد وأنهضا
من بعد ما غال المشيب شبيبتى ونضا لباس تجمّلى فيما نضا
وأحارنى مرضا وأوهن قوّتى فغدوت منه وقد صححت ممرّضا
وإذا دنت سبعون من متأمّل دانى ولم يرفى اللّذاذة مركضا
وجفاه نوم كان يألف جفنه قدما وأضحى للحتوف معرّضا
وإذا بلغت إلى الامام مسلّما ورأيته زال التّخوّف وانقضى
ونسيت روعات لارجاف فشا ما زلت للاشفاق فيه مرمضا
ذادت موارده الكرى عن مقلتى وأبى علىّ حذاره أن أغمضا
فعلىّ نذر إن رأيتك سالما صوم وعتق عاجل لا يقتضى
بمحمّد رضى الاله خليفة فى الأرض فهو بذاك راض مرتضى
جاءته طوعا لم يسيّر لفظه فيها ولا أضحى لها متعرّضا
[ ٢ / ١٢٥ ]
فهو الحقيق بها المعان بقوّة فيها بحكم فاصل لن يدحضا
ألله أقبل لى بوجه نواله فرفضت وجه الدّهر لمّا أعرضا
بدر يضىء دجى الظّلام ولم يزل لسواد ما تجنى الخطوب مبيّضا
بكر الزّمان فليس ينتج مثله أبدا ولا يلفى به متمخّضا
عالى المحلّ بنى له آباؤه شرفا أبت أركانه أن ينقضا
من شام عزّك ذلّ دون مناله أو رام ما رفّعت منه تخفّضا
أحسنت حتّى ما نرى متسخّطا يشكو الزّمان ولا نرى لك مبغضا
كم مبغض حطّت إليك ركابه نال الغنى عجلا فأغنى المبغضا
بعلوّ فخرك فى المفاخر يعتلى وبنور هديك فى الدّيانة يستضا
وجليل خطب هاب منك عزيمة فأتى إليك بما هويت مفوّضا
ومضت بروق فى العراق فأخلبت ورأيت برقك صادقا إذ أومضا
قزع أرذّ فما غذت أخلافه غرسا ولا هو بالجمائل روّضا
وتداءبت بذوى الضّلالة هبوة أبقت لهم أسفا وخوفا ممرضا
وسيكشف الهبوات ربّك نقمة تدع البناء من الضّلال مقوّضا
سترى القيام به قعودا عاجلا فزعا ويرجع ساكنا من حرّضا
[ ٢ / ١٢٦ ]
ويصحّ من غمراته من لم يزل فيما قضيت من الأمور ممرّضا
ويعود ساع فى الجهالة عاثرا لا يستطيع من النّدامة منهضا
ويرى غوىّ رشده فيشيم ما قد كان من نعم الضّلالة ربّضا
ويفلّ غرب جموعهم لك حاسم من جيش رأيك كالسّهام المنتضى
ويذيقهم جرع المنايا بجكم وكذاك عادة بجكم فيما مضى
سيف الخلافة والمبير عدوّها بسديد عزم صائب إن أعرضا
أنحى عليهم بالسّيوف فخلتهم لتناثر الأعضاء حصباء الفضا
دلف الرّجال إليهم فكأنّما كانوا نساء حين دمّوا حيّضا
فعفوت عن طلب لهم فتبسّطوا ثقة وكان نجاؤهم متقيّضا
كيف التّورّط فى ظلام ضلالة والصّبح فى سبل الهداية قد أضا
يا واحد الكرم الّذى نلقى به وجه الزّمان إذا تسوّد أبيضا
خذها اليك قوافيا قد لبّست رقما أبى تحسينه أن يرفضا
كانت مجمّعة الظّهور نوافرا فأتتك لينّة المقادة ريّضا
لفظا أليفا للقلوب محبّبا لم يلف وقرا فى المسامع مبغضا
من شعر مقصور المدى متكلّف إن رام نهجا فى طريق أدحضا
[ ٢ / ١٢٧ ]
وكأنّه ثقلا فراق أحبّة نادى به داعى الشّتات وحضّضا
بل مرسلا طبعا فسيحا ذرعه قد شفّ ذا الباع القصير وأرمضا
وإذا أمال اليه سمعا صاعدت أنفاسه أسفا عليه وأبغضا
أحذاكه من لا يزال ضميره عمّا كرهت من المذاهب معرضا
أفنى الزّمان بخدمة لك آملا ما نلته فأنله غايات الرّضا
ومدائح سبقت اليك بأسرها يأتيك قائلها بها متعرّضا
ما شرّفته خدمة لك قبلها حتّى ملكت فدسّهنّ معّرّضا
وأصاب مرعى فى فنائك ممرعا فأخلّ فيه بالحظوظ وأحمضا
إذ سيف عزمك كامن فى جفنه أرجو انتضاك له ولمّا ينتضى
هذى سوابق لا يمتّ بمثلها من قد أتى خلف السّكيت مركضا
فأفد وعوّض ماد حالك راجيا فلأنت أكرم من أقال وعوّضا
فلما أنشدته إياها قال: صدقت يا صولى قد بقيت لك حمات، وهذه الضادية أفحل كلاما من تلك، وتلك أنعم لفظا وكلتاهما فى نهاية الجودة فقلت أنا والله يعلم سيدنا بالشعر أحترس إذا مدحته! فضحك.
وأقمنا أياما بالموصل وبجكم قد كان واقع الحسن بن عبد الله فهزمه ثم رجع بجكم إلى الموضع ووقع بين أصحابه وبين أهل الموصل حرب
[ ٢ / ١٢٨ ]
فقتل جماعة من التجار ونهبوا، فكان من بجكم وأصحابه أمر قبيح عظيم حتى وجه اليه الراضى فى ذلك فأمر أصحابه أن يكفوا، وطولب على بن خلف بن طياب بالأموال الذى ضمنها فما قدر إلا على الشىء اليسير الوتح فوجه إلى قرى بعيدة فيحمل حنطة وشعيرا ويعز عليه من يشتريه. وكان الطالقانى صاحب بجكم، ويكنى أبا حامد فى يد الحسن بن عبد الله فأطلقه وفارقه [على] أن يصلح الأمر بينه وبين بجكم ففعل ذلك وكان بينهم ما غمض على الراضى فلم يعلم حقيقته، وكلم بجكم الراضى فى الحسن بن عبد الله أن يقبل الضريبة التى عليه ويرحل الى بغداد، فقال له إنى قد اتفقت مذ غرمت على الحركة الى وقتى هذا مائة ألف دينار. وأخذ ابن رايق مثلها من بغداد فلم يزل يسأله إلى أن أجابه. وكان الراضى بالله وصل الجلساء ولم يصلنى، لما فى قلبه على من تكلفى المشورة.
وعزم على الرحيل فمنعته الإضاقة، ثم فورق على مال يسير قدروه لنفقته الى بغداد، على أنه يجئ من عند الحسن بن عبد الله، فرحل عن الموصل وأقام على نحو فرسخين منها ينتظر المال، واستبان الصواب فيما كان أشير عليه به وضاق بمقامه ذرعا. وكان فى حراقة يدخل اليه فيها. فأمر راغبا الخادم أن يدخلنى اليه مفردا قبل وقت مجىء الجلساء، فأوصلنى اليه فقال لى: كأنى بك، وقد قلت فى نفسك إنى خطوت الرأى، وتركت الصواب. فقلت والله ما دار لى هذا بفكر، ولقد شغلنى الغم عن ذلك حتى أرى سيدنا فى دار ملكه مداوما لسروره على عادته، فقال أما كنت حدثتنى أن يحيى بن خالد البرمكى، قال لا أحمد نفسى على رأى ابتدأته
[ ٢ / ١٢٩ ]
بخطأ فآل إلى صواب، لأنى بالخطأ ابتدأته ولا علم لى بمآله. وكذلك لا أذمها على رأى ابتدأته بصواب فآل إلى خطأ فأنا كذلك ابتدأت أمرى بصواب ولا أعلم المغيب. فقلت يوفق الله أمير المؤمنين ويعوضه ويبقيه، فقال الراغب ادفع الى الصولى ما كان قبضه أصحابه ولم يقبضه، وزده مائة دينار، فأعطانى ألف درهم ومائتى دينار. وكان قبل أن يرحل من الموصل طلبنى وقت الظهر فدخلت اليه، وكان قيد على كتاب بما كان من أمر ابن رايق مع ابنى المأمون وكتب إلى ذكى كتاب مثله. ووردت كتب الناس بذلك.
وكان الرجالة المصافية يطالبون بأرزاقهم فأخروا فغضبوا وصاحوا: قد مضى القرامطة ففازوا بابن رايق، ونمضى نحن فنأخذ بيعة ابن المأمون. إلى أن وجه الحاجب فردهم، وضمن لهم ما أرادوه فقال لى الراضى حين دخلت اليه: هناك يا صولى قد أجلس جارك ابن المأمون خليفة، وميل بين الاثنين فاختاروا الكبير، والله لأطمعن الطير لحمهما، وذكى الحاجب يسمع ذلك وخدم قيام فقلت لا أحيانى الله الى أن أرى مكان سيدنا غيره، وما أبعد هذا يا سيدى فى نفسى، أيصلح للخلافة من خاب سبعين سنة، ومع هذا فو الله ما يحسنان شيئا ولا يفهمانه فلما سمع قولى هذا ضحك منه، فلما ضحك انبسطت فى الكلام فقلت أعداء هؤلاء كثير والتشنيع عليهم عظيم، ولعل هذا شنعه أعداؤهم عليهم. فزمى إلى بفصل من كتاب قد ذكر ما قاله فيه.
ودخل محمد بن حمدون ونحن فى ذاك فأعاد عليه القول فسلك فى
[ ٢ / ١٣٠ ]
الكلام طريقتى، وما زلنا نكلمه حتى سكن. وخرجت فقال لى ذكى الحاجب أحسن الله جزاءك، هل ورد عليك كتاب بما قاله سيدنا؟ قلت نعم قال وقد ورد على مثله، فأعطانى كتابه ودفعت إليه كتابى فرمى بهما فى دجلة. وجاءت الدراهم التى وعد بها الراضى ففرقها ورحل نحو بغداد لا يلوى على شىء، حتى دخل بغداد لثمان خلون من شهر ربيع الآخر ولقى الناس شدة فى الطريق، وغرق خلق من أصحاب بجكم من باب يعرف بباب الهاشمى. وكان الناس يقولون: نالتهم عقوبة بطلبهم أهل الموصل. وكان دخول الخليفة فى الماء يوم السبت، حتى انتهى إلى داره ونزل بحكم دار مؤنس. وورد من الحسن بن عبد الله مال من مال المفارقة، حمل إلى خزانة بجكم.
وكان فيما خاطبنى به الراضى فى حجته من خروجه أن قال نظرت فاذا الدنيا لا نفى برزق جند بجكم ومؤونتى، وأن هذه المستخلصة التى فى يدى احتاج أن أنمم منها مال أصحابه، فقلت نصير إلى الموصل وهى الناحية العامرة، وأكثرها ضياع آل حمدان فأقبضها كلها وانفرد بأولئك وأجعلها لبجكم وأصحابه وهى كفاية وفاضلة عنهم ويخلص لى مال ضياعى فأوسع على الناس منه وأعطى من حرمت، وأجعل فى بيت المال شيئا يرجع الناس اليه.
فقلت له إن هذه الناحية إنما عمرت بعناية ابن حمدان بها، ونزولهم فيها، ولو قد صارت الى غيرهم لعادت خرابا كما عادت فارس بعد عمرو ابن الليث، وأصبهان ونواحيها بعد أبى دلف. ولما قدم الراضى بغداد
[ ٢ / ١٣١ ]
أمر فنودى فى جانبيها ببراءة الذمة من جندى تعدى على عامى، وكذلك إن تعدى عامى على جندى فسكن الناس، وورد كتاب الحسن بن عبد الله على بجكم يخبره بأن ابن طياب كاتبه أخذ من الأموال بالموصل نحو ألف ألف دينار سرا وجهرا، فقبض بجكم على كاتبه على بن خلف وعلى أخيه واستكتب أبا جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد وكانت لبجكم دعوة عظيمة دعى فيها القواد، وأو قد فيها نيرانا عظيمة فى يوم السبت لأيام بقين من شهر ربيع الآخر، وذلك فى الصحراء التى أسفل النجمى على دكة كان بناها هناك وميدان أصلحه، قطع فيه نخل الناس وأخذ أملاكهم وذلك وقت كان الفرس يصنعون فيه مثل هذا لدخول بهمن ماه وهو ذهاب الشتاء.
وخلع على ذكى الحاجب وعلى ابن ورقاء وعلى ابن جعفر الخياط وابن خاقان، ووصلهم وفعل بأصحابه مثل ذلك، وأنفق فيها مالا عظيما وتكلم بجكم فى أمر محمد بن القاسم الكرخى فظهر.
وقطع أبو جعفر بن شيرزاد أمر بنى طياب على ألف ألف درهم.
وقبض بجكم على لؤلؤ وكاتبه ابن سمعون وابن أعجى خليفته، كان على الشرطة، وقال له أتدخل بغداد بأعلام عليها لؤلؤ الرايقى؟ واتخذ بجكم دار ابن رايق ميدانا يقصده فى كل جمعة وثلاثاء. وسفروا فى الصلح مع بنى البريدى على أن ابن شيرزاد يسفر فيه فقدم كاتبه طازاذ الى واسط.
وضبط بشرى الأثرم الشرطة ضبطا حسنا، وماتت أم موسى
[ ٢ / ١٣٢ ]
الهاشمية فى شهر ربيع الأول ومات جماعة من المحدثين منهم الأدمى المقرىء بحرف حمزة فى جامع المدينة وكان زاهدا. ومنهم على بن العباس الهروى ثم كثر عبث العامة وكبسوا الحمامات، وأخذوا ثياب الناس وكذلك صنعوا بقوم شيعوا جنازة وغلت الأسعار.
وولى أبو الحسين بن ميمون أزمة الدواوين، وأطلق البازعجى فى غرة جمادى الأولى، ففورق عن مال يؤديه عن لؤلؤ ومات أبو محمد يزداذ بن محمد بن يزداد الكاتب- وكان قد حدث عن أبى سعيد الاشج والزبير بن بكار- يوم النصف من جمادى الأولى.
وقبض الراضى على عبد الصمد بن المكتفى، وحمله الى داره واتهمه بمكاتبة ابن رايق فى البيعة له وقت ظهوره ببغداد.
واتصل النداء برضاء السلطان عن البريديين، ووردت الكتب بموت الوزير أبى الفتح الفضل بن جعفر يوم الأحد، لثمان ليال خلون من جمادى الأولى، وأنه دفن فى دار له بالرملة، وخرج القاضى والترجمان الى بنى البريدى فى جمادى الآخرة، ووقع بين يدى الراضى إملاك لابى الحسن بن عبد الله بابنة لبجكم صغيرة، وأنفذ بجكم بعقب هذا هدية عظيمة الخطر فيها خمسون ثوبا من فاخر الفرش والديباج، ومثلها من الخز وعشرة مراكب على عشرة أفراس. وجاءت من الحسن هدية إلى بجكم تزيد على هذا، وعجل بجكم على رجل كان فى داره من وجوه قواده فقتله ليلا، ثم أصبح نادما مغموما وخبثت قلوب
[ ٢ / ١٣٣ ]
أصحابه لذلك، وورد الخبر بأن البريديين دخلوا الأهواز بحرب الديلم وهزيمة لهم.
وعاد القاضى والترجمان إلى بغداد، ونفذ راغب خادم الراضى بالخلع على أبى عبد الله البريدى للوزارة يوم الثلاثاء، لسبع خلون من رجب على أن يخلفه ببغداد أبو بكر النفرى، وكان الكتاب نفذ إلى ابن أبى الفتح الوزير بأن يدبر ما كان يدبره أبوه بعد اسم الوزراة.
وورد الخبر بأن ابن رايق رجع الى الرقة فقبض على خزائن لابن حنزابة فوصل اليه منها ما قيمته خمسائة ألف دينار. وخلع على الترجمان، لعشر بقين من رجب لولاية الجبل، وخرج الى مضربه بصحراء ثلاثة أبواب وعقد له لواء.
وسمعت راغبا الخادم يقول إن أبا عبد الله البريدى امتنع من الوزارة وقال: لو سست بعض دواب الخليفة لشرفت بذلك، فكيف بكتبته! ولكنى بعيد عنه، ولا يحسن لى أثر عنده، لغلبة من قد غلب على الأمر، وأخاف أن ينسبى إلى وأخاف أن ينسبنى إلى عجز وتقصير. فان أمنت هذا منه فأنا عبده يفعل بى ما شاء. فرجع إلى الراضى فأخبره بهذا من قوله.
فرده اليه بأن يعذره. فلبس الخلع وركب فيها، ووصل راغبا ومن معه بمال عظيم. وقدم راغب فحدث الراضى بما جرى، وهو يدور فى داره ونحن معه، فأقبل الراضى علينا كالآنف من طرحه الوزارة على من يشترط فيها! فقال لنا- وتكلم بأحسن كلام وأصوبه فى معناه-: إن الوزارة قطعة من الخلافة، ووهنها وهن الخلافة، وكنت
[ ٢ / ١٣٤ ]
استكتبت الفضل بن جعفر، وكان كاتبا من بيت كتبة، وكان نائبا عنى فحسن أثره عندى فى جميع ما فعله، ولم تنله مهنة من أصحاب بجكم تضع من الوزارة ومنه. فلما توفى نظرت إلى من بالحضرة فاذا هم من قد عرفت، وإن علقت هذا الاسم بواحد منهم لما مضى عليه أسبوع حتى يسأل مالا يقدر عليه، ويمتهن كل الإمتهان. فنظرت إلى أرفع من أعلمه فى الزمان ممن يسلم من هذا ويبعد عنه، فلم أجد غير ابن البريدى، فاستكتبته لهذه العلة، وليبقى اسم الوزارة على حال صيانة ورفعة فدعونا له وقلنا: والله يا سيدنا ما سمعنا كلاما أوضح بيانا، ولا أفلج حجة! وتتابعت هدايا الناس إلى الوزير ابن البريدى. ونالت بجكم علة صعبة، ووافت الأخبار بأن الديلمى وافى واسط، فنزل الجانب الشرقى، وأن البريديين عبروا إلى الجانب الغربى. وكتب يستنجد ببجكم، فخرج الراضى وبجكم على علته نحو واسط يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة بقيت من شعبان ولم يخرج بجكم معه أحدا من الديالمة، خوفا من أن يستأمنوا. ورجع الترجمان إلى بغداد، وأقام الراضى بالزعفرانية، ولحق به بجكم وهو عليل. وتعرض الحنبلية لمن قصد الحى للنصف من شعبان، فنودى فيهم: أنهم متى عرضوا لهم عوقبوا أشد معاقبة، فكفوا. وكان ابن إسماعيل بن أحمد قد ولى شرطة بغداد قبل هذا الوقت بشهر وأيام، فركب ووقع بين الحنبلية والضرابين والنخاسين قتال فأعان على الحنبلية. ورجع السلطان إلى بغداد لليلتين بقيتا من شعبان، لما اتصل به أن الديلمى قد رجع إلى
[ ٢ / ١٣٥ ]
الأهواز. ورجع بجكم وابن شيرزاد إلى بغداد يوم السبت لثمان ليال خلون من شهر رمضان. ومات البخارى خليفة البربهارى فى شهر رمضان. وكبست منازل ولد أبى العباس بن الفرات، لسعاية غلام لهم بأن عندهم خزانة لابن رايق، وكذب، كانت خزائن لهم، فأخذ جميع ما ملكوه. وكبس ابن الصالحى وأخوه، لأنهما اتهما بالسعاية فى كتبة بجكم، فصودرا على مائة ألف درهم وضرب بجكم دنانير وحشة، وحمل عليها حملا كثيرا. وطلب ابن إسماعيل بن أحمد، صاحب شرطة بغداد البربهارى فاستتر. وقطع الاكراد على قافلة جاءت من خراسان فى النصف من شوال، فأخذوا منها مالا عظيما وورد ابن حاتم والحاج من خراسان، فمنعهم بجكم من الحج خوفا عليهم من القرامطة وكثر التخليط فى أمر النقد ودار الضرب. وكان الدلاء صاحب البربهارى قد فر من الحبس فى دار بجكم، فوجد وآل أمره إلى أن قتل. ومات أبو الوليد بن حمدان فى ذى القعدة. ثم احتال الحاج فى أن خرجوا فجاءهم ابن سنين، فوافقهم على أن يخفرهم وأخذ من جمل المتاع خمسة دنانير، ومن كل محمل ثلاثة دنانير، ومن كل زاملة دينارا. وقبض بجكم على سلامة أخى نجاح فى غرة ذى الحجة وقطع أمره على خمسين ألف دينار، أخذ منها بستانه بالبردان. وبنى مسجد براثا. وأفتى بعض الفقهاء بنبش القبور وتحويلها- التى كان البربهارى وأصحابه أخذوا الناس بالدفن فيه- وأنفق عليه مال وصلى بالناس فيه. وروى فيه جعفر الدقاق عن أبى خليفة حديثا ما خلق
[ ٢ / ١٣٦ ]
الله له أصلا. وكان من أخبار الجلساء بعد رجوع الراضى من الموصل انه أعاد النوبة كما كانت يومين يومين، أربعة وأربعة، وكان بنو المنجم لا يصلون، وكان أحمد بن يحيى المنجم يحضر كل يوم فى نوبتهم فلا يصل، وفى نوبتنا فيصرف، وربما استحيا الراضى منه، فجلس معنا فى نوبتنا ثم امتدح الراضى بشعر وقال: أنا أريد أن أخدم سيدنا كل يوم، إلا يوم الثلاثاء والجمعة بلا نوبة، وقام فسأل هذا وقبل الارض، فكان يجىء فى كل يوم. فطالبنا الراضى بأن نفعل مثل فعله، فعرفناه أن هذا ما كان مثله قط، وأن الاجسام لا تثبت عليه. وخوفنا أحمد بن يحيى منه. وقلنا له لا ترسم رسما يعود ضرره على جماعتنا، فلم يقبل خوفا من أن لا يصل متى تغير هذا، وكنا نحضر فنجلس الى السحر ثم ننصرف فلا يجلس حتى يعود، ويطالب بالأكل والشرب، فما كنا نجلس فى مجلس لكثرة عللنا، وكان ذلك سبب فساد مزاج الراضى ونفس الله عنا بشهر رمضان فى سنة سبع، فلما جاء شوال عدنا إلى ما كنا فيه، فاعتللت أنا أياما كثيرة، ولم يبق منا أحد الا اعتل، واعتل أحمد بن يحيى علة طالت، ووقع البلاء به كما جناه، فتوفى ﵀ فى ذى القعدة. وأمر الراضى بأن يتصدق بألف دينار من الصراة إلى نهر عيسى لعوز الماء من أجل البثق. فقلت أو يفعل سيدنا ما هو خير من هذا؟ قال: وما هو؟ قلت: يضيف إلى الألف ألفا آخر ويعمل البثق قال ويتم الأمر بهذا؟ قلت: نعم إن جرى على يد واحد من الناس.
قال ومن هو؟ قلت أخشى لومه، قال: قل. قلت: راغب الخادم؛ هو
[ ٢ / ١٣٧ ]
والله أوثق الناس. ويغمه بعده عن الخدمة. فيروج العمل والغمال يرتزقون فيحبون أن يطول الأمر ليأخذوا أرزاقهم، وهذا لا يزيد رزقا.
فدعاه وأمره أن يضم الى الألف الدينار ألفى دينار ويخرج، فأطلق يده على جميع الناس، فعرف راغب أن هذا من جهتى، فقال لى أنت عرضتنى لهذا؟ قلت نعم. رأيت الأستاذ يغزو ويحج على غرر، وهذا أفضل من الغزو والحج والجهاد بعد الفرض، فرضى عنى وكان قد غضب.
وخرج ففرغ من البثق بعد نيف وخمسين يوما، وركب الراضى ونحن معه نتنزه بكرخايا، فأعد له القاضى بالصالحية ضيعته، فاكهة كثيرة، وطعاما واسعا، على أنه يتغدى فيها، فلم يمض اليها، وعاد الى بستان ابن قرابة فتغدى فيه وانصرف من يومه ومعه بجكم، وعمل الجسر الفوقانى بمال أوصى به أبو الوليد من ثلثه، وأوصى بأن يعمل به الجسر.