ما بال أهل الأدب منا وأهل الكتب
قد وضعوا الآدابا وأتبعوا الكتابا
لكل فنّ دفتر منقّط محبّر
ففرّقت أجناسا وعلموها النّاسا
بالحيل الرفيقه والفطن الدقيقه
فأرشدوا الضّلالا وعلموا الجهالا
سوى المحبين فلم يرعوا لهم حقّ الذمم
في علم ما قد جهلوا وما به قد ابتلوا
قد غلقت رهونهم واستعبرت عيونهم
وحالفوا السّهادا وخالفوا الرّقادا
فليلهم طويل ونومهم قليل
أبدانهم نحيله متعبة عليله
نفوسهم حزينه مشعوفة رهينه
ظاهرة غمومهم باطنة كلومهم
باكية عيونهم قريحة جفونهم
إن ظلموا لم يظلموا وإن شكوا لم يرحموا
أحبابهم في لعب وفي دوام الطّرب
صافية ألوانهم ضاحكة أسنانهم
[ ١ / ٥٧ ]
قد سكنوا القصورا وقارنوا السرورا
تفرغوا للهجر وللنوى والغدر
بعاشق يهواهم بالله ما أقساهم
وعدهم وعيد إقرارهم جحود
بؤسى لأهل العشق أهل الضنّى والرّقّ
ليس لهم وسيله ولا وجوه حيله
رأيت لما أخذلوا وفى هواهم وحلوا
أن أرشد المغفّلا الجاهل المضلّلا
إلى الطريق الواضح عند البلاء الفادح
وابتدي كتابا بالوصف بابا بابا «١»
يا أيها الناس فعبوا وصيتي واستمعوا
ففى صفاتى عجب وفي كتابى أدب
قصيدتي مقوّمه ألفاظها منظّمه
فيها هوى العشاق ومنية المشتاق
وصفت أهل العشق ولم أمل عن حقّي
فاسمع مقالا صادقا يا من يبيت عاشقا
للحبّ خلّتان هما هما اللتان
الصبر والرفق معا يوما إذا ما اجتمعا
فى عاشق مهجور مباعد مغرور
قضى قريبا وطرا وبلغاه الوطرا
[ ١ / ٥٨ ]
ما الحسن والإحسان والملك والسلطان
ما حسن في العين أحسن من إلفين
بعدل وصف الإلف وكسره للطّرف
يوما إذا ما التقيا في مجلس فاشتفيا
مداومين للنظر قد أمنا كلّ حذر
يبادران الخلوه ويظهران الصّبوه
مساعدين اتفقا بانا ولم يفترقا
هواهما مخزون سرّهما مدفون
مداريين أصبحا للناس لم يفتضحا
من جرّب الحب عرف ما بين ملك وأسف «١»
لن يبلغ الصبّ المنى إلا بصبر وعنا
إن الهوى ضروب وأمره عجيب
وأهله أطوار فيه لهم أوطار
للعاقل الشريف والأحمق السخيف
فمنهم مرزوق محبب معشوق
على اضطراب الخلق منه وسوء الخلق
تقضى له الأوطار وتعمل الاشعار
مقرب ما يقصى مطاوع ما يعصى
ومنهم محروم محارف «٢» مشئوم
على جمال هيئته وحسنه وبهجته
[ ١ / ٥٩ ]
ومنهم من يبتدي ينال عيشا رغدا
من غير سعي وطلب وغير كد ونصب
فجدّ ذاك الأسعد والبخت منه أجود
إذ فاز باللذّات وادرك الحاجات
ومنهم من يتعب في حبه ويدأب
أسقمه طول الهوى وشفه وجد الجوي
فذاك صبّ قد شقى بؤسى له ماذا لقى!
ومنهم البصير العاقل النحرير
يحتمل الهجرانا ويحمل الاحزانا
فلا يزال مبتلى حتى ينال أملا
ومنهم العميد الجاهل البليد
يحبّ بالتضجر والجهل والتكبر
يلقى الحبيب باهتا فلا يزال ساكتا
ومنهم من يهوي بالغيب ياتى عفوا
فيزرع الغموما مستجلب هموما
فذاك حبّ الغيب ليس به من عيب
من دونه حجاب ودونه أبواب
فما لذاك لبث وليس منه مكث
حتى يرى مقهورا في حبه محسورا
ومنهم جبّار في حبّه ازورار
يزهى إذا ماعشقا ورهنه قد غلقا
[ ١ / ٦٠ ]
يلتزم اللجاجه فليس يبدي الحاجه
فذاك حبّ الفوت وفيه كرب الموت
ومنهم من للنظر يهوى ولم يعد البصر
إذا رأى خليله داوى به غليله
يكتم ما يقاسى من أعين الجلّاس
ومنهم من اقتصر على الحديث والنظر
غايته السّلام واللّحظ والكلام
مدافع عن حبّه يكتم وجد قلبه
ينفى الهوى وينكره وبالتبرّي يستره
فذاك حبّ العاقل حبّ أديب كامل
وبعضهم لا يقنعه الا عمود يودعه
قد طلب الحراما والتمس الآثاما
فذاك حبّ النّهم الماجن المغتلم
حقّ له الحرمان والمنع والخذلان
وبعضهم مذّاق معانت ملّاق
مستعمل للكذب وخرق فى الكتب
فذاك حبّ الزور يلسع كالزنبور
وبعضهم عميد غاية ما يريد
خلوة من يهواه في مشهد يلقاه
لحظته مسارقه مبيته معانقه
مكاتم لحبّه فى بعده وقربه
[ ١ / ٦١ ]
فذاك حبّ يكمد نيرانه لا تخمد
ومنهم من يهتف بالحبّ حين يشعف
إذا الحبيب ضدّا ولم ينله ودّا
تاه عليه وخرق وصدّ عنه وحمق
وقال في آخرها:
قد تمّ منى الوصف ولم يخنّى الرصف
وانقضت القصيدة محبوبة حميده
والحمد للرحمن ذي العزّ والسلطان
والذمّ للشيطان ذى الذّم والطّغيان