وإنّ من كان دنىء النفس يرضى من الأرفع بالأخسّ
مثل الكلب الشقيّ البائس يفرح بالعظم العتيق اليابس
وان أهل الفضل لا يرضيهم شيء إذا ما كان لا يعنيهم
كالاسد الذى يصيد الأرنبا ثم [يري] الغير المجدّ هربا
فيرسل الأرنب من أظفاره ويتبع العير على إدباره
والكلب من رقته ترضيه بلقمة تقذفها في فيه
ومن يعش ما عاش غير خامل له سرور دائم ونائل
فهو وان كان قصير العمر أطول عمرا من حليف فقر
ومن يعش في وحشة وضيق وقلة المعروف في الصديق
فهو وإن عمّر طول دهره ليس بمغبوط بطول عمره
وقيل أيضا إنه قد ينبغى للرجل الفاضل فيما يبتغي
أن لا يرى إلا مع الأملاك أو يعبد الله مع النساك
كالفيل لا يصلح الا مركبا لملك أو راعيا مسيبا
قال له «٢» السبع لقد سمعت وكلّ ما تقول قد فهمت
[ ١ / ٤٨ ]
لكنني لست أظنّ ما تظن بالثور من غش بلى ظنّي حسن
قال له دمنة: من ثم أتي وهذه من حاله هي التي
رفعته حتى تعدّى طوره وكان هذا لك منه شكره
وتلك أخلاق اللئيم الفاجر الكافر المغرور غير الشاكر
ما إن يزال ناصحا نفاعا حتى يرى من حاله ارتفاعا
فعندها يسمو الي ما فوقها إلى التى لا تستطيع أوقها
وربما كان هلاك الشجر فى حسن الغصن وطيب الثمر
وذنب الطاووس فهو زينه كذاك أحيانا وفيه حينه
وباذل النصح لمن لم يشكره كطارج فى سبخ ما يبذره
لا خير للعاقل فى ذى المنظر إن هو لم يحمده عند المخبر
وليس فى الصديق ذى الصفاء خير اذا لم يك ذا وفاء
الرجل العاقل من لا يسكره «١» كأس سموّ واقتدار ينظره
فالجبل الثابت فى أصوله لا تقدر الريح على تحويله
والناقص العقل الذى لا رأى «٢» له يطغي إذا ما نال أدنى منزله
مثل الحشيش أيما ريح جرت مالت به فأقبلت وأدبرت
الأهل والإخوان والأعوان عند ذوى الأموال حيث كانوا
والمال هادى الرأي والمروّه وهو على كل الأمور قوّه
والمال فيه العز والجمال والذلّ حيث لا يكون المال
وربما دعا الفقير فقره الى التي يحبط فيها أجره
فيخسر الدين كما كان خسر دنياه والخسران مالا ينجبر
[ ١ / ٤٩ ]
وليس من شىء يكون مدحا لذى الغنى إلا يكون ترحاء
على الفقير ويكون ذما كذاك يدعى وبه يسمّى
فان يكن جدا يقولوا أهوج كذاك عند الحرب لا يعرج
وهو إذا كان جوادا سيدا سمّى للفقر مضيعا مفسدا
أو يك ذا حلم يقل ضعيف أويك بسّاما يقل سخيف
الرّجل العاقل فيما يسدى مغتبط لكسبه للحمد
لأنه باع قليلا فانيا واعتاض من ذاك كثيرا باقيا
فأغبط الناس الكثير نائله ومدرك النجح لديه سائله
فلا تعدّ ذا غنى غنيا حتى يكون ماجدا سريا
واعلم بأنّ الملك المشاورا ذا العقل فيما نابه المؤزّرا
فإنه يعضد بالتأييد يغنى به عن كثرة الجنود
والتابع الحازم أمرا يحزمه النصحاء غير أهل التهمه
يزداد حرمة بهم ورشدا زيادة البحر اذا ما مدّا
بما يصبّ فيه من أنهاره حتى يهيج الموج «١» من تياره
والموت من مات كريما صابرا خير من العيش ذليلا صاغرا
قال أبو بكر: والله ما أدرى لا ما اخترت ولا ما تركت، ولو علمت حقيقة هذه القصيدة ما ضمنت ما تضمنت، لأنها قصص لا يحسن بعضها الا ببعض، والإحسان فيها قليل؛ فقد أضربت عن ذكرها والاختيار منها، وفيما حكيناه مما ذكرناه منها غنى وكفاية
[ ١ / ٥٠ ]
حدّثنا محمد بن سعيد، قال: حدّثنى على بن محمد النوفلى قال: لما عمل أبان كتاب كليلة ودمنة شعرا في قصيدته المزدوجة أعطاه البرامكة على ذلك مالا عظيما، فقيل له بعد ذلك: ألا تعمل شعرا في الزهد؛ فعمل قصيدة مزدوجة فى الصيام والزكاة يوائم بها تلك، وقد وجدت هذه القصيدة وترجمتها: