رجع القاضى عمر بن محمد إلى بغداد لليلتين خلتا من المحرم. ونزل الوزير داره التى على دجلة بين القصرين، ووجه إلى يأمرنى أن أحمل إليه كتاب الكتاب الذى ألفته فاستحسنه، وكان جميع من يدخل إليه ممن يأنس به ويعلم أنه يفهم يقول له: لقد سرنى أنه بقى فى الزمان من يحسن أن يؤلف مثل هذا! ووصلنى بثلاثمائة دينار وأعطى الحشم رزقه وألحق اسمى بهم وأطلق رزقى وزاده فى جملة المال وكان ابن مقلة قد أخرجنى من جملتهم وأفردنى لما جالسه ابنا المنجم وشعثانى عنده فكاتبته بأشعار يغفر بها الكبائر من الذنوب فما عطف على! منها أنى مدحته بقصيدة ما مدح بمثلها قط، فما استمع الشعر منى، فأنفذته على
[ ٢ / ٩٠ ]
يد أبى بكر بن الخياط النحوى، فلما قرأه قالا له قد هجاك فى القصيدة فقال ابن الخياط أين الهجاء من هذه القصيدة؟ قالا قوله:
ما على الأرض مادح لكم قبلى وحقّى ما بينكم مهضوم وأنت فقد مدحك قبله عبيد الله بن عبد الله، وابن بسام فكيف صار هو أول من مدحك! فقال ابن الخياط انما عنى الرجل ما على الأرض ما بقى أحد مدحكم قبلى، ولم يقل ما تحت الأرض، وأعانه أبو عبد الله أخو الوزير وناظر فيه على حق وصواب، وهو لا يسمع إلا قولهما قال فلم يكن لنا حيلة.
وأنا أذكر الشعر وإن كان طويلا لخصال: منها أنه حسن، ومنها أنه ما مدح بمثله، ومنها تكذيب من زعم أنى هجوته فيها وهو:
أنا من بين ذا الورى مظلوم وإذا ما خصّمتهم مخصوم
تتخطّانى الحظوظ فاسى ومكانى من علمهم معلوم
كم ترى فى الزّمان مثلى حتّى لم يرمنى الوزير فيمن يروم
قد تعدّانى اختيار كريم وهو طبّ بالأختيار عليم
وهو أعلى الكفاة مجدا وفضلا إنّ ذا ما علمت حظّ جسيم
ليس هذا إلّا لتأخير حظّ حقّه حين ينصف التّقديم
لست أشكو أبا الحسين وحاشا هـ له دون ذلك التّعظيم
[ ٢ / ٩١ ]
أنا لو لمته- وقد خصّ غيرى بدنوّ من الوزير- مليم
أترانى أخللت بالعلم حتّى شدّ منّى التّحليل والتّحريم
لو رمى بى الزّمان عزّا تليدا لم يرضنى الذّكاء والتّعليم
كيف نجلى عليه أبكار لفظ وله فى الأنام مثلى نديم
أتظنّ النّدام ترضى بهذا لا ومحيى العظام وهى رميم
أين من جالس الخلائف قبلى وافر حين تستخفّ الحلوم
طائرى ساكن وفكرى عزوف عن فضول المنى ولحظى سليم
وكلامى قدر الكفاية إلّا شرح علم وجانبى مستقيم
فأعينوا على الزّمان بعدوى إنّ ذنب الزّمان عندى عظيم
لى عدات طير التّقاضى عليها طلبا للنّجاح منكم تحوم
والوزير الصّغير فيها زعيم بالّذى أرتجى ونعم الزّعيم
هى دين عليه وهو ملىء منصف من العدى ودهرى ظلوم
لعلّى على الأنام اعتلاء حادث من جلاله وقديم
ورث المجد من غطارف شمّ غرر لا يعدّ فيهم بهيم
فهو ينحو الوزير فى كلّ فضل ليس ينحو الكريم إلّا كريم
[ ٢ / ٩٢ ]
أنفس تعشق المكارم وقفا فرّقتها على ائتلاف جسوم
فعلىّ محمّد بن علىّ طاب فرعا هما وطاب الأروم
ذاك بدر لنا وهذا هلال ذا هواء لنا وهذا نسيم
لم تلد مثله الملوك كمالا فهو ثأر من العدوّ منيم
منطق يشغل اللّحاظ بحسن فهو ثاو عليه ليس يريم
تستردّ العيون حسنا اليه مثل ما يستردّ دينا غريم
ونفاذ يقرى الولىّ سرورا ويردّ العدوّ وهو كظيم
لو تمنّاه والد ما عداه وإليه فى أمره التّحكيم
لم يمحّض بمثله مقرب الدّهر ولا استام شبهه من يسوم
لو يحابى النّجوم فى طالع ال مجد لقلنا حابته فيه النّجوم
ليس يأتى بمثله الدّهر فضلا هو عن ذاك غير شكّ عقيم
كلّ رهن فى سؤدد أغلقوه فله السّبق فيه والتّسليم
أنتم يا بنى علىّ نجوم للورى فى الضّياء ليست تغيم
خيّمت فيكم محاسن حظّ لاح منها للنّاس درّ عظيم
قلم جامع بيانا وحسنا ما حوى فيه مثلكم إقليم
[ ٢ / ٩٣ ]
تتباهى به القراطيس حسنا مثل وشى تروق منه الرّقوم
وكلام كأنّه زهر الرّو ض بدت للنّجوم منه نجوم
قد أحاطت به عيون المعانى وأضاءت فى جانبيه الظّلوم
لكم إن تسقه الجود جود واقع دراه وخصب مليم
وسحاب من النوال وساع ضاق عنه سحابه المركوم
مدحكم واجب علىّ كفرض ليس فيه لغو ولا تأثيم
ليس لى فى تأخّرى عنكم ذنب وإنّى من أجله مهموم
كلّما جئت حال دونى حجاب وتعالت له علىّ الهموم
كسرت دونى الحواجب غمزا وبدا للعيون لمح ذميم
لمعت لى بخلّب الومض منها بنواحىّ به لحاظ سقيم
فكأنّى لديهم شخص بوّ لم تعطّف عليه ظئر رءوم
طبعهم ظاهر القساوة فظّ ليس فيهم مع البلاء رحيم
ليس لى فى الوصول وقت اختصاص وكذا فى العموم مالى عموم
فأسيم الكروب فى مسرح القلب ومرعى الحجاب مرعى وخيم
[ ٢ / ٩٤ ]
ما لها مشرب عليه مع الظّم ءو ورد الإخماس الّا الحميم
والّذى يوجب المديح لشرحى جمّه الفاء والنّبات الجميم
لا تكرّوا علىّ فيهم ملاما فعذاب الحجاب عندى أليم
وكذا جاء فى التّلاوة نصّا ليس بعد الحجاب الّا الجحيم
كلّهم فى أوان إذن عدوّ وصديق فى غير إذن حميم
ونيام عنهم كنومة أهل الك هف لولا وصيدهم والرّقيم
لم يلدهم جوار سعد كما قا ل جرير وكلّهم مركوم
ما أعلّى عليهم اللّوم لكن ملزمى فيهم الملام ذميم
وعطاياك إنّها فيض بحر إنّ شيطان منعهم لرجيم
أمن الحقّ أن يجفّ ثرى ربعى منكم وغيثهم مسجوم
لى من غيثه رذاذ وطلّ ولغيرى الأجشّ منه الهزيم
نام حظّى فأيقظوه بجود إنّه بعد بدئكم تتميم
قد تشكّيت ما ألاقى اليكم مثل ما يشتكى الوصىّ يتيم
كلّ من أخطأته رحمة عطف من نداكم وأنسكم مزحوم
فى زمان طرّزتموه بجود وهو لولا كم زمان لئيم
[ ٢ / ٩٥ ]
لى بكم حرمة ثلاثين عاما غير أنّى مباعد مرجوم
ليس لى منكم اختصاص بأنس بل أرى ظاعنا وغيرى مقيم
ما على الأرض مادح لكم قبلى وحقّى ما بينكم مهضوم
حين سيف المديح مدّرع الغمد لديكم ما سلّه التّصميم
لى منه وخد المسير ونصّ ولغيرى خنافه والرّسيم
وعيون الآمال تطرف عنكم ما لها نحوكم لحاظ تدوم
مدحى سبّق وإذنى سكيت ما قضى مثل ذا القضاء سذوم
مدح ملّكت رقاب المعانى عطّلت من حليهنّ الرّسوم
شغلتها علاكم من مغان سئمت مرّها عليها السّموم
فهو زين لمرتجيكم وعزّ ونجوم على عداكم رجوم
ولآل لكم يضىء سناها ونحوس لشانئيكم حسوم
حرّم الله أن يكون جنابى مجدبا من نداكم والحريم
ضامنى الدّهر باجتنابكم قر بى ومن ضامه الزّمان مضيم
أنصفونى فى نظم ما قلت فيكم هل يدانيه لؤلؤ منظوم
هو لفظ تحكّم الطّبع فيه مثله لا عدمتكم معدوم
[ ٢ / ٩٦ ]
وتخطّى عراصكم بؤس دهر وثوتها مسرّة ونعيم
كلّكم فى معجّل الدّهر والآ جل جمّ العلى معافى سليم
وبلغ الراضى أمر القصيدة، فقال اكتبها لى حتى أنظر فيها، فلما قرأها قال لى: أنت والله معهم فى هذا كما قال البحترى:
إذا محاسنى اللّائى أدلّ بها كانت ذنوبى فقل لى كيف أعتذر
علىّ نحت القوافى من معادنها وما على لهم أن تفهم البقر
فما نفعنى ذلك شيئا بل ضرنى. وإلى وقتى هذا أنا فى خمار كأسهما التى أعدداها لى، فما يقبل على من وليا به عنى وأحمد الله.
وفى المحرم أمر رجل يعرف بالحواجبى، على خال ابن سنكلا نصرانى يعرف بأبى عمرو بن شريح بمعروف فشكا ابن سنكلا بعبد الله إلى الراضى فأمر بالقبض على الحواجبى، وأمر بإحضاره الدار، وأن يضرب بالسياط. فما زال إسحاق بن المعتمد وما زلت معه نكلمه فيه ونعلمه أن قتل هذا عظيم وسمع ضجة، فقال لذكى الحاجب: ما هذا؟
قال أهل باب الطاق فى أمر الحواجبى. فقال لئن زادوا لأخرجنه اليهم مصلوبا هذا لم يرض أن وثب على كاتبى حتى تخطى إلى ذكرى فوجهنا وصرفناهم، ولم نزل حتى أمر بحبسه، وأفلت من غير ذلك وبلغ هذا البربهارى فعاتبنى فيه وخاصمنى، وجاءنى أصحاب الحواجبى يشكرونى فقلت اعفونى من هذا فإنى فى بلاء عظيم، وتكلم فيه كل جليل فما نفع. وشاورنى أصحابه فعرفتهم أن الراضى لا يفعل
[ ٢ / ٩٧ ]
إلا ما يريده ابن سنكلا، وأشرت بأن يقصدوه فى أمره فكلموه فيه غدوة يوم فأطلق فى عشيته. وخرج الراضى ومعه الوزير متنزها وخرجنا معه فسار من الجانب الشرقى حتى حارتى بزوغى ثم عبر اليها فأقام يومين ورجع. وورد لعشر خلون من المحرم رجل يعرف بالخلنجى كان يحمل الخريطة إلى مكة ويسبق بالأخبار فأخبر بسلامة الناس وتمام الحج.
ومات يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من المحرم موسى من ولد الرضا، وكان من أسن ولد الحسين ﵇ فى وقته، ونودى فى الطريق بحضور جنازته، وكان من الزهد والطهارة على طريقة سلفه ﵃ وعنه.
وكثر الضجيج من تعنت أصحاب لؤلؤ للناس ووضع الجبايات.
عليهم وإغرامهم، فعزل عن شرطة بغداد، ووليها محمد بن بدر الشرابى يوم الإثنين لاثنتى عشرة ليلة بقيت من صفر.
ومات شيخ بالكوفة محدث مسند، يعرف بسودانى كان عنده عن أبى كريب وعباد بن يعقوب، ووافى رسول ملك الروم بهدايا كثيرة منها صياغات وثياب ديباج ومقارم وآنية ذهب، طريقة الصياغة، فجلس الراضى يوما فعرضها علينا، ووهب لنا أكثرها، وما كان شىء ألذ عنده من شىء يهبه وطعام يؤكل بين يديه ما بخل بشىء قط، وما سمع بأكمل جود منه وورد الخبر بوقعة كانت لابن رايق إلى دجلة البصرة، ودخل
[ ٢ / ٩٨ ]
نهر معقل فوافى البصرة، فعجل بعض أصحابه، فطرح حريقا فى جزيرة حيال البصرة، وكان يبلغ أهل البصرة أنه يريد قتلهم وإحراق بلدهم وخاطب بذلك بعض رؤساء البصرة ممن قصده، فلما رأى ذلك أهل البصرة أعانوا البريديين فهزم ابن رايق وأفلت هو وبجكم من أن يؤخذ ورجع إلى دجلة البصرة فعسكر بموضع يعرف بعسكر أبى جعفر حيال نهر معقل، فلما طال الأمر عليه رحل صاعد إلى واسط.
وركب الراضى فى شهر ربيع الأول إلى أجمة بالثريا يطلب فيها خنازير، وركبنا معهم فرأينا فى الموكب فرسانا لا نعرفهم فطاف ساعة، ثم عدنا معه فتغدى وكان النهار قصيرا وصلينا الظهر وركب، فرأينا الفرسان قد زادوا وأنكرهم الحاجب ووافى محمد بن بدر الشرابى فى مائة فارس، فلما رآه الفرسان تفرقوا فلم نر منهم أحدا فصاد خنزيرا وانصرفنا فقال لنا بعد من أى شىء أفلتنا يوم الخنازير؟ وإنا لبين يديه فى الحجرة التى كان يجلس فيها، ونحن أربعة وكذا كانت نوبتنا إذ أدخل رجل مشدود العينين بذراعيه وخف، فلما أقيم بين يديه قال مالنا نحن قرامطة فقال له الراضى يا ابن الفاعلة: لو كنت محتاجا لعذرتك، ولكن من من رشحك لهذا قد أغناك وجعل اليك نقابة، ومولك فك الكلب النابح، فضربوا فكه وهو يقول: بتربة المقتدر ارحمنى وإذا هو أبو عبد الله بن المنتصر والمنتصر جده. ثم قال له الراضى: والله ما طلبت
[ ٢ / ٩٩ ]
هذا الأمر فأما إذ دفعت اليه فو الله لا طلبه أحد فى أيامى ساعيا على فعاش. ثم أمر به فنحى وأدخل بيتا حيال بركة السباع فعرفنا من الغد أنه قتل فى ليلته، وأخذ جماعة بسببه فحبسوا منهم المعروف بالزهرى وابن أبى الحناء وإبراهيم وغيرهم.
ثم حدثنا الراضى بعد ذلك قال كان الفرسان الذين رأيتموهم بالثريا قد عزموا على الفتك بنا فلما جاء ابن بدر يئسوا فمضوا فقال واحد منهم لبعض من كان ندبه لهذا: لقد مددت يدى إلى سيفى مرات لأضربه به يعنينى فقال فهلا فعلمت لعنك الله وأراد قائل هذا أن يكون وزيرا لابن المنتصر، وهو يريضه لهذا منذ مدة وقد أغناه ثم قرأ علينا رقعة جاءته من أبى على بن مقلة: العجب من اتهام الناس إياى بسبب هذا الأمر، وتعجب الراضى من جهل من اتهمه بهذا الأمر وأقرأنا جوابه اليه يصدقه فى قوله، وبأنه ما سمع ما ذكره ولا وقف عليه إلا من رقعته ويسكّن منه.
وأمر بطلب أولئك الفرسان نظفر ببعضهم فآمنهم ووصلهم، وفرق بينهم، وسمع كلام كل واحد منهم مفردا، فحدثنا أنهم عرفوه كيف جرى الأمر من أوله إلى آخره حتى وقف على صحته، وجعل الراضى يورى عن ذكر الفاعل لهذا إذا حضرت جماعتنا، ويصرح به إذا حضر من يثق به منا واتصل هذا الخبر بابن رائق فقدم فى آخر شهر ربيع الأول، وتلقاه ابنا الراضى، وأظهر أنه قلق لما جرى وخاف أن يسعى فى مثله لبعده عن مولاه، وإنما جاء لضيق المال
[ ٢ / ١٠٠ ]
واستحقاق الجند وأن بجكم اقبل الى واسط فلم يحب الاجتماع معه، ولم يزل يطالب الوزير بالمال وهو يجمعه له، وأخذت فى هذا الوقت من الراضى آنية ذهب وفضة فضربت. وأنفذ ابن رايق الى بجكم من المال ما قدر عليه وزوج لوزير الفضل بن جعفر ابنه بابنة ابن رايق. وزوج أبا بكر بن طغج بابنة له أخرى وكان الوليمة فى ذلك الوقت وخطب القاضى عمر بن محمد بحضرة الخليفة للجميع خطبة واحدة وكان مهر ابى بكر بن طغج ثلاثين ألف دينار ومهر ابن رايق نصفها وعزم الوزير على الخروج إلى الشام واستخلاف أبى بكر عبد الله بن على النّفّرى على العرض وإمضاء الأمور بالحضرة، فخرج لثلاث خلون من شهر ربيع الآخر وهجم بعقب خروجه على أبى عبد الله بن عبدوس وطولب بمال عظيم. ثم تقرر أمره على خمسة عشر ألف دينار أخذت منه بألوف منها جارية مغنية كانت له وترك له من أجلها الباقى. وقبل هذا بمديدة ما اشترى ابن رايق من ابنة عبد الله ابن حمدون جارية زوجة محمد بن عبد الله ابن حمدون جارية مغنية يقال لها شرين بأربعة عشر ألف دينار، فاستعظم الناس ذلك، وتسلمت الجارية، وحمل المال من عند أبى الحسن البريدى، وحملت هى إلى واسط. وطولب محمد بن يحيى بن شيرزاد بمال فحمل اثنى عشر ألف دينار. وقبض على أبى إسحاق القراريطى واتهم بأنه تضمن أبا عبد الله الكوفى وابنى مقاتل بمال عظيم، فسلم إلى أحمد بن على الكوفى فجرى عليه من المكروه ما لم يجر مثله على أحد، حتى ظن الناس أنه تلف.
[ ٢ / ١٠١ ]
وغضب الراضى على جليسه محمد بن عبد الله بن حمدون أبى جعفر واتهمه بكلام بعض خدمه، وما كان لذلك أصل كما ظنه. وأمر ألا يوصل إليه فاختلت نوبتنا وكنا أربعة به فبقى إسحاق بن المعتمد والعروضى وأنا. ثم حدثنا بأنه فعل به ذلك لاتهامه إياه بتعريف ابن رايق ما يجرى فى مجلسه بسبب الجارية المشتراة منهم، وأنها سبب الوصلة بينهم، وكان يبلغه أن ابن حمدون يعاشر ابن رايق إذا خرجت نوبته.
وكان انحراف الراضى عن ابن رايق فى هذا الوقت يتبين فى طرفه وقوالب لفظه، ثم صرح بذلك لى وللعروضى من بين الناس، فكنا نعتذر لابن حمدون من أمر الخادم الذى كان هو أعلم ببطلانه ثم نحلف له أنه مثلنا فى جميع أموره مأمون السر والعلانية، إلى أن وثق بذلك، وتقرر عنده. وكان ابن رايق قد كلم الراضى فى الرضا عنه فلم يجبه، وكتب ابن حمدون إلى الراضى بأبيات يعتذر فيها وهى:
أطار الكرى عن مقلتّى التّعتّب وجمجمت ما ألقاه والحزن يعزب
وحمّلت ما بين الجوانح والحشا جوى غير ما يدعى له المتطبّب
ويوشك أن يدعو بيوم منيّتى سريعا إلى الأعداء ناع مطرّب
وقد علم الله:- الّذى دون علمه علوم العباد فهو أعلى وأغلب
-
[ ٢ / ١٠٢ ]
برائى ممّا ظنّ إنّى اقترفته وهل يغمر الإحسان حرّا فيذنب
فقلت كما قال المقدّم قوله لننقم والأمثال تجرى وتضرب
«أتانى أبيت الّلعن انّك لمتنى وتلك التّى أهتمّ منها وأنصب
فإن أك مظلوما فغبد ظلمته وإن تك ذا عتب فمثلك يعتب»
وقررت أنا والعروضى فى نفس الراضى عند وصول هذه الأبيات أن ابن رايق ليس بالصافى النية لابن حمدون، وعرفناه سبب ذلك فرضى وقال: «قولوا له يسأل ابن رايق أن يكلمنى فى أمره أو يكاتبنى فإنه يقبح أن أرضى عنه بغير مسئلته بعد أن كلمنى فى ذلك فأبيت عليه» فكاتبه ابن رايق فأجابه وعاد إلى أمره.
وظن الراضى أن ابن رايق قد اتهمه بتغير، له فدعاه إلى الزبيدية فأكل بين يديه مع ابنيه على مائدة كانت عن يمنة الراضى، وأكلنا نحن على مائدة أخرى، عن يساره وجعل يبره بالشىء يرفع من بين يديه.
ثم جالسه على النبيذ ومد له بشارته حتى سمع وشرب. وخلع عليه وقت الظهر خلعة وشىء مثقلة بالذهب ومعممة كذلك، فجلس فيها ساعة.
ثم خلع عليه عند العصر وقت انصرافه خلعة أخرى انصرف فيها بعد أن شرب نبيذا كثيرا.
واستكتب بجكم بواسط على بن خلف فى جمادى الأولى.
وزاد أمر البربهارى وأصحابه، فكتب اليه ابن رايق رقعة يحذره فيها وينذره فأظهر القبول وتضمن ترك المعاودة.
[ ٢ / ١٠٣ ]
ورد رسول ملك الروم مع الوزير وقت خروجه بهدايا، وأجيب إلى الفداء وأمر الوزير أن يتم أمره من مال الشام، وحضر الناس الفداء وأخرج الراضى خادمه راغبا لحضور ذلك وتحرك بعض عيارى المخرم فى أمر السعر، وكلم بقال فى سوق الثلاثاء بعض أصحاب ابن رايق فى شئ تجاذبا له فغضب ابن رايق من ذلك وأمر أصحابه فأحرقوا حوانيت كثيرة فى سوق الثلاثاء إلى ناحية المخرم، وفعل فعلا استقبحه الناس وكرهه الراضى وحقده عليه، وكان هذا فى شعبان. وصودر شفيع المقتدرى على أربعة آلاف دينار مصادرة ثانية.
وتوفى أبو القاسم الحسن بن روح النوبختى يوم الأربعاء لاثنتى عشرة ليلة بقيت من شعبان. وكان الراضى ربما ذكره بأن الإمامية يحملون إليه الأموال، فنرد عنه ونكذب، فيقول لنا: وما فى هذا؟
والله لوددت أن مثله ألفا تحمل الإمامية أموالها إليه فيفقرهم الله ولا أكره غنى هؤلاء من أموالهم.
ومات رجل يعرف بالطبرى بدار كعب وخلف مالا عظيما، وكان له أخ بطبرستان وابن أخ ببغداد فوجه ابن رايق فحمل من داره وحوانيته مالا ومتاعا كثيرا. فتكلم الناس فى ذلك، ودخل العروضى وهو يلى المواريث ولاه الراضى إياها. وكان مرضيا ثقة فيها فعرفه أمر الرجل فأنكر الراضى ما فعله ابن رايق وأنفذ إليه بما أقلقه فأمره برد جميع ما أخذ إلى موضعه. وظفر بالدلا فحبس فى دار ابن رايق ثم
[ ٢ / ١٠٤ ]
أفلت وظفر به بعد مدة وقتل.
وتحدث الناس فى شوال بأن رقعة ابن مقلة جاءت إلى الراضى يتضمن فيها ابن رايق وابنى مقاتل بألفى ألف دينار، وأنه يقبض عليهم بحيلة قريبة إذا امر بغير كلفة، فوجه إليه الراضى: مثل هذا الأمر العظيم، والوقوف على ما يدبر فيه لا يجىء بالرقاع فصر إلى حتى تعرفنى الوجه فيه، ويتفق الرأى على ما يعمل به.
فصار إلى ذكى الحاجب ليلا سرا فأعلم الراضى بأمره، فأمر الراضى بحبسه، وفى نفسه عليه أمر ابن المنتصر، وأنه الذى ريضه للخلافة.
وكتب الخصيبى من وقته رقعة إلى ابن رايق يعلمه أن ابن مقلة عند الراضى، وأنه قد تضمن به وبان مقاتل وأنه يستوزره، فركب ابن رايق مع قواده وجيشه إلى الدار، وقال: لا أبرح إلا بتسليم ابن مقلة إلى. فأخرج فقطعت يده اليمنى، وانصرف ورد إلى محبسه بعد أن ناشده الله ألا يفعل ذلك، وأن ينفيه إلى حيث رأى فأبى إلا الفعل القبيح، الذى لم يأت أحد مثله.
ونودى فى جانبى بغداد بأن السلطان قد رضى عن بنى البريدى وأسبابهم وأطلق ابن رايق لبناء دورهم.
وبلغ ابن رايق أن بجكم يصعد إلى بغداد لطلب أرزاق أصحابه وكان قدم قبله الترجمان فى المطالبة بالمال، فلم يرجع بما أحب فخرج مصاعدا. فخرق ابن رايق نهر ديالى، وفعل أفعالا كانت
[ ٢ / ١٠٥ ]
سببا لبثق النهروان الذى خربت به الدنيا، وافتقر الناس وغلت الأسعار إلى وقتنا هذا، وصار إلى الدار فضرب خيمة فى الحلبة وأسكنها قواده. ووافى بحكم نهر ديالى «١» يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من ذى القعدة. وحاربه ابن رايق فاحتال بجكم إلى أن عبّر بعض أصحابه، وانهزم ابن رايق وأصحابه وجاء إلى السلطان ليدخل اليه فغلقت الأبواب دونه. فصار إلى داره فحمل ما قدر عليه وخرج ومعه بدر الخرشنى، وصاح الناس: هذا عقاب من الله لك، لاستكتابك الكوفى وتسليطك إياه على الناس.
وكان قد استكتبه، وعزل به الحسين بن على بن العباس النوبختى بعد أن بلغه المنزلة التى بلغها برأيه وتدبيره وهو الذى احتال على الساجية ودبر أمر الحجرية فصار ابن رايق إلى أوانا ثم خفى أثره. وكاتب السلطان بدرا الخرشنى فرجع. واستتر الكوفى وابنا مقاتل ببغداد.
ووصل بجكم إلى الراضى يوم الثلاثاء وخلع عليه يوم الخميس سبع خلع وقال له: قد جعلتك أميرا وعقد له لواء له فقال: يا مولاى ما أريد إلا أن تزاح علتى فى أرزاق أصحابى وقت استحقاقهم، ونزل فى دار مؤنس. وأخذ لابن رايق ابن صغير فجر به إلى بجكم فبكى حين رآه وأجرى عليه جراية واسعة، ونودى إن من دل على الكوفى وابنى مقاتل فله عشرة آلاف درهم، ومن وجد واحد منهم عنده فقد حل دمه وماله. وعقد لبجكم على المشرق وأشير على الراصى أن
[ ٢ / ١٠٦ ]
يضم إلى حاجبه جيشا من جيش الحضرة وقوادهم، وأن يفرد مالهم عن مال أصحاب بجكم وأن يوجهوا بكتاب الجيش ليحصوا أصحاب بجكم، ويحصلوا مبلغ مالهم ويعرفوا الراضى حتى يثبته عنده ولا يزيد أحد فيه شيئا إلا بأذن منه فما قبل الراضى ذلك إلا فى أمر حاجبه ولا فى جيش بجكم، فما مضّى لبجكم شهران «١» حتى زاد أصحابه وزاد فيهم من أثبت بعشرين ألف دينار فى السنة وأكثر، وجرى امره على ذاك إلى أن قتل. وكان هذا مما عتب على الراضى إغفاله وظفر بالكوفى فحمل إلى الدار، حمله غلام لذكى الحاجب يقال له خير، فرجمته العامة وأرادوا قتله فدفع خير عنه، وقال: تذهبون بمال السلطان فوصل به إلى الدار بعد تعب شديد، وصودر على مال وشملته عناية ابن سنكلا. وما رأيت أحدا قط ملك من حسن رأى صاحبه ما ملكه ابن سنكلا من الراضى وقد علم الله ﷿ أنى ما قصرت فى تقريظ الكوفى عند الراضى وتعريفه كفايته وأمانته، وأنه بخلاف ما عليه العمال من التصون والاجتزاء بالقليل، مما رأيته فى ولايته، بعد أن كان محسنا إلى معنيا بى، عرف لى ذلك على طول الجوار وقديم المودة. وأخذ بجكم من مضحك كان لابن رايق يعرف بأبى الخير خمسة عشر ألف دينار. ووصل أصحاب البريديين إلى واسط، وقرب القرامطة منهم على وفاق وأمر عقدوه بينهم، ومات أبو طالب الكاتب وكان محدثا يروى عن أبى موسى الراضى، وأحمد بن يحيى
[ ٢ / ١٠٧ ]
السوسى، وتوفى يوم الجمعة للنصف من ذى الحجة ومولده سنة سبع وثلاثين ومائتين. ووجدت أم ابن رايق فصودرت على عشرة آلاف دينار.
وكان ابن القشورى احمد بواسط حين زال عنها إقبال فورد كتابه يزعم أن البريديين يريدون واسط فوجه اليه بأنى نصر الترجمان فى جماعة. ووجد يهودى مع مسلمة وكان غلاما لجهبذ يهودى لابن خلف فضربه صاحب الشرطة بحضرة اليهودى فى يوم جمعة، فافتتن البلد لذلك وكان الأمر قبيحا