قال أبو بكر: حدّثنا القاسم بن اسماعيل، قال: حدّثنى ابراهيم بن العباس قال: سمعت أحمد بن يوسف يقول: أمرنى المأمون أن أكتب الى النواحى فى الاستكثار من القناديل فى المساجد [في شهر رمضان] «٣» فبت لا أدرى كيف أفتتح الكلام، ولا كيف أحتذيه «٤» فأتانى آت فى منامى، فقال:
قل: فإن في ذلك [عمارة للمساجد «٥» و] اضاءة للمتهجدة «٦»، ونفيا لمكامن للريب، وتنزيها لبيوت الله [جل وعز «٧»] عن وحشة الظلم.
فانتبهت «٨» وقد انفتح لى ما أريد فابتدأت بهذا واتممت عليه.
حدّثنى محمد بن العباس المادرائى. قال: حدثنى محمد بن عبد الله بن أحمد
[ ١ / ٢٣١ ]
ابن يوسف. قال: غنىّ مغنّ فى مجلس أحمد بن يوسف، ولم يك محسنا، فلم ينصتوا له وتحدّثوا مع غنائه فغضب. فقال احمد: أنت عافاك الله تحمل الآذان ثقلا، والقلوب مللا، والأعين قباحة، والأنف نتنا، ثم تقول: اسمعوا مني، وأنصتوا الى! هذا اذا كانت أفهامنا مقفلة، وحواسنا مبهمة، وأذهاننا صدئة! رضيت بالعفو منا، وإلا قمت مذموما عنا؟!.
وحدّثنى محمد بن العباس أيضا، قال: حدّثنى محمد بن عبد الله، قال خاصم أحمد رجلا بين يدى المأمون، فكان قلب المأمون على أحمد «١» فقال وقد عرف ذلك: يا أمير المؤمنين، إنه يستملى من عينيك ما يلقانى به، ويستبين بحركتك ما تجنه لي. وبلوغ إرادتك أحبّ اليّ من بلوغ أملى. ولذة اجابتك احب اليّ من لذّة ظفرى. وقد تركت له ما نازعنى فيه. وسلمت إليه ما طالبنى به. فشكر المأمون ذلك له ومن كلامه: لقد أحلك الله من الشرف أعلى ذروته، وبلّغك من الفضل أبعد غايته. فالآمال إليك مصروفه، والأعناق اليك معطوفه. عندك تنتهي الهمم السامية، وعليك تقف الظنون الحسنة. وبك تثنى الخناصر، وتستفتح أغلاق المطالب. ولا يستريث النجح من رجاك، ولا تعروه النوائب فى ذراك «٢» ومن كلامه: لك جدّ تنجده همتك، وإنعام تفوه به نعمتك. فهى تحسر الناظر اليها، وتحير الواقف عليها. حتي كأنها تناجيه بحسن العقبي، وتوحي اليه ببعد المدى، ولله در نابغة بني ذبيان فى قوله:
مجلّتهم ذات الإله ودينهم قويم فما يرجون غير العواقب
[ ١ / ٢٣٢ ]
ومن كلامه: من اتّسع في الإفضال اتسعت به الأقوال: من شاكر مثن، ومادح مطر. ولسنا نصفك بما يعنّ لنا ويذلّ على ألسننا مما يتقرب به ذو الرغبة، ويضرع اليه ذو الرهبة؛ لاستنزال مرغوب أو استيجاب «١» مطلوب.
ولكننا ننطق عن سيرتك بافصاح، ونبين عنها بايضاح، فنكف شغب الكائد ونطيل «٢» نفس الحاسد.
ومن كلامه:
كفى عارا على راغب أن يعدل برغبته عن الأمير، اذ كانت عائدته تشير اليها، وتقف راجية اليها. فالقصد بها حيث يومى لها، من منبت رافع، ومسرح واسع، أولى براجى نجاحها، وتصديق الأمل فيها، من إيقافها على حيرة، وإقحامها في شبهة لم يضح نهج السبيل اليها، ولا نصبت أعلام جود عليها:
فأقل ما فى الأمير من كرم الخلال يربى على كثير من فنون المقال، فجهد المادح له أن يبلغ أدنى فضله كما أن غاية الشكر أن يجزى أيسر نعمه. فأطال الله مدته، وأدام له دولته، وتمم عليه نعمته.
ومن كلامه يعتذر الى بعض الاخلاء لي ذنوب إن عددتها جلت، وان ضممتها الى فضلك حسنت. وقد راجعت إنابتى، وسلكت طريق استقامتى. وعلمت أن توبتى في حجتى، وإقرارى أبلغ فى معذرتى فهذا. مقام التائب من جرمه، المتضمن حسن الفيئة على نفسه.
فقد كان عقابك بالحلم عنى، أبلغ من أمرك بالانتصاف منى، فإن رأيت أن تهب لى ما استحققته من العقوبة، لما ترجوه من المثوبة، فعلت إن شاء الله.
[ ١ / ٢٣٣ ]
ومن كلامه: قد كان كتابى نفذ إليك بما كان غيره أولى بى، وألزم لي فى حقّ الحرية والكرم، اللذين جعلا لك إرثا، والشرف والفضل اللذين قسما لك حظا.
ولكننى دفعت من اتصال الزّلل، والإخلال بالعمل إلى ما اضطرني إلى محادثتك ودعاني إلى مخالفتك لأجلى عني هبوة الاتهام، وأصرف عنك عارض الملام.
وقد جرى لك المقدار بالسؤدد الذى خصك الله بمزيته، وأفردك بفضيلته. فليس يحاول أحد استقصاء عليك إلا عرض دونه حاجز من واجبك، يضطرّه الى ذلة التنصل اليك، ويحور ذلك عن التعمد.