معه ديوانا الطائيين بخطه، وعلى حواشي الأوراق علامة على كل بيت أخذ معناه وسلخه، فهل يجمل به أن ينكر أسماء الشعراء وكُناهم، ويجحد فضل أولاهم وأخراهم.
وأنا بمشيئة الله تعالى وإذنه أورد ما عندي من أبيات أخذ ألفاظها ومعانيها، وأدّعى الإعجاز لنفسه فيها؛ لتشهد بلؤم طبعه في إنكاره فضيلة السابقين، وتَسِمَه فيما نهبه من أشعارهم بِسِمَة السارقين، ومن عند الله المعونة.
الجزء الأول
أَول الكتاب
أنشدنا ثقة من أهل الأدب بحلب لعبد السلام بن زُعبان الحمصي الملقب بديك الجنّ من قصيدة له أولها:
طَلَل تَوَهَّمَه فصاح مُسَلّما أضَنىً به أم ضَنّ أن يتكلما
دِعصٌ يُقل قضيبَ بان فوقه شمسُ النهار تُقِلّ ليلًا مظلما
قال المتنبي في قصيدة أولها:
كُفىّ أراني ويك لومك ألْوما هَمٌّ أقام على فؤاد أنْجَما
[ ١ / ٢٥ ]
غُصْن على نَقَوَىْ فلاة نابتٌ شمس النهار تُقِلّ ليلًا مظلما
مثل هذا البيت تسميه أصحابُه التوارد، ويسميه خصمُهم النسخَ والتعمدّ، وأنا أعرف أنه تعب في نظم هذا البيت فله فضيلة التعب.
قال ابن الرومي في قصيدة أولها:
أرضى بصورته وضنّ فأغضبا فغدا المحبُّ منعَّما ومعذّبا
أغناه حسنُ الجيد عن لُبس الحُلَي وكفاه طِيبُ الخلق أن يتطيبا
قال المتنبي في أرجوزة يمدح بها أبا عليّ الأوارجي أولها:
ومنزل ليس لنا بمنزل
يصف فيها الظبي:
أغناه حسنُ الجيد عن لُبس الحُلِي وعادة العرى عن التفضل
قال العلوي الكوفي المعروف بالحِمّانى في أول قصيدة له يصف بريّةً أولها:
أعاده من عقابيل الصبا عيد وعاد للّوم فيه اليوم تفنيد
تيهاء لا يتخطاها الدليل بها إلا وناظره بالنجم معقود
قال المتنبي:
عقدت بالنجم طرفي في مفاوزه وحُرَّ وجهي بحرّ الشمس إذ أفلا
[ ١ / ٢٦ ]
وقال دعبل في هذا المعنى، وأبلغ وأوجز وزاد على من تقدم:
ودويّة أنضيت فيها مطيتي وجيفًا وطرفي بالسماء موكل
وفي هذه القصيدة يقول دعبل:
سمعت به للجنّ في كل ساعة عزيفًا كأن القلب منه مُخبَّل
قال المتنبي:
لو كنتَ حشوَ قميصي نُمرِقها سمعت للجن في حافاتها زَجلا
وهذا مأخوذ من قول الأعشى في قصيدته:
ودّع هريرة إن الركب مرتحل
يقول:
وَبَلْدَة مثل ظهر الترس موحشة للجنّ بالليل في حافاتها زجل
لكثير عزة:
رمتني بسهم ريشه الهُدبُ لم يُصب ظواهر جلدي وهو للقلب صادع
[ ١ / ٢٧ ]
أبو الشيص يقول:
يُصْمين أفئدة الرجال بأسهم قد راشَهُنّ الكُحل والتهذيب
قال المتنبي:
راميات بأسهم ريشها الهد بُ تشقّ القلوب قبل الجلود
قال ابن الرومي:
إذا تمشّى يكاد يُقعده رِدفٌ كمثل الكثيب رَجراجُ
قال المتنبي:
بانوا بخرعوبة لها كفلٌ يكاد عند القيام يقعدها
لبعض العرب ذكره ابن قتيبة في كتاب عيون الأخبار:
لي همة فوق السما كِ وباب رزقي الدهرَ مُغلق
هل ينفع الحرصُ الكثي يرُ لصاحب الرزق المُضَيَّق
[ ١ / ٢٨ ]
إن امرأ أمِن الزما ن لمستغرّ العقل أحمق
قال المتنبي:
فالموت آتٍ والنفوس نفائسٌ والمستغر بما لديه الأحمق
ابن الرومي:
شكوى لو أنّىَ أشكوها إلى جبل أصمّ ممتنع الأركان لانفلقا
قال المتنبي:
ولو حُمّلتْ صُمُّ الجبال الذي بنا غداة افترقنا أوشكت تتصدّع
لم يقصر المتنبي؛ أبدل الانفلاق بالتصدّع.
أبو تمام من قصيدة أولها:
أما إنه لولا الخليط المودَّع وربعٌ عفا منه مصيفٌ ومربع
له منظر في العين أبيضُ ناصعٌ ولكنه في القلب أسود أسفع
العطويّ في معناه:
أبعدك الله من بياض بيّضت من عينيَ السوادا
المتنبي:
أبعد بعدت بياضًا لا بياض له لأنت أسود في عيني من الظلم
وقوله (أسود) في النحو ركيك، لم يسمع إلا في أبيات شواذَّ نوادر.
[ ١ / ٢٩ ]
نصر الخبزأرزي:
وأسقمني حتى كأني جفونُه وأثقلني حتى كأني رَوَادفه
محمد بن أبي زُرعة الدمشقي، كان في أيام ديك الجن له من قصيدة:
أسقمني طرفة وحمَّلَني من الهوى ثِقلَ ما تحوى مآزره
للمئزر في هذا البيت حلاوة وطلاوة وطراوة.
ابن الرومي من قصيدة:
فكأن ليلَتَنا عليه لطُولها ثبتت تمخض عن صباح الموقف
لغيره:
يا ليل هل لك من صباحْ أم هل لنجمك من براحْ
محمد بن هاشم، وهو المكَنَّى بأبي نبقة الشاري:
سَهِرت لَيْلِى فنوم العين متبول كأن لَيْلِى بيوم الحشر موصول
لغيره:
ألا يا ليل هل لك من براحِ كأنك قد خُلِقت بلا صباح
قال المتنبي:
من بعد ما كان ليلى لا صباح له كأن أولَ يوم الحشر آخرُه
وأعاد المتنبي فقال:
لُيَيْلتنا المنوطة بالتناد
[ ١ / ٣٠ ]
ديك الجن:
تغدو إلى سيد يُحصَى الحصى عددًا في الخافقين ولا تحصى فواضله
محمد بن حازم الباهلي أبو جعفر:
يُحصى الحصى ويُعد الرمل أصغره ولا تُعد ولا تحصى معاليه
قال المتنبي:
حُلوٍ خلائقه شوسٍ حقائقه تحصى الحصى قبل أن تحصى مآثره
العلوي الحِماني من أبيات له:
والسيف إن قسته يومًا بنا شَبَهًا في الروع لم تدر عزمًا أيّنا السيف
ربيع بن ثابت الرقى:
لست أدري أعزمةُ الدهر أمضى في الأعادي أم كيدهُ أم حسامهُ
محمد بن مهدي العكبري أبو جعفر:
تشابه الأمر لا ندري أعزمته سيفٌ أم السيف يوم الروع عزمته
قال المتنبي:
همام إذا ما فارَقَ السيفُ غمده وعايَنْتَه لم تَدْرِ أيهما النصل
البحتري:
[ ١ / ٣١ ]
وملأت أحشاء العدو بلابلا فأرتدّ يحسد فيك من لم يحسد
العبرتاي:
قمّع أحشاء حاسديه ولم يتب غليل الحَشا من الحسد
قال المتنبي:
قطعتهم حسدًا أراهم ما بهم فتقطعوا حسدًا لمن لا يحسد
أبو هفّان:
تعجبت دُرُّ من شيبي فقلت لها لا تعجبي فطلوع البدر في السدَف
وزادها عجبًا أن رحت في سَمَل وما درتُ درُّ أن الدُّرَّ في الصدف
الخبزأرزي:
حصلت منكم على ما ليس يقنعني وكيف يُقنع سوءُ الكيل والحشف
وليس سكناي نقصانًا لمنزلتي فيكم كما الدرّ لا يزرى به الصدف
قال المتنبي:
لو كان سُكْنَايَ فِيكَ منقصة لم يَكُنِ الدرّ ساكنَ الصَّدَف
أبو بكر النحوي المعروف ببرمة:
وبيض تسافر ما إن تقي م لا في الرقاب ولا في القُرُب
بطئ رضاهن لكنها غداةَ اللقاءِ سراعُ الغضب
[ ١ / ٣٢ ]
ابن الرومي:
ما ضمّ سيفًا له غمد ولا برحت ضريبتاه من الأعناق والجَزَر
قال المتنبي:
وبيضٍ مسافرة مَا يُقمْ نَ لا في الرِّقاب ولا في الغمود
لقد تصبب عرقًا، وتقلب أرقًا، حتى أستنبط هذا المعنى البديع.
قال البحتري:
جَلّ عن مَذْهَب المديح فقد كا د يكونُ المديحُ فيه هجاَء
الخبزأرزي:
أنا في بحر جَدْواه غريقٌ بين أمواج
ومن قِلة ما أثنى عليه صرت كالهاجي
قال المتنبي:
وعُظم قدرك في الآفاق أوهمني أني بقلة ما أثنيتُ أهجوكا
ابن الرومي:
أقسمت بالله ما استيقظتم لخنًا ولا وُجدتم عن العليا بنوّام
بشار بن برد:
وسهرتمُ في المكرمات وَكَسْبِها سهرًا بغير هَوىً وغيرِ سَقام
قال المتنبي:
كثيرُ سهادِ العين من غير علّة يؤرّقه فيما يشرّفه الذِّكر
ابن الرومي:
وقد سَارَ شعري الأرضَ شرقًا ومغربًا وغَنَّى به الحَضْر المقيمون والسَّفْر
[ ١ / ٣٣ ]
قال المتنبي:
همُ الناس إلا أنهم من مكارم يُغَنّى بهم حَضْر ويحدو بهم سَفْر
أبو حوية السكسكسي:
وينظر في العواقب غيرَ غِرّ بعلم غدٍ وأحداثٍ الزمان
ابن قتيبة أنشد لبعض العرب أبياتًا منها:
بصير بأعقاب الأمور برأيه كأن له في اليوم عينًا على غد
قال المتنبي:
ماضي الجَنَان يُرِيه الحزمُ قبلَ غدٍ بقلبه ما ترى عيناه بعد غد
وله أيضًا:
ترى عينه في يومه ما يرى غدا
المتبول الجزري:
يجود مَالًا على العافي سحابُهم وتُمطِرُ الدّمَ أسيافٌ لهم قُضُب
محمود بن الحسين الورّاق الكوفي أبو الحسن النخاس:
إذا أروت الأرضَ أسيافُهم من الدم خِلتَ سحابًا همع
ابن الرومي:
سماءٌ أظلت كل شيء وأعملت سحائبَ شتى صوبُها المالُ والدمُ
قال المتنبي:
قوم إذا أمطرت موتًا سيوفُهم حسبتها سحبًا جادت على بَلَد
ابن الرومي من قصيدة أولها:
[ ١ / ٣٤ ]
الحب ريحان الفؤاد وراحه
يغدو فتكثرُ باللحاظ جِرَاحُنا في وجنتيه وفي القلوب جراحهُ
قال المتنبي:
ما باله لاحظته فتضرّجت وجناته وفؤاديَ المجروح
ابن الرومي:
طوفانُ نوحٍ دون هذا الندى فأبقَ بقاَء المصطفى نوحِ
وله أيضًا:
يجود حتى يقول المادحون له قد كاد أن يَخْلُف الطوفانَ طوفانُ
[ ١ / ٣٥ ]
قال المتنبي:
وخشيت منك على البلاد وأهلِها ما كان أنذرَ قومَ نوح نوحُ
أبو القوافي الأسدي:
ردّت صنائعهُ عليه حياتَه فكأنه من نشرها منشورُ
مؤنس بن عمران البصري:
طوته المنايا والثناء كفيلُه بردّ حياة ليس يُخْلقها الدهر
قال المتنبي:
كفل الثناء له بردّ حياته لما انطوى فكأنه منشور
بشار بن برد:
وإذا أقلّ لي البخيل عَذَرْته إن القليل من البخيل كثير
ولآخر:
قليل منك يكفيني ولكن قليلك لا يقال له قليل
قال المتنبي:
وقنعت باللقيا وأولِ نظرة إن القليل من الحبيب كثير
ابن الرومي:
وأعوامٌ كأن العام يوم وأيامٌ كأن اليوم عام
أبو تمام من قصيدة أولها:
دِمَنٌ ألَمَّ بها فقال سلامُ
أعْوامُ وصلٍ كاد يُنْسى طولَها ذكرُ النَّوى فكأنها أيام
[ ١ / ٣٦ ]
ثم انبرت أيام هجر أعقبت نجوى أسىً فكأنها أعوام
ثم انقضت تلك السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أحلام
قال المتنبي:
إن أيامَنا دهورٌ إذا غب تَ وساعاتنا القصار شهور
ومشرع هذا المعنى كثير الورّاد.
قال أبو تمام:
فما تترك الأيام من أنت آخذ وما تأخذ الأيام من أنت تارك
المعوّج الرقي:
ما يُفسدُ الدهرُ شيئًا أنت تُصْلحه وليس يصلح شيئًا أنت تفسده
قال المتنبي:
وما تفتق الأيام ما أنت راتق ولا ترتق الأيام ما أنت فاتق
أبو البيد البصري من قصيدة أولها:
أضاء لنا الأفق المظلمُ بِيُمْنك وأفتُتِح المبهَمُ
مكارم تملأ سَمْعَ الأصمّ عجبًا فينكرها الأبكم
[ ١ / ٣٧ ]
عمرو بن عروة بن العبد الكلبي:
أوضَحْتَ من طرق الآداب ما اشْتَكَلت دهرًا وأظْهرتَ إغرابًا وإبداعا
حتى فتحت بإعجاز خُصصتَ به للعمى والصم أبصارًا وأسماعا
قال المتنبي:
أنا الذي نظر إلى الأعمى إلى أدبي وأسمعَتْ كلماتي من به صم
وبين أبيات الكلبي وبين هذا بون بعبد في النقد.
أبو العتاهية من قصيدة فيها:
هوّن عليك خطوبَ الدهر أجمعَها فالدهر في حالتيه السم والعسل
قد كنتُ صنتُ دموعي قبل فرقته فاليوم كل مصون فيه مبتذل
ولآخر:
كل مَصُون فيك مبذول وكل قلب فيك مشغول
وكل ذي رأي وذي فطنة بسيف ألحاظك مقتول
معوّج الرقي:
هان من بعد بعدك الدّمعُ والصَّبْ رُ وكانا أعَزّ خَلْق مصون
قال المتنبي:
قد كنت أشفق من دمعي على بصري واليوم كل عزيز بعدكم هانا
[ ١ / ٣٨ ]
معقل العجلي أخو أبي دلف وكان يعمل أشعارًا ويلحنها مخارق:
ما في الملابس مفخر لذوي النهى إن لم يَزِنْها الجود والإحسان
ليس اللئم تزينُه أثوابهُ والميت ليس تزينه الأكفان
قال المتنبي:
لا يُعجبنّ مَضيمًا حسنُ بِزَّته وهل يروق دَفِينًا جودةُ الكفن
الخبزأرزي:
من فرط أشواقي ورقة عبرتي إني أغار عليك من مَلَكَيْكا
ولو استطعت حجبتُ لفظَك غَيرةً إني أراه مقبلًا شفنيكا
قال المتنبي:
أغار من الزجاجة حين تجري على شفة الأمير أبي الحسين
وهذا الكلام لا يخرج إلا من سوء أدب وقلة معرفة بخدمة الملوك لأن الغيرة تكون من المحب على المحبوب فأما من المملوك على المالك ومن المادح على الممدوح فضرب من قلة التمييز لا غير.
ولجابر بن الطائي السنبسي مليح الشعر من أبيات مشهورة:
[ ١ / ٣٩ ]
خيل شوازب أمثال الصقور لها فوارس لا يخافون الردى بُسُل
كأنهم خلقوا والخيل تحتهم وهم أسود وفي أنيابها الأجل
قال المتنبي:
وكأنها نُتجَتْ قيامًا تحتهم وكأنهم خلقوا على صهواتها
أبو تمام من قصيدته المعتصمية:
لو لم يقد جحفلا يوم الوغى لغدا من نفسه وحدها في جحفل لجب
قال المتنبي:
الجيش جيشك غير أنك جيشه في قلبه ويمينه وشماله
وأظن هذا البيت مما قال النبي ﷺ إن من الشعر لحكمة وإن من البيان لسحرًا.
السيد الحميري:
قوم نِبالهمُ ليست بطائشة وفيهم لفساد الدين إصلاح
ويفصحون عن المعنى بألسنة كأنما هي أسياف وأرماح
البحتري:
وإذا تألق في الندىّ كلامه ال مصقول خلت لسانه من عضبه
قال المتنبي:
كأن ألسُنَهم في النطق قد جعلت على رماحهم في الطعن خُرْصَانا
والرماح والخرصان بمعنى واحد وإن اختلف اللفظان، وهذا من سوء العبارة والبيان.
[ ١ / ٤٠ ]
المعوج الرقي من قصيدة أولها:
ليست مغازلة الغزلان من عملي فعاشق المجد يأبى طعنة الغزل
أعطيت ملكًا جليلا لا انتقال له ما البدر عن فلكه يوما بمنتقل
قال المتنبي:
أعيا زوالك عن محل نلته لا تخرج الأقمار عَنْ هالاتها
امرؤ القيس بن حجر:
ألم تر أني كلما جئت طارقًا وجدت بها طيبًا وإن لم تَطَيب
بشار بن برد:
وزائرة ما مَست الطيبَ برهةً من الدهر لكنْ طيبُها الدهرَ فائح
الخليع الأول:
وزائرة ما ضمّخَتْ قطُّ ثوبَها بمسك ومن أثوابها المسك يسطع
ينمّ عليها ريقها وحُليُّها وغُرّتها في الليل والليل ادرع
قال المتنبي:
وزائرة ما خامر الطيبُ ثوبها وكالمسك من أردانها يتضوع
ابن الرومي:
لو أبى الراغبون يومًا نداه لدعاهم إليه بالترغيب
وله أيضًا:
[ ١ / ٤١ ]
له نائل ما زال طِلْبَةَ طالب ومرْتَادَ مرتاد وخاطِبَ خاطِبِ
الخبزأرزي:
وينفق أمواله في طلا ب طُلاَّبها طائعًا مستديما
قال المتنبي:
وعطاءُ مال لو عَدَاه طالِبٌ أنفقتَه في أن يلاقي طالبا
قَيْلٌ بمَنْبِجَ مثواه ونائلُه في الأفق يَسْأل عمن غَيْرَه سألا
وله في هذا المعنى:
لو اشتَهت لحم قاريها لَبَادَرَها خَرَادلٌ منه في الشِيزى وأوصالُ
وهو يعيد هذا المعنى في مواضع كثيرة وأعاده في مواضع شتى بألفاظ مختلفة تنبئ على قدرته في الكلام وقوّته على إبداع النظام وبينهما بون.
الخبزأرزي:
صدعُ الزجاجة صدعٌ غير ملتئم بحيلة وكذاك الصدع في الكبد
كأنما كل ثكلى وهي باكية تبكي بعيني وَتَضْنى من ضنى جسدي
[ ١ / ٤٢ ]
قال المتنبي:
تلح جفوني بالدموع كأنما جفوني لِعَيْنَي كُلّ باكيةٍ خدّ
البنديجي الكاتب:
أنت في الدهر كالطّرِيّ من الور د وفي الشعر كالبديع الغريب
فيك بِشْرٌ يُدنى النجاح من الرا جي ويَقْضى بالنيل للمطلوب
قال المتنبي:
ذُكِرَ الأنامُ لنا فكانَ قصيدةً كنتَ البديعَ الفردَ من أبياتها
العوني:
مضى الربيع وجاء الصيف يقدمه جيش من الحر يرمى الأرض بالشرر
كأن بالجوّ ما بي من جوى وهوى ومن شحوب فلا يخلو من الكدر
المتنبي:
كأن الجو قاسى ما أقاسي فصار سواده فيه شحوبا
قال الهمذاني:
ونغّص دهر الشيب عيشي ولم يكن ينغصه إذ كنتُ والرأس أسود
يُخَصّ زمانُ الشيب بالذم وَحْدَه وأيّ زمان يا بثينةُ يحمد
قال المتنبي:
من خصّ بالذم الفراقَ فإنني من لا يرى في الدهر شيئًا يُحْمد
[ ١ / ٤٣ ]
ابن حماد الكاتب وهو بغدادي مطبوع كان في أيام أبي نواس يعمل أبياتًا ينحلها إليه ليغري به العوام:
لم تنبُ عن غرض مشاقصه يومًا ولم تعدل ولم تثب
حسن الإصابة ليس يخطئ في وضع الهناء مواضع النقب
فسهامها مما انتظمن قنًا لولا النصولُ وموضع العَقَب
قال المتنبي:
يصيب ببعضها أفواق بعض فلولا الكسر لاتصلت قضيبا
لمحمد بن كناسة الأسدي وكان مليح الشعر من أبيات رواية الكميت:
ترى خيلهم مربوطة بقبابهم وفي كل قلب من سنابكها وقع
قال المتنبي:
قيام بأبواب القباب جيادهم وأشخاصهم في قلب خائفهم تعدو
جابر بن رَألان السنبسي:
وإذا انحنت مثل الضلوع قناته في الحرب ثقفها بصدر مغاور
كم طعنةٍ في أثنين قد نفذت له سلكي فخاطت أولًا بالآخر
قال المتنبي:
ولربما أطر القناةَ بفارس وثنى فقوّمها بآخرَ منهم
[ ١ / ٤٤ ]
معوج الرقي:
أشتاقه فإذا بدا أطرقت من إجلاله
لا خيفةً بل هيبةً وصيانةً لجماله
وأذم طيفًا لم يَطُف حولي زمانَ وصاله
ومن البلية أنني مغرى بحبّ خياله
قال المتنبي:
إني لأبغض طيف من أحببته إذ كان يهجرنا زمان وصاله
ومنها:
وكأنما قَذِىَ النهارُ بِنَقْعه إذ غضّ عنه الطرف من إجلاله
ديك الجن:
أخا الرأي والتدبير لا تركبِ الهوى فإن الهوى يُرديك من حيث لا تدري
ولا تثقَنْ بالغانيات وإن وفت وفاءُ الغواني بالعهودِ من الغَدْر
أبو تمام:
ولا تحسبا هندًا لها الغَدْرُ وحدَها سجيةُ طبعٍ كلُّ غانية هند
فإن حقدت لم يبق في نيلها رضى وإن رَضيت لم يبق في قلبها حقد
قال المتنبي:
إذا غدرت حسناء أوفت بعهدها ومن عهدها ألا يدوم لها عهد
لعلي بن يحيى المنجم من أبيات يغنى بها:
[ ١ / ٤٥ ]
وجه كأن البدرَ ليلةَ تِمِّه منه استعار النورَ والإشراقا
وأرى عليه حديقةً أضحى لها حَدَقي وأحداقُ الأنام نطاقا
قال المتنبي:
وخصر تثبت الأبصار فيه كأن عليه من حدق نطاقا
لقد أبدع المتنبي حتى أتعب.
الكميت بن زيد وهو أبو المستهل الأصم الكوفي من قصيدة طويلة:
ومستلئمات دارعات تشبهت بفرسانها في الحرب ليس لها ذعر
يخضن بحار الموت من غير ذلة تخال بها سكرًا وليس بها سكر
قال المتنبي:
لها في الوغى زِيُّ الفوارس فوقها فكلُّ حصان دارعٌ متَلَثِّمُ
وما ذاك بخلا بالنفوس على القنا ولكن صدم الشر بالشر أحزم
وأما قوله صدم الشر بالشر أحزم فهو مركب على شعر كعب بن معدان، الأشقري من أشراف خراسان في قوله:
[ ١ / ٤٦ ]
همام بحد السيف يحمى ذماره فما جانب من عزه يتثلم
يهون عليه الموتُ خوف افتضاحه يرى أن صدم الموت بالموت أحزم
أو من قول هشام أخي ذي الرمة:
ولم ينسني أوفى المصيبات بعده ولكن نَكْأ القرح بالقرح أوجع
لزبينا النصراني أبي إسحاق من رأس العين:
وما انتضينا السيوفَ يومَ وغىً إلا وفي الرأس نحن نغمدها
قال المتنبي:
لعلمها أنها تصير دمًا وأنه في الرقاب يغمدها
قال الخبزأرزي:
فوا عجبا حتّامَ يُمطر نَاظِري إذا هو أبدى من ثناياه لي برقا
وقد سبقه بشار في قوله:
إذا ابتسمت جفوني بوابل من الغيث أجرته بُرُوقُ المباسم
قال المتنبي:
تبلّ خديّ كلما ابتسمت من مطر بَرْقُه ثناياها
لعبد الصمد بن المعدل:
[ ١ / ٤٧ ]
يعطيك فوق المنى من فضل نائله وليس يعطيك إلا وهو يعتذر
قال المتنبي:
يعطيك مبتدئًا فإن أعجلته أعطاك معتذرًا كمن قد أجرما
صالح بن أبي حيان الحلبي الطائي:
صَبَرت ومن يصبر يجد غِبَّ صبره ألذَّ وأحلى من جني النحل في الفم
قال المتنبي:
فثب واثقًا بالله وثبة ماجد يرى الموتَ في الهيجا جني النحل في الفم
أبو تمام:
لو حار مرتاد المنية لم يجد إلا الفراق على النفوس دليلا
قال المتنبي:
لولا مفارقة الأحباب ما وجدت لها المنايا إلى أرواحنا سبلا
لأبي ثروان السعدي:
عش بجهل تصبح وأنت غني أو بعقل تصبح وأنت فقير
أبو مسلم محمد بن صبيح صديق الجمار:
[ ١ / ٤٨ ]
فعيش ذي العقل في هم وفي نكد وذو الجهالة في خصب وفي فرح
أبو الفتح الإسكندراني:
اختر من الكسب دونًا فإن دهرك دون
زَجّ الزمان بحمق إن الزمان زبون
لا تُكْذَبَنّ بعقل ما العقل إلا جنون
لمحمد البجلي الكوفي:
هذا الزمان مشوم كما تراه غشوم
الجهل فيه جميل والعقل غثّ ملوم
والمال طيف ولكن على اللئام يحوم
قال المتنبي:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
[ ١ / ٤٩ ]
لمحمد البيدق الشيباني من أهل نصيبين:
إني لأنصف من إخائك دائمًا حاشاك من ظلم فلم لا تنصف
الظلم طبعك والعفاف تكلف والطبع أقوى والتكلف أضعف
قال المتنبي:
والظلم من خلق النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم
لنصر بن سيار بن رافع وقد تقلد خراسان وكان شاعرًا لطيفًا:
ولربما نفع العدو بعقله ولربما ضرّ الصديق الجاهل
قال المتنبي وقد ملح الأبيات:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص فهي الشهادة لي بأني كامل
هذا والله أحسن، وأخذه في قصيدة أخرى:
ومن العداوة ما ينالك نفعه ومن الصداقة ما يضر ويؤلم
وبين أبيات نصر والمتنبي للمتأمل بون بعيد.
أبو العتاهية:
الصدق إيمان وربّتما عند الضرورة ينفع الكذب
والحلم من خلق الكرام وكم نَزَق به يتسهّل الصعب
قال المتنبي:
من الحلم أن تستعمل الجهل دونه إذا اتسعت في الحلم طرق المظالم
لأبي الحسن علي بن المهدي الكردي من قصيدة له:
[ ١ / ٥٠ ]
ما أنس يوم تعانقنا وعلّلني من ريقه صَافيًا ما شَابَهُ كُدَرَ
أبصرته فرأيت الشمس طالعةً والشمس تغشى فيغشى دونها البصر
هذا على أن حول الشمس من شَعَرٍ ليلٌ يقال له الأصداغ والطرر
أنا القتيل وطرفي قاتلي ودمي ما بين طرفي ومن عُلِّقْته هدر
لدعبل:
لا تأخذوا بظلامتي أحدًا قلبي وطرفي في دمي اشتركا
قال المتنبي:
وأنا الذي أجتلب المنيةَ طرفُه فمن المطالِبُ والقتيلُ القاتلُ
لأشجع السلمي:
وعلى عدوّك يا بنَ عمّ محمد رَصَدان ضوءُ الصبح والإظلام
فإذا تنبّه رُعْتَه وإذا غفا سَلَّتْ عليه سيوفَك الأحلام
قال المتنبي:
يرى في النوم رُمْحَك في كُلاه ويَخْشى أن يراه في السُّهاد
وإذا تأملت الأبيات رأيت بين كلام المتنبي وبين كلام السلمي بونًا بعيدًا لأن المتنبي أراد بذكر السهاد اليقظة المطابقة النوم فأفسد المعنى لأن السهاد انتفاء الكرى ليلًا والمستيقظ في حاجته نهارًا لا يسمى ساهدًا وهذا لقلة معرفته بأصول اللغة.
لأبي تمام:
شاب رأسي وما رأيت مشيب ال رّأس إلا من فرط شيب الفؤاد
فنقل المتنبي الشيب من الفؤاد إلى الكبد وقال:
إلاّ يَشبْ فلقد شابَتْ له كبدٌ شَيْبًا إذا خَضَّبَتْه سَلْوَةٌ نصلا
[ ١ / ٥١ ]
لأبي نواس:
وما على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد
الناشئ في عليّ ﵁ وأرضاه:
وغير بدع أن نرى عالمًا ركبه الخالق في عالِم
قال المتنبي:
هديةٌ ما رأيت مُهْدِيَها إلا رأيت الأنام في رجل
وكرّره في موضع آخر فقال:
يستجمع الخلق في تمثال إنسان
أبو تمام:
أفي الحق أن يُضْحى بقلبي مَأتَمٌ من الشوق والبلوى وعيناي في عرس
العوني:
تحت أضلاعي اللهيب وعيني في رياض من الجمال تجول
قال المتنبي:
حشاي على جمر ذكي من الهوى وعيناي في روض من الحسن ترتع
[ ١ / ٥٢ ]
ولو قال ترتعان كان أصوب وأبلغ لولا ضرورة القافية.
بشار بن برد:
فلا يُسَرُّ بمال لا يجود به وليس يقنع إلا بالذي يهب
البحتري:
ما احتجّ يومًا كما احتجّ البخيل ولا يحبّ من ماله إلا الذي يهب
قال المتنبي:
إذا حازَ مالًا فقد حازه فتى لا يسر بما لا يهب
قال البحتري:
وإذا اعتفاه المعتفون فإنه يهب العلا في نَيْله الموهوب
قال المتنبي:
إذا أكتسب الناس المعالي بالندى فإنك تعطى في نداك المعاليا
أبو العتاهية:
أحييت ذكرًا طيبًا نشره تفصيله أذكى من المجمل
وأنت فرعٌ طيبٌ أصلُه لا بد للآخِرِ من أول
قال المتنبي:
أشرب ولذّ فللأمور أواخر أبدًا إذا كانت لهن أوائل
قطري بن الفجاء:
حتى انصرفت وقد أصبتُ ولم أصَبْ جذعَ البصيرة قارحَ الإقدام
[ ١ / ٥٣ ]
قلبه البحتري فقال:
ملك له في كل يوم كريهة إقدامُ غِرٍّ واعتزام مجرب
وقلبه أبو تمام فقال:
ومجربون سقاهم من بأسه فإذا لقوا فكأنهم أغمار
وقال أيضًا:
كهل الأناة فتى الشدَاة إذا غدا للحرب كان الماجد الغطريفا
قال المتنبي:
تدبيرُ ذي حُنَك يفكر في غد وهجومُ غِرٍّ لا يَخَاف عواقبا
لأبي نواس في صفة الكلب في طرديته:
يجمع قُطريه من أنضباره.
قال المتنبي:
يجمع بين متنه والكلكل وبين أعلاه وبين الأسفل
ثابت بن قطنة العتكي:
هدانا الله بالقتلى نراها مصلبة بأفواه الشعاب
[ ١ / ٥٤ ]
قال المتنبي:
إذا سَلَكَ السَّماوةَ غيرُ هَادٍ فقتلاهم لعينيه مَنارُ
أبو تمام:
ولطالما أمسى فؤادُك منزلا ومَحِلَّة لظباء ذاك المنزل
وله أيضًا:
وقفت وأحشائي منازلُ للأسى بها وهي قفر قد تعفّت منازله
البحتري من قصيدة أولها:
نِعمّ المغاني يوم صحراء مرثد
منازل أضحت في الفؤاد منازلا فأصبحت منها بين نُؤْى وموقد
المعوج الرقي:
كم وقفنا على الطلول وجُنا بسحاب من الدموع يُهلّ
يا محل الآرام والعِين أهلا لك في القلب منزل ومحلّ
قال المتنبي:
لك يا منازل في القلوب منازل أقفرت أنت وهن منك أواهل
[ ١ / ٥٥ ]
لكثير عزة:
رمتني بسهم رِيشُه الهدبُ لم يُصبْ ظَواهِرَ جلدي وهو للقلب صادع
وقد مضى في موضع آخر في سرقة أخرى.
قال المتنبي:
رامياتٍ بأسهم رِيشُها الهدْ بُ تشق القلوبَ قبل الجلود
لابن الرومي:
أخشى عليك اشتعال الذهن لا حَذَرا
قال المتنبي:
أشفق عند أتقاد فكرته عليه منها أخاف يشتعل
أبو تمام:
ورحب صدر لو أن الأرض واسعة كوسعه لم يضق عن أهلها بلد
قال المتنبي:
تضيق عن جيشه الدنيا ولو رحبت كصدره لم تضق فيها عساكره
للناشئ:
لما عطفن رءوسهن إلى الظعائن في الكلل
قدرتهن لعشقهنّ طلبن منهن القبل
[ ١ / ٥٦ ]
قال المتنبي:
ويُغيرُني جذبُ الزمام لقلبها فَمَها إليك كطالب تقبيلا
البحتري:
تلقاه يقطر سيفُه وسنَانُه وبنانُ راحته دمًا ونجيعا
قال المتنبي:
ملك سنان قناته وبنانه يتباريان دمًا وعرفًا ساكبا
ابن الرومي:
أعندي منقضّ الصواعق منكما وعند ذوي الكفر الحيا والثرى الجعد
قال المتنبي:
ليت الغمامَ الذي عندي صواعقه يُزيلُهنّ إلى من عنده الدِّيَم
لبشار بن برد:
وكل موجود إذا ما نأى مَنْ أنا أهواهُ فمعدوم
[ ١ / ٥٧ ]
قال المتنبي:
وجداننا كل شيء بعدكم عدم
لبشار بن برد:
إذا رضيتم بأن نُجْفَى وسَرَّكم قولُ الوشاة فلا شكوى ولا ضجرا
صالح غلام أبي تمام، ونسب هذا في غير موضع لابن الرومي:
إذا ما الفجائع يكسبن لي رضاك فما الدهر بالفاجع
قال المتنبي:
إن كان سرّكم ما قال حاسدنا فما لجرح إذا أرضاكم ألم
دعبل بن علي الخزاعي:
ولست أرجو انتصافًا منك ما ذرفت عيني دموعًا وأنت الخصمُ والحكم
قال ابن الرومي:
غدا الدهر لي خصمًا وفيَّ مُحَكَّما فكيف بخصم ضَالعٍ وهو يحكم
قد أعدت هذين البيتين فيما يجئ.
قال المتنبي:
يا أعدل الناس إلا في معاملتي فيك الخصام وأنت الخصم والحكمُ
[ ١ / ٥٨ ]
لمعقل أخي أبي دلف العجلي:
إذا لم أميز بين نور وظلمة بعينيّ فالعينان زورٌ وباطل
ولمحمد بن أحمد بن أبي مرّة المكي:
إذا المرء لم يدرك بعينيه ما يُرى فما الفرق بين العُمى والبصراء
قال المتنبي:
وما انتفاع أخي الدنيا بناظره إذا استوتْ عنده الأنوار والظُّلمَ
للعوني:
وإذا أشتكى الإنسان صرف زمانه وأراد ثروته فأنت الموعد
قد كنتُ مرحومًا لفرط خصاصتي فاليوم إذ قبّلت كفّكَ أحسَدُ
قال المتنبي:
أزل حسد الحسّاد عنّي بكبتهم فأنت الذي صيّرتهم لي حُسّدا
إذا سأل الإنسانُ أيامَه الغنى وكنتَ على بُعدٍ جعلتك موعدا
منصور بن سلمة بن الورقاني النمري:
إني مقرّ بالخطيئة عائذٌ بجميل عفوك فأعفُ عني منعما
وإذا عفوت عن الكريم ملكتَه وإذا عفوت عن اللئيم تجرّما
قلدتني نعمًا بها استعبدتني ورأيت إتيان المكارم مغنما
قال المتنبي:
إذا أنت أكرمتَ الكريمَ ملكته وإن أنت أكرمتَ اللئيم تمرَّدا
وأما قوله وإن أنت فخطأ وإن جاز مثله للشاعر، ولقد تعب في مسخ هذا البيت قوّاه الله تعالى.
ولبعض العرب:
[ ١ / ٥٩ ]
ولا يكشف الغمّاَء إلا ابن حرّة يرى غمرات الموت ثم يزورها
نقاسمهم أسيافَنا شرَّ قسمة ففينا غواشيها وفيهم صدورها
قال المتنبي:
وكنتَ السيفَ قائمهُ إليها وفي الأعداء حَدُّكَ والغِرارُ
للحسن بن عمرو الأباضي:
تولَّى والرماح تناوشته وبين يديه نقع مستطار
وأيقن أن فلتَتَه حياةٌ ووقْفته هلاك أو إسار
وأحْصَنُ درعِه هربٌ وأوْقى سلاحٍ يستعين به الفرار
قال المتنبي:
إذا فاتوا الرماحَ تَنَاوَلَتْهم بأرماحٍ من العَطَشِ القِفَارُ
مركب على قوله تولّى والرماح تناوشته، ونهب الآخر في قوله:
ولذّهم الطراد إلى قتال أحدّ سلاحهم فيه الفرار
ومثل هذا يدل على ضعف البصيرة بالسرقة لأنه جاء بأبياته على روىّ الأباضي وقافيته.
أبو تمام في قصيدته المعتصمية المعروفة:
ضوءٌ من النارِ والظلماءُ عاكفةٌ وظلمةٌ من دخان في ضُحىً شَحِبِ
[ ١ / ٦٠ ]
قال المتنبي:
إذا صرف النهارُ الضوَء عنهم دَجَا ليلان ليلٌ والغبار
ولأبي تمام فيها:
غادرت فيهم بهيم الليل وهو ضحى يشله وسطها صبح من اللهب
قال المتنبي:
وإنْ جنحُ الظلام أنجاب عنهم أضاَء المشرفِيّةُ والنهار
للحسن بن أبي طلحة بن أبي البختري القرشي مات بطبرستان:
تُركت رءوس رءوسهم مقسومةً بين الرياح
وتجرعوا ألم الجرا ح وما رأوا سمر الرماح
قال المتنبي:
تحمل الريحُ بينهم شَعَر ألْها م وتُذْرى عليهم الأوصالا
أبصروا الطعن في القلوب دراكًا قبل أن أبصروا الرماح خيار
أشهد أن المتنبي لم يقصر في جودة الأخذ والتحرز من ركوب القافية.
لزيد بن طرمة من الطائف لقيه الأصمعي وروى عنه:
ودّوا لو أن دروعهم من ثقلها كانت عليهم قبل ذاك مدارعا
ورموا من الجزع السيوف فأصبحت لجميعهم عند الأسار جوامعا
قال المتنبي:
ينفض الروعُ أيدِيًا ليس تَدْري أسيُوفًا حَمَلْن أم أغلالا
[ ١ / ٦١ ]
لقد أفسد ونقص من صنعة الرجل وملاحة كلامه.
أبو العتاهية:
وإذا الجبان رأى الأسنة شرعا عاف الثبات فإن تفرّد أقدما
قال المتنبي:
وإذا ما خلا الجبان بأرض طلب الطعن وحده والنزالا
لمسلم بن عياش العامري:
وخيل مؤدبة لا تزال قوائمها عالكاتِ اللجم
تحنّ إلى الحرب من غير أن تقاد وما أقلقتها الحُزُم
وقد ستر النقع أعرافها فآذانها كرءوس القلم
قال المتنبي:
قاد الجياد إلى الطعان ولم يقد إلا إلى العادات والأوطان
إن خُلّيَتْ رُبِطَتْ بآداب الوغى فدعاؤها يغنى عن الأرْسَان
في جحفل ستر العيونَ غبارُه فكأنما يبصرن بالآذان
لمحمد بن مسلم المعروف بابن المولى:
ما زلت تقرعهم في كل معترك ضربا يحل محل الشيب باللمم
ترى الجماجم منه غير آمنة وسائر الجسم منها صار في الحرم
قال المتنبي:
خَصَّ الجماجمَ والوجوهَ كأنما جاءت إليك جسُومُهم بأمان
[ ١ / ٦٢ ]
وقال الخليع الأكبر:
تعوّد البذلَ والإنعامَ في صِغر فليس ينفكّ في جود وأفضال
وجاد بالمال حتى قال سائله كأنه ليس يدري قيمة المال
قال المتنبي:
حتى يقول الناسُ ماذا عاقلا ويقول بَيْتُ المالِ ماذا مُسْلِمَا
بُكم الخرس أحسن من هذا الكلام العامي الغث، والنظام الفاسد الرث.
لعلي بن هارون المنجم:
كريم نهته النفس عن شهواتها ووفتْه أقساط المعالي بلا بَخْس
إذا لم تكن نفس ابن آدم حرّةً تحنّ إلى العليا فلا خير في النفس
قال المتنبي:
تلك النفوسُ الغالباتُ على العُلا والمجدُ يغلبها على شهواتها
أبو تمام:
فإن لم يَفِد يومًا إليهن طالبٌ وفدن إلى كُلّ امرئ غير وافد
وله أيضًا:
وَفَدتْ إلى الآفاق من نفحاته نعم تسائل عن ذوي الإقتار
[ ١ / ٦٣ ]
قال المتنبي:
وأنفسهم مبذولة لوفودهم وأموالهم في دار من لم يفد وفد
لأبي عيينة بن المهلبي:
لك في المشكلات إن غال أمرٌ وبدا من زَمانِ سوء عُرام
همة لا يفلّها صرفُ دهرٍ واعتزامٌ لا يعتريه ظلام
قال المتنبي:
ليس عَزْمًا ما مَرّضَ المرءُ فيه ليس هَمًّا ما عاقَ عنه الظلام
لأبي تمام وإن سبق لهذا المعنى ولكنه زاد وملّح:
وقد ظُلِّلت عِقبانُ أعلامهِ ضحىً بِعقبان طير في الدماء نواهلِ
أقامت مع الرايات حتى كأنها من الجيش إلا أنها لم تقاتلِ
والصنعة في هذين البيتين عجيبة جدًّا لا يعرفها إلا مبرز في صنعة الشعر.
قال المتنبي:
سحاب من العِقبان تزحف تحتها سحابٌ إذا استسقت سَقَتْها صوارمه
ولم يسمع بأن السحابة تسقي ما فوقها إلا على طريق القلب والعكس وأراد الاستطعام فجعله استسقاء.
[ ١ / ٦٤ ]
لأبي الهندي الرياحي:
لا تغبطن ذليلا في معيشته فالموت أهون من عيش على مضض
لا يوجع الصخرَ نحتُ المرء جانبَه ولا من الذل ذو لبّ بممتعض
قال المتنبي:
ذل من يغبط الذليل بعيش رب عيش أخف منه الحمام
من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرج بميت إيلام
لم يستحل المتنبي أن يسرق بيتًا واحدًا فشفعه بآخر شرهًا.
للحصين بن حمام:
يطأن من القتلى ومِنْ قِصَدِ القنا خيارًا فلا يجرين إلا تجشما
قال المتنبي:
يطأن من الأبطالِ مَنْ لأحَمَلْنَه ومِن قِصَد المُرَّانِ ما لا يقوّم
الوزنان واحد والرويان واحد إلا أن الحصين قال قصد القنا وقال المتنبي قصد المران فأتعب خاطره.
لأبي عمران الضرير الكوفي:
لست أدري كيف ابتليت بقوم لا يخافون ربهم حُسّادِ
حسدوني على الحياة ومَنْ لي بحياة أنال فيها مرادي
قال المتنبي:
ولكني حسدت على حياتي وما خير الحياة بلا سرور
[ ١ / ٦٥ ]
لأبي تمام:
كثرت خطايا الدهر فيّ وقد يُرى بِنَداكَ وهو إليّ منها تائب
قال المتنبي:
حالا متى علم ابن منصور بها جاء الزمان إليّ منها تائبا
للمعوج الرقي (أستاذ الصنوبري):
نفسي فداءُ غَزَال قد برى جسدي إيعاده وتلا الإيعادَ إعراض
ولّي فقلت له والنفس جازعة والجسم أضنته آلامٌ وأمراضُ
تركتَنِي غرضَ الآفات قال كذا أفاضل الناس للآفاتِ أغراضُ
قال المتنبي:
أفاضل الناس أغراض لذا الزمن
لأبي مريم البجلي من شعراء خراسان:
وقفت بها والعين تحكى سحابة ولكنها تهمى دمًا متدفقا
أرَى نُؤْيَها جسمي نحولا ودِقَّة وسُفعَ الأثافي مثلَ قلبي تحرقا
[ ١ / ٦٦ ]
قال المتنبي:
أثافٍ بها ما بالفؤاد من الصَّلَى ونؤْىٌ كجسمي ناحلٌ متهدم
للبحتري:
كالرمح فيه بضعَ عشرةَ فقرة مُنْقَادةً تحت السنان الأصيد
قال المتنبي:
فكل أنابيب القنا مددٌ له وما تَنْكتُ الفرسانَ إلا العوامل
تم الجزء الأول من كتاب الإبانة عن سرقات المتنبي لفظًا ومعنى ويتلوه الجزء الثاني إن شاء الله تعالى تأليف الإمام الفاضل أبي سعيد محمد بن أحمد العميدي رحمه الله تعالى وغفر له وللمسلمين آمين.
[ ١ / ٦٧ ]