قال يرثى منصور بن زياد:
أسعدي بالدّموع أو بالدماء ليس هذا يا عين حين إباء
يخرق الموت في الصخ ر ويرقي فى القلة الملساء
لا استتار منه بأرجاء أرض لا ولا عصمة بجو السماء
يا رسولى ريب المنون إليه أى عز أبحتما للفناء
ليس تعفو كلوم مصرع منصو ر كرور الإصباح والامساء
وقال يرثى الرشيد، ويمدح الأمين:
سحابة حزن بعد هارون أطبقت فلما بدا وجه الامين تجلت
تحببت الدنيا بملك محمد وكانت بملك المرتضى قد تقلّت
لئن بكت الدنيا عليه وأعولت فبالمصطفى عن كلّ ماض تسلت
لقد رزئت أمرا عظيما وأعولت خليلا أعا «١»
[ ١ / ١٢٨ ]
وقال يرثى احمد بن يزيد بن اسيد السلمى:
ويحها هل درت على من تنوح أسقيم فؤادها أم صحيح؟
جبل أطبقوا عليه بجرجا ن ضريحا ماذا أجن الضريح!
بليت حلة المكارم في الناس وقلّ المميح والمستميح
رحم الله أحمد بن يزيد رحمة تغتدي وأخرى تروح
ذهب الأعظمون من قيس عي لان تباعا يتلو الصريح الصريح
ان أطافت به المراثى قريبا فقديما أطاف فيه المديح
سخنت أعين الجياد عليه وبكى فقده القنا والصفيح
فسوام الدموع بعدك يا أحمد في كلّ مقلة مسروح
وقال يرثى الرشيد:
يا صاحب العيس تخدي في أزمتها اسمع مقالى وأسمع صاحب العيس
اقر السلام علي قبر بطوس ولا تقر السلام ولا تعمى على طوس
إن المنايا أنالته مخالبها ودونه عسكر جمّ الكراديس
أوفى عليه الذى أوفى بأشبله والموت يلقى أبا الأشبال في الخيس
من كان مقتبسا من نور سابقة إلى النبيّ ضياء غير مقبوس
فى منبت نهضت فيه فروعهم بسامق فى بطاح الملك مغروس
والفرع لا يلتقي إلا على ثقة من القواعد قد شدت بتأسيس
وقال يرثى محمد بن زياد وامرأته أم محمد بن منصور:
يعزّ علينا أن ركنى محمد أصابهما ريب الردى فتصدعا
[ ١ / ١٢٩ ]
تداعى له الركن الذى كان يرتجى وأتبعه المقدار ركنا فضعضعا
كأن المنايا تبتغى عنده لها ترات فما ينفك منها مروّعا
أب مشفق برّ وأم حفيّة سطت بهما الأيام سطوة أروعا
وفي الدهر أسوات ولكن تقاربت لياليهما فاستنفد الصبر أجمعا
تناوب إتيان الجديدين لم يدع من الناس إلا آلم القلب موجعا
ومن ذا الذى يبقى على سوق ليلة ويوم إذا احتثا مطيته معا؟
وقال يرثى الرشيد:
بقائي على ريب الزمان قليل وإنىّ على عزّى به لذليل
رأيت لداتى قد مضوا لسبيلهم وإن بقائي بعدهم لقليل
فلا تبخلي بالدمع عنّي فان من يضنّ بدمع عن هوى لبخيل
رأيت المنايا تصدع الصخر والصفا وتصدع صدر السيف وهو صقيل
كأن لم ترى هارون فى ظلّ ملكه تسنمه يوم عليه ثقيل
ومن دونه سمر عجاف صدورها يقيل وحيّ الموت حيث تقيل
منازل هارون الخليفة أصبحت لهن على شاطى الفرات عويل
منازل أمست فى السياق نفوسها سلبن رداء الملك وهو جميل
لبسن حلىّ الملك ثم سلبنها فهن ولا حلي لهن عطول
يذكرني هارون آثار ملكه وذلك ذكر إن بقيت طويل
إذا ماسطا عز المنايا فانه سواء عزيز عنده وذليل
وقال يرثى الرشيد ويمدح الأمين:
امام قام حين مضى إمام نظام ليس ينقطع النظام
[ ١ / ١٣٠ ]
بكى ذاك الأنام أسى ووجدا وسرّ بذا الذي قام الأنام
مضي الماضي وكان لنا قواما وهذا بعد ذاك لنا قوام
إمامان استقرّ بذا قرار وحوّل ذاك فاخترم الحمام
على ذاك السلام غداة ولى ودام لذا السلامة والسلام
سهام الموت تقصد كل حىّ ومن ذا ليس تقصده السهام؟
أمير المؤمنين ثوى ضريحا بطوس فلا يحسّ ولا يرام
كأن لم تغن في الدنيا وتغدو إلى أبوابه العصب الكرام
ولم ينحر بمكة يوم نحر ولم يبهج به البلد الحرام
ولم يلق العدوّ بمقريات يهيم أمامها جيش لهام
أقول لساكن قبرا بطوس سقاك ولاسقى طوس الغمام
لأظلم كلّ ذى نور ولكن بوجه محمد كشف الظلام
ولولا ملكه إذ غبت عنا لما ساغ الشراب ولا الطعام
فقد حىّ الحلال به فدرت لنا التقوى ومات به الحرام
وقال يرثى محمد بن منصور [بن زياد] «١»
أنعي فتى الجود إلى الجود ما مثل من أنعي بموجود
أنعي فتى أصبح معروفه منتشرا في البيض والسود
أنعي ابن منصور الى مسلم لأسره في القد مصفود
[أنعي فتى مص الثرى بعده بقية الماء من العود
قد ثلم الدهر به ثلمة جانبها ليس بمسدود
أنعي فتى كان ومعروفه يملأ ما بين ذرى البيد]
[ ١ / ١٣١ ]
[فأصبحا بعد تساميهما قد جمعا فى بطن ملحود] «١»
اليوم نخشى عثرات الندى وسطوة البخل على الجود
من لم يكن سائله ممسكا منه بأذناب المواعيد
وكلّ مفقود عدلنا به وإن تغالى غير مفقود
لا خير فى الدنيا وقد أغلقت أبوابها دون الفتى المودي
وقال يرثى أخاه:
أأدهن رأسي أو تضاعف كسوتى ورأسك معفور وأنت سليب
فأقسم لا أصبو إلي عيش لذة وقد ضمّ لحييه عليك قليب
ولا زلت أبكي ما تغنت حمامة عليك وما هبت صبا وجنوب
وما حملت عين من الماء قطرة وما اخضر في دوح الاراك قضيب
بكائي كثير والدموع قليلة وأنت بعيد والمزار قريب
فلا يفرح الباقي خلاف الذي مضى فكلّ فتى للموت فيه نصيب
أخ كان منّي في حمى لا يحله سواه ولا يفضي اليه غريب
تعجب سلمى من مشيب ذؤابتى وعمر أبيها إنه لعجيب
ومثل الذي لو تعلمين أصابنى به الدهر يبلي رمتي ويشيب
رزئت أخا لا ينتجي القوم دونه إذا ضمهم يوم أصمّ عصيب
أبعد أخي يصفولي العيش إننى إذا لمضيع للعهود كذوب
نسبيبك من أمسى يناجيك طرفه وليس لمن تحت التّراب نسيب
أضيق بأمري حين أذكر أحمدا وصدرى بأوراد الامور رحيب
ندبّ وننسى أننا بمضيعة وللّيل فينا والنهار دبيب
[ ١ / ١٣٢ ]
وكل فتى يوما وإن طال عمره سيدعى إلى ما ساءه فيجيب
وقال يرثيه:
لئن أنا لم أدرك من الدمع ثأريا ولم أشف قرحا داخلا في فؤاديا
لتخترمنىّ الحادثات وحسرتي بأحمد في سوداء قلبي كما هيا
لقد أفسد الدنيا علي فراقه وكدر منها كلّ ما كان صافيا
تخلصت الأيام لا درّ درها حبال ابن أمي أحمد من حباليا
وباعد ما قد كان بينى وبينه من القرب أيام تسوق اللياليا
كأن يمينى يوم فارقت أحمدا أخى وشقيقي فارقتها شماليا
وما كانت الأيام بيني وبينه ولا فرح اللذات إلّا عواريا
خليليّ لا تستبطئا ما انتظرتما فان قريبا كل ما كان آتيا
[ألا تريان الليل يطوي نهاره وضوء النهار كيف يطوي الليالى
هما الفتيان المترفان اذا انقضت شبيبة يوم عاد آخر ناشيا] «١»
ويمنعني من لذة العيش أنني أراك إذا فارقت لهوا ترانيا
وقال فى عيسى بن جعفر:
أنعي فتى كل الفتى أنعى أبا موسى الندى
أنعى إلى قمر السما ء وشمسها شمس العلى
إن النجوم بكت له ولمجده فيمن بكى
وبكى له ما بين من خرق الدبور إلى الصبا
أبلى رداء شبابه - فى حين جدّته- البلى
[ ١ / ١٣٣ ]
ألبستني ثوب الردى وسلبتني طيب الكرى
ومحوت من ضوء النها ر وزدت فى ظلم الدجى
كادت عليك جوانحي تنقدّ من حرّ الأسى
وتنفّس تستله ال أحزان من تحت الحشا
شبع الثرى من حسن وج هك لا هنا الشبع الثرى!
وقال أيضا:
وغريبة تبكي غريب محلة وقفت بجانب قبره تتفجع
وتقول واضر الحياة مضى الذي كنا نضرّ به وكنا ننفع
وتقول كيف وجدت مضجعك الذي أمسيت [فيه] فقد نبأ بى المضجع
مالي أنيس غير ذكرك ما خلا قلبا يئنّ وشأن عين تدمع
وكثيرة العبرات جلّ بكائها خطب إليه نفسها تتطلع
وترى شواهدها إذا ما استعبرت تصف البكاء وعينها لا تدمع
ثكلى ثلاثا ثم تظهر بعدها عين مكحلة وجيد أتلع
ومحاسن تدعو إلى استطرافها منها السوالف والأثيث الأفرع
فاذا نظرت الى استجاعة ودها أيقنت أن لها هوى لا يشبع
تلك التى ان أخرت لا ترتجى أو أقدمت فلمثلها لا يفرع
وقال يرثى أحمد بن يزيد بن أسيد السلمى:
على قبر بجرجان السلام وإن بعد الملام فلا ملام
على قبر به أشلاء بدر أصيب به من الشرف السنام
أقول لصاحبيّ وخبرانى بحيث القبر والملك اللهام
[ ١ / ١٣٤ ]
صلاة الله ربكما وربى على قبر به تلك العظام
بمصرع أحمد عزّ الأعادى وذل الرمح والسيف الحسام
فلم أر مثل أحمد يوم ولى حمام نال مهجته الحمام
عليك ولا على جرجان منى سلام الله ما بقي السلام
أقمت بغربة فى ظل دار يطول بها التغرّب والمقام
وكنا ناظريك بكل فجّ كما للغيث ينتظر الغمام
أبعدك تتقى نوب الليالى لقد صغرت بك النكب العظام
عزيز بنى سليم أقصدته سهام الموت وهي له سهام
وقال يرثى:
مضى ابن سعيد حين لم يبق مشرق ولا مغرب الا له فيه مادح
وما كنت أدري ما فواضل كفه على الناس حتى غيبته الصفائح
فأصبح في لحذ من الأرض ميتا وكان به «١» حيا تضيق الصحاصح
مضى حين مدّ المجد أطناب بيته عليه وأمته الأمور الفوادح
وحين استهانت نزح كلّ تنوفة إلى جود كفيه الرّقاق النوازح
فان سفحت عينى عليه دموعها فقلّ له منها الدموع السوافح
سأبكيك ما فاضت دموعي فان تغض فحسبك منى ما تجنّ الجوانح
وما أنا من رزء وان جل جازع ولا لاغتباط بعد موتك فارح
[كان لم يمت حيّ سواك ولم تقم على أحد إلا عليك النوائح] «٢»
لئن حسنت فيك المراثى وذكرها لقد حسنت من قبل فيك المدائح
[ ١ / ١٣٥ ]
قال أبو بكر: وقد قال قبله مطيع بن إياس فى يحيى بن زياد الحارثى:
يا خير من يحسن البكاء له ال يوم ومن كان أمس للمدح
وقال أشجع:
جارية تهتزّ أطرافها مشبعة الخلخال والقلب
أشكو الذى لا قيت من حبّها وبغض مولاها إلى ربى
من بغض مولاها ومن حبها بقيت بين البغض والحبّ
فاعتلجا في الصدر حتى استوى أمراهما فاقتسما قلبي
فأخذه أحمد بن يوسف فقال:
قلبي يحبّك يامنى قلبي ويبغض من يحبك
لأكون فردا فى هوا ك فليت شعرى كيف قلبك!
وقد أوضحه أحمد وجاء بالعلة، فقال عبد الصمد وأكثر:
لي حبيب أنا أهوا هـ على ما كان فيه
لي موتان بحبّ يه وبغضى لأبيه
ليس بغضى لأبيه دون بغضي لأخيه
أشتهى موتاهما مثل اشتهاي اللثم فيه
وله أيضا، وأنشدنى الجميع أبو ذكوان وأبو خليفة:
لي حبيب أضربى ما ألاقي من فتونى به ومقت أبيه
سامنى القرب من أبيه، وبغ ضى لأبيه أشد من حبّيه
لي موتان من هوى ذا وبغ ضي لهذا، وليس لي من شبيه
[ ١ / ١٣٦ ]
وقال هارون بن على:
أنت الفداء لمن عصاني في الهوى وغدا لأمرك سامعا ومطيعا
يا أبغض الثّقلين غير مدافع وأيا أحبهم إليّ جميعا
على أن أبا الشيص قد قال:
جارية تسحر عيناها أسفلها يجذب أعلاها
أصبحت أهواها وأهوى الردى لكل من أصبح يهواها
نفسي على أمرين مطبوعة حبي لها أو بغض مولاها
قد ملكتني وهي مملوكة فصرت أخشاه وأخشاها
آخر أمر أشجع