ذكر صديق لى بمصر انه فى مثل هذا الشهر من العام المنصرم كان يسأل أستاذه العلامة أحمد أمين بكلية الآداب بالجامعة المصرية:
أى المخطوطات العلمية أحق بالاحياء والنشر؟
فكان كتاب الأوراق لأبى بكر محمد بن يحيى الصولى فى صدر الكتب التى اختارها ودله عليها.
وقريبا من ذلك العهد كان أستاذى النابغة (هـ. ا. ر. جب) فى مدرسة العلوم الشرقية يصف لى هذا الكتاب، ويحببه إلى، ويحثنى على نشره، ويبالغ فى امتداحه وتقريظه.
وما كان يدور بخلدى أن فى الدنيا كتابا يستحق هذا الاطراء الذى كان الاستاذ جب يسبغه على كتاب الأوراق هذا، ويلبسه منه ثوبا فضفاضا. وأذكر اننى قبل ذلك كثيرا ما كنت ألمح تردد اسم محمد بن يحيى الصولى فيما قرأته من الكتب؛ لا فى كتب القدماء فحسب، لكن وفى كتب المحدثين من مؤلفى هذا العصر امثال الدكتور طه حسين والدكتور زكى مبارك والأستاذ كراتشكوفسكى فى مقاله عن الصولى بدائرة المعارف الاسلامية وكذلك الاستاذ بروكلمان فى كتابه تاريخ الأدب العربى
[ د 1 / ٢ ]
كنت اذ ذاك فى لندن وكانت كلمات الأستاذ جب هذه تلهبنى حماسة وتثير فى رغبة تكاد لا تخبو فترة من الزمن فى احياء هذا الكتاب ظللت أتحين الفرص التى تذلل لى الطريق الى مصر وكنت كما قال الشاعر:
اعلل النفس بالآمال أرقبها ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل وحدث أن اختارتنى وزارة المعارف فى مصر مدرسا للغة الانكليزية، فكان هذا الاختيار الغاية التى لا مطلع وراءها ووقع من نفسى مواقع الماء من ذى الغلة الصادى وطبعا لم يكن ثمة ما يحبب إلى مثل هذا الاختيار سوى انه يتيح لى نشر الكتاب وكما يقول المتنبى ولو لم يكن فى مصر ماسرت نحوها بقلب المشوق المستهام المتيم وما إن وصلت إلى مصر حتى كنت أؤم دار الكتب المصرية، ثم إذا بى أقرأ هذه القطعة التى أتولى اليوم نشرها واستنسخ منها هذا الكتاب، ثم إذا بى أقابل صديقى محمد إسماعيل الصاوى واقص ويقص على ذلك النبأ السار عن الكتاب وشد ما كانت دهشتنا عظيمة مذ وقفنا على رأى عالمى الشرق والغرب، وإجماعهما على تفضيل هذا الكتاب، وجدارته بالطبع والاحياء.
[ د 1 / ٣ ]
وكان لهذا الاتفاق فى الرأى أطيب أثر وأجمله، اذ بعث فينا روحا قويا جديدا، صرفنى وصرفه معى إلى العناية الشديدة بتصحيح الكتاب ومراجعته، وطبعه بمطبعته وإنى لأشكر حضرة الدكتور طه حسين فقد كنا نلجأ إليه فى كثير من المعضلات أثناء تصحيح الكتاب كما أشكر حضرة الاستاذ أحمد أمين الذى تشرفت بالتلقى عنه بكلية الآداب فى الجامعة المصرية مذ كنت بمصر ثم حضرة مدير دار الكتب المصرية وامنائها الفضلاء الاستاذ على أفندى فكرى وخليفه افندى وفضيلة الاستاذ الشيخ محمد عبد الرسول لما أبدوه لنا من جميل المساعدة
[ د 1 / ٤ ]