بسم الله الرحمن الرحيم
على الله ﷿ توكلي.
لأبي أحمد الخراساني رحمه الله تعالى من قصيدة له:
فكم مهمهٍ قد جبته بعد مهمهٍ وكم مسلك وَعْر وكم مسلك قَفْر
يلين بعزمي كلُّ صَعب أرُومُه وهل خَطْبُ دهر لا يُهَوِّنه صبري
قال المتنبي:
قد هوّن الصبر عندي كل نازلة ولَيَّن العزمُ حدّ المرْكَب الخشن
لبشر بن هدبة الفزاري:
أرى الحربَ في عينيّ مثلَ عقيلة يُؤَنّسُني غِشيانُها وعناقُها
ومن لؤم طبع الجاهلين اجتنابهم ورودَ المنايا وهي أريٌ مذاقها
قال المتنبي:
يرى الجبناءُ حبَّ الموتِ جهلا وتلك خديعة الطبع اللئيم
للمعوّج الرقي:
يُفنى المواهب كي تبقى محامده ويُخْلص الجودَ من مَنٍّ ومن كدر
تلقاه إن وهب الدنيا بأجمعها لسائل خَجِلا في زيّ معتذر
قال المتنبي:
إذا الجود لم يرزق خلاصًا من الأذى فلا الحمد مكسوبًا ولا المال باقيا
لسابق البربري:
جني السفيهُ جناياتٍ فحلّ بمن لم يجنها ما أحل الشيبُ باللّمَمِ
وللجهالة عَدْوى يستضرّ بها ذو العقل إن لم يُجَانِب موضع التهم
[ ١ / ٦٩ ]
قال المتنبي:
وجرم جرّه سفهاء قوم فحلّ بغير جانيه العقاب
وأفصح من هذا قول ابن كعب:
جانيك من يجني عليك وقد يُعدى الصحاحَ مباركُ الحُرب
وهذا كلام متداول مأخوذ من قول الله تعالى: (أتهلكنا بما فعل السفهاء)؟
للناشئ من قصيدة له:
من يحتمل ثقل من يأتيه معتفيًا لم يتّجه نحوه ذم ولم يُعَب
ومن عَلَت في اكتساب المجد همتُه ولم يساعده جَدّ بات في تعب
قال المتنبي:
وأتْعبُ خلق الله مَنْ زاد همّه وقَصّر عما تشتهي النفس وُجْدُه
لمطيع بن إياس الكندي يهنئ جعفر بن أبي جعفر المنصور عند بُرْئه من علته:
يا بن الجحاجحة القرو م السادةِ الغرِّ الكرام
والمستضاء برأيه وبوجهه وابن الإمام
لا تشك عارض علة ولي ولم يك ذا عُرام
فالله جَلّى ما ترا كم من سحائبها العظام
وكساك عاجل صحة وسلامة طولُ السقام
والبدر يكسبه المحا ق سنا الإضاءة والتمام
للبحتري في عبد الله المعتز في حبسه:
وقد هذبتك الحادثات وإنما صَفَا الذّهَبُ الإبريز قبلَكَ بالسَّبْك
قال المتنبي:
لعل عَتْبَكَ محمودٌ عواقبُه فربما صَحت الأجسامُ بالعلل
[ ١ / ٧٠ ]
لعبيد الله بن طاهر بن الحسين الخراساني:
إذا كَرُمت نفسُ الفتى عَفَّ قلبه وساعده عيناه واليد والفم
وغير جميل أن يُرَى المرءُ مُطْرِقًا وفي قلبه نار من الشر تَضْرَم
قال المتنبي:
وإطراق طرف العين ليس بنافع إذا كان طرفُ القلب ليس بمطرق
طرف القلب من اللفظ البارد العامي.
لبشار بن برد:
تنفست شوقًا كلما ذكروا نجدًا ولم يَرْقَ دمعي بَعْدَ بُعْدهم وَجْدا
إذا جمع الإنسان رأيًا ونجدة ونفسا عزوفًا ساد واحتقب المجدا
ورب امرئ يُكْفَى قِتَالَ عدوه بآرائه والسيف ما فارق الغمدا
ثم يقول في آخر القصيدة:
فما زلت ذا رأي تحوز به العلا ولا زلت عن عقل تشيد به مجدا
قال المتنبي:
الرأي قبل شجاعة الشجعان هو أوّل وهي المحل الثاني
فإذا هما اجتمعا لنفس حرّة بلغت من العلياء كل مكان
ولربما طعن الفتى أقرانه بالرأي قبل تطاعن الأقران
قد لمح هذه الأبيات المتنبي، فألتقط جواهرها ونظمها في قصيدة (في عقد).
[ ١ / ٧١ ]
لأبي العتاهية:
بدني ناحل وصبري بدين واعتزامي ماض وجسمي حسير
ومن الموت قد سلمتُ ولكن بعد هذا إلى الممات أصِيرُ
يا خليلي كيف يخدعني الده ر وإني به بصير خبير
سَقيِّاني من قبل أن يتقضى أملٌ ارتجى وعمرٌ قصير
قال المتنبي:
فإن أمْرَض فما مرض اصطباري وإن أحْمَمْ فما حمَّ اعتزامي
وإن أسلم فما أبقى ولكن سلمت من الحمام إلى الحمام
تمتع من سهاد أو رقاد ولا تأمن كرىً تحت الرجام
فإن لثالث الحالين معنى سوى معنى انتباهك والمنام
لمهيرِ بن العبدي جد أبي هفان في قصيدة يعزّى بها صديقًا له:
تَسَلّ ولا تحزن عليه فإنني أرى الحزن يُرْدى الجسم عند التهجم
وسَرِّ فللنفس الشريفة نفرة عن الجسم لولا الإلف لم تتلعثم
قال المتنبي:
إلف هذا الهواء أوْقَع في الأن فُسِ أنّ الحمامَ مُرّ المذاق
لأبي جعفر محمد بن بشير البصري المعروف بزريق:
فلا تحسبوا الإقتارَ عارًا عليكم وأعداؤكم مُثْرون بين المحافل
[ ١ / ٧٢ ]
كذا عادةُ الدهر الخئونِ ولم يزل يُخَلّط في الأحكام حقًّا بباطل
رأيت الغنى عند الأراذل محنة على الناس مثلَ الفقرِ عند الأفاضل
قال المتنبي:
والغنى في يد اللئيم قبيح مثل قبح الكريم في الإملاق
بانت سعاد وكانت بيضةَ البلدِ فقلت قد فارقت روحي من الجسد
يا أكرمَ الناسِ أخلاقًا وأوفرَهم عقلا وأسبقَهم فيه إلى الأمد
أصبحت أفضل من يمشي على قدم بالرأي والعقل لا بالبطش والجلد
لئن ضَعُفْت وأضناك السقامُ فلم تضعف قوى عقلك الصافي ولم تمد
لو كان أفضل ما في الخلق بطشهم دون العقول لكان الفضل للأسد
وإنما العقل شيء لا يجود به للناس غيرُ الجواد الواحد الصمد
قال المتنبي:
لولا العقول لكان أدنى ضيغم أدنى إلى شرف من الإنسان
لابن إدريس الأعور وهو من أولاد مروان بن أبي حفصة مولى بني أمية يرثي عبد الله ابن طاهر:
أجيلُ طرفي فما ألْقى سوى جَدَثٍ وَأرَى محاسنَ ذاك المنظر البهج
وتربةٍ ما رأتها عينُ غانية إلا سَخَتْ بدم بالدمع ممتزج
وسوّدَتْها بنِقسٍ بعد غالية وبدّلت حمرة التفاح بالسبج
قال المتنبي:
وأبرزتِ الخدورُ مُخبَآت يَضَعن النِقسْ أمكنة الغوالي
[ ١ / ٧٣ ]
لمروان بن سعيد من أولاد المهلب بن أبي صفرة من غلمان الخليل بن أحمد رحمه الله تعالى:
نَظَرتْ بعَينَي جؤذر، فتقطعت كبدي عليها ساعَةَ الإعْراض
لهوى القلوب سريرة مكتومة ما إن تبينُ كسائر الأعراض
قال المتنبي:
لهوى القلوب سريرةٌ لا تُعْلمُ عَرَضًا نظرت وخلت أني أسْلَمُ
لبكر بن النطاح وكان يخدم أبا دلف العجلي (مليح الشعر).
ولو لم يكن في كفه غير روحه لجاد بها فليتق الله سائله
ولبشار بن برد:
ويسبق إنجازُه وعدَه وليس يحيل على باطل
يرى أنه أبخلُ الباخلين إذا جاد بالرّوح للسائل
ومبتسمٌ ضاحكٌ وجههُ إذا صال كلُّ فتىً باسل
ومستحقر معضلاتِ الأمور فلا يرجع الطرفَ عن هائِل
قال المتنبي:
إنك من معشر إذا وَهَبوا ما دونَ أعمارهم فقد بَخِلوا
وأخذ مصراعَ بشار في قصيدته:
إلامَ طَماعيةُ العاذل
فقال:
فلا يزعُ القلب عن مُقْدَم ولا يَرْجِعُ الطَّرفَ عن هائل
إلا أنه جنّس وما قصر.
[ ١ / ٧٤ ]
لأبي نواس:
ملك تَصَوّر في القلوب مثالُه فكأنه لم يخلُ مِنه مَكَان
كثير عزة:
أريد لأنْسى ذِكرَها فكأنما تَمَثل لي ليلى بكل مكان
قال المتنبي:
صدق المخَبِّرُ عنك دونَكَ وصْفُه من بالعراق يراك في طَرْسُوسَا
وقال أيضًا في موضع آخر:
هذا الذي أبصرتَ منه حاضرًا مثلُ الذي أبصرتَ منه غائبا
هذا فصل الخطاب الذي قال عنه أبو سعيد.
أبو تمام:
تعود بَسْطَ الكفّ حتى لو أنه أراد انقباضًا لم تطعه أنامله
ابن الرومي:
تعودَّتِ المواهبَ والعطايا أناملُ فيضُ راحتِها انسجامُ
فليس لها عن الحمد انفراج وليس لها على المال انضمام
قال المتنبي:
عجبا له حفظ العنان بأنمل ما حفظها الأشياء من عاداتها
فأفسد اللفظ والمعنى جميعًا.
لأبي العكوك في طاهر بن الحسين:
[ ١ / ٧٥ ]
عجبت لحرّاقة ابن الحسين كيف تعوم ولا تغرق
وبحران من تحتها واحدٌ وآخرُ من فوقها مُطْبِق
وأعجب من ذاك عيدانها وقد مسّها كيف لا تُورقِ
ولأبي البيداء:
هو المشترى الحمدَ الجزيلَ بماله وفي يده للسّائلين سحاب
ولو مَطرت كفّاه أرضًا لأخصبت وأوْرق صفوانٌ عليه تراب
قال المتنبي:
وعجبت من أرضٍ سَحابُ أكُفِّهم من فَوْقِها وصخورُها لا تورق
لأبي عيينة المهلبي:
وقلت لأصحابي هي الشمسُ ضوءها قريبٌ ولكنْ في تَنَاوُلها بُعْدُ
الخبزأرزي:
هو البدر مبسوط على الأرض نوره
البحتري:
عطاءٌ كضوء الشمس غَمْر فَمَغرِبٌ يكون سواءً في سناه ومَشْرِقُ
قال المتنبي:
كالبدر من حيث ألتفَتَّ رأيتَه يُهْدى إلى عينيك نورًا ثاقبا
أبو تمام:
ومن خدم الأقوام يرجو نَوالَهم فإنّي لم أخْدُمْك إلا لأخْدما
قال المتنبي:
وما رغبتي في عسجد أستفيده ولكنها في مَفْخَر أستَجدّه
[ ١ / ٧٦ ]
وأعاد أيضًا فقال:
فسرت إليك في طلب المعالي وسار سواي في طلب المعاش
ولم يسمع بلفظ عامي أسخف من هذا:
ابن المعتز:
وأرى الثريا في السماء كأنها خُرُدٌ تبدّت في ثياب حداد
للمعوج الرقي:
كأن بنات نعش حين لاحت نوائحُ واقفاتٌ في حداد
قال المتنبي:
كأنّ بناتِ نعشٍ في دجاها خرائدُ سافراتٌ في حداد
لبشار بن برد:
وظنّ وهو مُجِدّ في هزيمته ما لاح قدّامه شخصًا يسابقه
أبو نواس:
فكل كفّ رآها ظنها قدحًا وكل شيء رآه ظنّه الساقي
قال المتنبي:
وضاقت الأرض حتى كاد هاربهم إذا رأى غير شيء ظنه رجلا
[ ١ / ٧٧ ]
هذا المعنى هو السحر الحلال الذي رزقه وحرمه غيره.
لأبي المستورد:
حلّ المشيب بمفرقي فكأنه سيف صقيل
أقبح بضيف قال لي لما أتى قَرُب الرحيل
قال المتنبي:
ضيف ألمّ برأسي غير محتشم والسيف أحسن فعلا منه باللّمم
وقد سبق إلى هذا المعنى البحتري فأجاد وأحسن حيث قال:
وددت بياض السيف يوم لقيتني مكان بياض الشيب حلّ بمفرقي
وله أيضًا:
سماحًا وبأسًا كالصواعق والحيا إذا اجتمعا في العارض المتراكم
قال المتنبي:
فتى كالسحاب الجون يرجى ويتقى يرجّى الحيا منه وتخشى الصواعق
أبو تمام:
عطاء لو اسطاع الذي يستميحه لأصبح من بين الورى وهو عاذله
قال المتنبي:
وكنت أعيب عَذْلا في سَمَاحٍ فها أنا في السماح له عذول
الخليع الأكبر:
وخير بلاد الله عندي بلدة أنال بها عِزًّا وأحوى بها حمدا
[ ١ / ٧٨ ]
البحتري:
وأحب أقطار البلاد إلى الفتى أرض ينال بها كريم المطلب
قال المتنبي:
وكل امرئ يُولى الجميل محببٌ وكلُّ مكان يُنبت العزَّ طيب
أبو زرعة الدمشقي:
في محل بين الوصال وبين ال هجر أرجو طورًا وطورًا أخاف
قال المتنبي:
وأحلى الهوى ما شَكَّ في الوصل رَبُّه وفي الهجرِ فهو الدهْرَ يرجو ويَتَّقى
النابغة الجعدي:
وتُنكر يوم الروع ألوانَ خيلنا من الطعن حتى تحسب الجون أشقرا
لأبي المهاجر البجلي الكوفي:
وخاضت عِتاقُ الخيل في حومة الوغى دماء فصارت شهبُ ألوانها دهما
قال المتنبي:
جَفَتْنى كأنّي لست أنْطَقَ قَومِها وأطعَنَهم والشهبُ في صورة الدُّهم
قال أبو نواس:
وإذا المطيّ بنا بلغن محمدًا فظهورهن على الرجال حرام
[ ١ / ٧٩ ]
قال المتنبي:
وتعذُّرُ الأحرارِ صَيَّر ظَهرها إلاّ إليك عَلىَّ فرجَ حرامِ
قال الأسيلي:
غزا ابن عمير غزوةً تركت له ثناءً كريح الجورب المتعَرّق
قال المتنبي:
تستغرق الكَفُّ فَوْديه وأخدعه وتكتسي منه ريحَ الجورَبَ العَرِق
لوزير العروض (مولى طيفور).
قد صار قلبي وإن أذْواه بُعدُكم قلبَ امرئ بخلوص الود مرتهن
لو كان رأيي صحيحًا ما وثقت بكم والحبُّ يفسد رأيَ العاقل الفَطِنِ
قال المتنبي:
ولا أرى في الحبّ للعاقل
لقدامة بن موسى الجمحي:
شجاع يرى الإحْجَام كُفرًا فيتقى وسمح يرى الإفضال فرضًا فيفضل
وما يتناهى القوم في وصف مدحه ولكنني أبغي اختصارًا فأجمل
[ ١ / ٨٠ ]
قال المتنبي:
هو الشجاعُ يَعُدّ البخلَ من جُبُن وهْوَ الجوادُ يَعُدّ الجبنَ من بَخَل
ولقدامة أيضًا في هذه القصيدة يصف القلم:
وأصفَرَ يَخْفى شخصه مِنْ نحوله يداوى كما يُدْوي ويقضي فيفصل
يخب بلا رجل ويسطو بلا يَدٍ ويبكي بلا عين ويدري ويجهل
قال المتنبي ونقله إلى صفة الموت:
وما الموت إلا سارق دَقَّ شَخْصُه يصول بلا كفّ ويسعى بلا رجل
للمراغي يمدح زهير بن بلال بعد ما هجاه:
قد جمع الفضل وكم صورةٍ واحدةٍ تجمع أوصافا
يستقبل الضيف بترحيبه ويسلف السؤَّال إسعافا
قال المتنبي:
ومن اللفظ لَفْظةٌ تجمع الوص فَ وذاكَ المطَهَّمُ المعروفُ
لعثمان بن عمارة الخزيمي:
لا تطلب العزّ إلا بالحسام وذر عُذْرَ الجبانِ وما يأتي به القدر
فالمرء ما لم ينل مما يحاوله بعضَ المرادِ فصافى عيشِه كَدَرُ
قال المتنبي:
وما الحياةُ ونفسي بعدَ ما عَلِمَتْ أنّ الحياةَ كما لا تشتهي طَبَعُ
[ ١ / ٨١ ]
لرزين العروضي من قصيدة أولها:
جرت دموعي فصَدّتْني عن النظر لم أقض منها لباناتي ولا وطرى
إلى أن يقول فيها:
ولا جناح على وافٍ بذمته ما لم يخن صاحبًا في السمع والبصر
الله يعلم أنى مذ خلوت بها لم أبغ ما الذنب فيها غير مغتفر
مع اقتداري عليها ما مسست لها ثوبًا بفاحشة في النوم والسهر
قال المتنبي:
يردّ يدًا عن ثوبها وهو قادر ويعَصِى الهوى في طيفها وَهْو راقد
لإبراهيم البنديجي الكاتب في قصيدة له يمدح الحسن بن وهب، وقد مدحه كثيرًا، ثم هجاه.
أرى آل وهب في المكارم سادوا وقد فعلوا فعل الكرام وزادوا
أحاول أمرًا والقضاء يعوقه فبيني وبينَ الدهرِ فيه طِرادُ
ولولا الذي حاولتُ صعبًا مَرامُه لساعدني قوم عليه شِدَادُ
قال المتنبي:
أهم بشيء والليالي كأنها تطاردني عن كونه وأطارد
وحيد من الخلان في كل بلدة إذا عظم المطلوب قل المساعد
أبو تمام:
أيا ويل الشجيّ من الخليّ ويا للدمع من إحدى بليّ
[ ١ / ٨٢ ]
لمحة بن أبي الرعد، وقد كان ينتحل شعر ابن الرومي أيام حياته، ويتكسب به، وابن الرومي يهجوه دائمًا ويسبّه، فقال في قصيدته التي يذكر فيها حديث صاحب الزنج:
لقد عاود الجفنَ العليلَ سباتُ ونيلت من القومِ اللئامِ ترات
فساق إليه الله من آل هاشم شجاعًا له يوم الفِرار ثَبات
فجرّعه كأسًا من الموت مرّة وفي قتله للعالمين حياة
وأبو تمام والبحتري سبقا إلى هذا المعنى في قصائد كثيرة تعريضًا لا تصريحًا. وللناشئ وهو أوضح وأفصح من قصيدة:
إليكم بني العباس عنى فإنني إلى الله من ميلي إليكم لتائب
تركتم طريق الرشد بعد اتضاحه وأقصتكم عنه ظنون كواذب
سيظفر أهل الحق بالحق عاجلا وتُبعدكم سُمْر القنا والقواضِبُ
أترضون أن تُطْوَى صحائفُ عُصبة كرامٍ لهم في السابقين مراتب
ألم تعلموا أن التراثَ تراثهُم وهم أظهروا الإسلامَ والكفرُ غالبُ
فلا تذكروا منهم مثالب إنما مثالبُ قومٍ عند قوم مناقِب
قال المتنبي:
بذا قضت الأيام ما بين أهلها مصائب قوم عند قوم فوائد
لأبي جعفر محمد بن يزيد الجزري، خدم موسى بن عيسى وعاتبه ومدحه وهجاه بأبيات منها:
استغن بالعلم إن أصبحت مفتقرًا فالعلمُ ما عشتَ لا تَبْلى جلالته
وهل يذِلُّ امرؤٌ والعقلُ مَرْكَبُه أم هل يضيع فتىً والعلمُ آلته
رذيلة النفس عقلُ المرءِ يسترها كما الفضيلةُ تطويها جهالته
وهذه كلها أبيات مختارة.
[ ١ / ٨٣ ]
قال المتنبي:
فإن قليل الحب بالعقل صالح وإن كثيرَ الحبِّ بالجهل فاسد
لأبي بكر بن إبراهيم الفقيه المعروف بمكيكة صاحب أبي العيناء وإبراهيمَ بن المدبر يُعِزّي:
يا من رماه الدهرُ عن قوسِه بأسهمٍ عاقِرُها قاتل
من ذا الذي لم يُصْمِه سَهْمُه يومًا ولم ينزل به نازل
صبرًا وإن حُمِّلْت من ثقله أعباَء لا يحملها الكاهل
يستقبل العاقلُ صرْفَ الرّدى بمثل ما يستدبر الجاهل
قال المتنبي:
إذا استقبلت نفسُ الكريم مُصَابَها بخُبْثٍ ثنت فاستَدْبرتْه بِطِيب
وهذا متكلف جدَّا والأول أملح وأوضح.
لأبي بكر المعروف ببرمة النحوي يقول في أبيات له:
ولست أشكو اعتلالي في محبتكم أنا القتيل فما خوفي من العلل
وهل أؤَمّل بُرْءًا من ضنى جسدٍ تسوقه عِلَل تترى إلى الأجل
قال المتنبي:
والهجر أقتل لي ممن أراقبه أنا الغريق فما خوفي من البلل
التمثيل تمثيل الرجل لولا أنه غرق في بحر خرافته.
لبعضهم في أبيات معروفة ذكرها الأصبهاني في كتاب الأغاني من أبيات أولها:
[ ١ / ٨٤ ]
سقى الله نجدًا كلما ذكروا نجدا فذكرى لأهليها يُهَيِّجُ لي وجدا
ومنها:
وما شرقي بالماء إلا تذكرًا لبرد ثناياها وإن مُنِعَتْ وردا
قال المتنبي:
وما شرقي بالماء إلا تذكرًا لماء به أهلُ الحبيبِ نُزول
لمحمد بن عيينة بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي:
قوم يظنون الفناء بَقاءهم يوم الوغى والهُلكَ في الإحجام
والموت يجفل عن صدور جيادهم إجفال سيّقة من الأنعام
قال المتنبي:
ضَرَبْتَهُ بصدور الخيل حاملةً قومًا إذا تَلِفُوا قُدْما فقد سَلِموا
تَجَفَّل الموج عن لَبَّات خيلهم كما تَجفَّلَ تَحتَ الغارةِ النَّعَمُ
لو سمع ابن عيينة بهذا لقال:
هذه بضاعتنا ردت إلينا.
للمخيم الراسبي:
سقطت جسومهم غداة لقيتهم بعد الثبات وطارت الأرواح
والجوّ من وقع السيوفِ وحرِّها فَيْحُ الجحيم وفي القلوب أحاح
[ ١ / ٨٥ ]
قال المتنبي:
فكان أثبت ما فيهم جسومهم يسقطن حولك والأرواح تنهزم
إذا توافقت الضربات صاعدة توافقت قمم في الجو تصطدم
لمعبد بن طوق البصري وهو شاعر مجيد ذكره المرزباني في جملة الشعراء المجيدين المفحمين من قصيدة له:
دعوت بالسيف أجسامًا عصت فجرى قبل الجواب دمٌ يستصغر الدّيَما
يا من أعَدّ لتمهيد الممالك إن خَطْبٌ عرا ولصرف الدهر إن دَهِما
سيفًا بحدّيه أمرُ الملكِ منتظمٌ لا يستحيل وشكرًا يُثْبِت النِّعَما
بقيت ما شئت والأعداء فانية من قبل أن يكبروا أو يبلغوا الهرما
ومنها:
وكنت أحسب ما بيني وبينكم من الصداقة قربى توجب الذمما
قال المتنبي وقد لمح هذا البيت في قوله:
لا يأمُلُ النَّفَسَ الأقصى لمهجته فَيَسرقُ النَّفَسَ الأدنى ويغتنم
وأخذ البيت الآخر بقوله:
مقلدًا فوقَ شُكْر الله ذا شُطَب لا تُسْتدام بأمْضَى منهما النّعم
والبيت الآخر بقوله:
ألقت إليك دماءُ الرومِ طاعَتَها فَلَوْ دعوْتَ بلا ضَرْب أجابَ دمُ
والبيت الآخر بقوله:
يسابق القتلُ فيهم كلَّ حادثة فما يصيبهم موتٌ ولا هَرَمُ
[ ١ / ٨٦ ]
نصيب:
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
للمعوج الرقي:
قد أتتني من بني العب اس يوم المهرجان
خلع تثنى عليه الد هرَ من غير لسان
لم يزل من نائبات الد هر في ثوب أمان
قال المتنبي:
تُنشد أثوابُنَا مدائحَهُ بألْسُنٍ ما لهن أفواه
أبو العتاهية:
إذا اغتاظ لم يقلق وإن صال لم يحم وإن قال لم يهجر ولم يتأثّم
قال المتنبي:
وأوْحَدَتْه وما في قلبه قلقٌ وأغْضَبَتْهُ وما في لَفْظِه قَذَعُ
لأبي نُخيلة السعدي وهو الملقب بأبي الجنيد وأبي الفراس وأمه عجمية وهو راجز يمدح في أرجوزة له طويلة:
حَلَلْتَ فوق الشمس في السناء ترغب في الحمد وفي الثناء
كم قلعةٍ في صخرة صَمَّاء فتحتها بالعزم والدّهَاء
والرأي والفطنة والذكاء وصارم أمضى من القضاء
ذي شطب مَوْشِيّة خشناء تحكي مدبّ النمل في الخفاء
[ ١ / ٨٧ ]
ثم يصف الحرب فيها:
والطيرُ في الملحمة القتماء حائمةٌ عودًا على إبداء
تكاد أن تغيب في السماء كأنها كواكب الجوزاء
إذا رأت معترك الهيجاء ومصرع الأبطال في الفضاء
وكثرة القتلى لدى اللقاء هوت إلى الأرض من الهواء
تحسبها الرّجومَ في الظلماء تنهش فيها جثث الأعداء
من شدة الحرص على الغذاء وكثرة الشرب من الدماء
تكاد أن تطمع في الأحياء
وإنما جئت بهذه الأرجوزة لحسنها، ولما رأيت المتنبي سرق منها في قوله:
يُطَمّع الطيرَ فيهم طولُ أكلهم حتى تكادَ على أحيائهم تقع
وفي قوله:
من كان فوق محل الشمس موضعه فليس يرفعه شئ ولا يضع
لابن الرومي من قصيدة دالية مطولة يمدح بها صاعدًا:
بجهل كجهل السيف والسيف منتضىً وحلم كحلم السيف والسيف مغمد
قال المتنبي:
له من كريم الطبع في الحرب منتض ومن عادة الإحسان والصفح غامد
لأبى راسب البجلى، ودعبل يروى شعره. قال في قصيدته المعروفة:
ولولا انتقادُ الدهر لم يَكسْ قاسمًا جلالا ولم يسلب سواه المعاليا
[ ١ / ٨٨ ]
قال المتنبي:
ولما رأيت الدهر دون محله تيقنت أن الدهر للناس ناقد
ولأبي راسب أيضًا في قصيدته التي أولها:
بكيت فلم أطلب معينًا ومسعدًا وأنكرت ربع الدار لما تأبّدا
ولو كنت تحوى عمر من قد نهبته بسيفك في الدنيا لكنت مخلّدا
قال المتنبي:
نهبت من الأعمار ما لو حويته لهنِّئتِ الدنيا بأنك خالد
البحتري:
أرى الحلم بُؤْسَي في المعيشة للفتى وما العيش إلا ما حباك به الجهل
قال المتنبي:
أفاضل الناس أغراض لذا الزمن يخلو من الهم أخلاقهم من الفطن
لبعضهم:
ويبتسمون عن البارقات إذا المرء عن ناجذيه أبتسم
ويحتلمون بفتح البلاد إذا غيرهم بالنساء أحتلم
[ ١ / ٨٩ ]
قال المتنبي:
قوم بلوغ الغلام عندهم طَعْنُ نحورِ الكماةِ لا الحُلُم
لمبشر بن هذيل الفزاري من قصيدة له:
إني امرؤ ليس يثني عزمتي فشل عما أؤمل فيه النصر والظفرا
أسرى بليل كأني السرّ يكتمني ظلامه فإذا أصبحت قد جهرا
قال المتنبي:
وكنتُ إذا يممتُ أرضًا بعيدة سَرَيْتُ فكنتُ السرَّ والليلُ كاتمه
المعوّج الرقي:
يا من به تمت المعالي وما له في الجلال ندّ
أيامه كالربيع حسنًا لو أن زهر الربيع ورد
قال المتنبي:
لو كنت عَصْرًا مُنْبتًا زَهَرًا كنتَ الربيعَ وكانت الوَرْدا
أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مسلم الأنصاري:
يا قاتَلَ اللهُ قومًا عن مساءتهم نمنا فما غفلوا عنا ولا ناموا
[ ١ / ٩٠ ]
وليلة سَتَرَتْ سِرّى حنادسُها حتى افترقنا وضوءُ الصبح نمّامُ
صدّت فأذرت دموعًا وهى منشدة ويلي على العمر إن العمر أحلام
قال المتنبي:
أزورهم وسواد الليل يشفع لي وانثنى وبياض الصبح يغري بي
الخبزأرزي:
كم جاهل وادع في عيشه فرح وعاقل شفّه الإقتار والتعب
يرى الغنى عند قوم لا غَنَاء لهم والجَدُّ ينفرُ ممن عنده الأدب
دعبل:
وقد علمتُ وما لي ما أعيش به أن التي أدركتني حرفة الأدب
الحمدوني:
إن المقدّم في علم بصنعته أنّى توجّه منها فهو محروم
قال المتنبي:
وما الجمع بين الماء والنار في يدي بأصعب من أن أجمع الجدّ وألفهما
للعوني:
كم هموم كشفتها بكلام مؤيس مطمع له أشياع
وخطاب لو كان شتمًا صريحًا ما نبت عن سماعه الأسماع
المتنبي:
وأسمع من ألفاظِه اللُّغَةَ التي يَلَذُّ بها سمعي وإن ضُمّنَتْ شَتْمي
[ ١ / ٩١ ]
بشار بن برد من قصيدته المشهورة التي تقدمت:
إذا ما اجتداه مُجْتدٍ قلت ما له شقي ثمود ريع من صيحة البكر
للمستهل بن الكميت الأسدي:
يَرَى البحرُ بحرًا من عطاياه مُزْبِدًا فيعجب من آذيّه المتدفق
وينعب في أمواله جود كَفّه نعيب غراب البين يوم التفرق
قال المتنبي:
مالٌ كأنّ غرابَ البين يرقُبُه فكلما قيل هذا مجتَد نَعَبا
أبو العتاهية:
شيم فتحت من المجد ما قد كان مستغلقًا على المُدّاح
قال المتنبي:
وعلّموا الناس منك الجود واقتدروا على دقيق المعاني من معانيكا
أبو تمام:
أحدّ اللفظ ينطق عن سواه فيُفْهم وهو ليس بذي سماع
المتنبي:
يمجُّ ظلامًا في نهارٍ لسانُه ويُفْهم عمن قال ما ليس يَسْمَع
الحسن بن مالك مؤدب العباس بن المأمون (وهو أبو العالية الشامي):
أنارت بك الأوقات حتى تبسمت ورقت حواشيها وطاب نسيمها
فخذ ما صفا منها وعش في سعادة فليس بباق لهوها ونعيمها
المتنبي:
أنْعَمْ ولَذَّ فللأمور أواخرٌ أبدًا إذا كانت لهن أوائل
[ ١ / ٩٢ ]
وقال أيضًا:
لقد حسنت بك الأيام حتى كأنك في فم الدهر ابتسام
أبو العتاهية:
إن المطايا تشتكيك لأنها قطعت إليك سباسبًا وقفارا
المتنبي:
قُصدتَ من شرقها ومغربها حتى اشتكَتْك الركاب والسُّبل
أبو تمام:
يوم أفاضَ جوىً أغاض تعزّيًا خاض الهوى بحري حجاه المزبد
المتنبي:
وكلما فاض دمعي غاض مُصْطبري كأنّ ما فاض من جفنيّ من جلدي
وللحسن بن داود الجعفري في هذا المعنى وهو أطبع وأملح:
جرت عبرتي فاستجرت الصبر والأسى ففاضا جميعًا وأشتكى خَطْبَها القلب
سأبكى ولو أبكي دماء لأن لي لهيبَ جوىً بين الجوانح لا يخبو
سعيد الخطيب كان في أيام المعتصم مطبوع الشعر:
تسرى بنا أرحبيات مذللة مثلُ القداح سليماتٌ من العلل
يطوين كل فلاة لا أنيس بها طيّ الليالي مع الأيام للأجل
[ ١ / ٩٣ ]
قال المتنبي:
من بَنَات الجديلِ تمشى بنا في ال بيد مَشْىَ الأيام في الآجال
لجرير:
إن كان شأنُكم الدلالَ فإنه حَسَنٌ دلالُكِ يا أميم جميلُ
قال المتنبي:
وأرى تدلّكِ الكثيرَ مُحَبَّبا وأرى قليل تَدَلُّلٍ مملولا
للسيد الحميري:
وعصبة فتشت عني وعن حسبي فزادها حسَدًا بحثٌ وتفتيشُ
تخفى على أغبياءِ النّاس مَعْرفتي أنّي النهار وهم فيه الخفافيش
قال المتنبي:
وإذا خفيت على الغبيّ فعاذر ألاّ تراني مقلة عمياء
قيس بن ذريح:
فما هو إلا أن أراها فجاءة فأسكت حتى ما أكاد أجيب
لغيره:
وإذا بدا منع الشكاية حبُّه وبقيت منقطعًا كأني أبكم
[ ١ / ٩٤ ]
المتنبي:
الحب ما منع الكلام الألسنا
وأما قوله: وألذّ شكوى عاشق ما أعلنا. فمن قول أبى نواس:
ولا خير في اللّذّاتِ من دونها سِتْر
ابن الرومي:
لا تغفلوا عن أعاديكم فإن لهم ظلمًا يبين لكم في القول والعمل
وما الرسائل في الأعداء مغنية عن السيوف وأطراف القنا الذبل
قال المتنبي:
وهل تغنى الرسائل في عدو إذا ما لم يَكُنّ ظُبًا رِقاقا
العطوي:
وإني امتحنت الناسَ طرًّا فعِفْتهم مَوَدّتُهم ممزوجةٌ بنفاق
فما وثقت نفسي بهم وتركتهم وما فيهم مجني وطيبُ مذاق
الخبزأرزي من قصيدة له:
لا يخدعنك فودُه خدع ومذهبه نفاق
ما إن تظل على كذو ب مثلِه السبعُ الطِّباق
[ ١ / ٩٥ ]
قال المتنبي:
إذا ما الناس جرّبهم لبيب فإني قد أكلتُهمُ وذَاقا
فلم أر وُدَّهم إلا خداعًا ولم أرَدِينَهم إلا نفاقا
العوني من قصيدة له:
يا صاحبيَّ بَعُدتما فتركتما قلبي رهينَ صبَابةٍ وتَصَابى
أبكى وفاَءكما وعهدَكما كما يبكى المحبّ مَعاهِد الأحباب
المتنبي في أول بيت من السيفيات:
وفاؤكما كالربع أشجاه طاسِمُه بأن تُسْعِدا والدمعُ أشفاهُ ساجِمه
والله لو أوقد الإنسان ألف شمعة ليستضئ بنورها إلى استنباط غوامض هذا البيت
مع قلة الفائدة فيه لصعب عليه، وهو معنى بيت العوني محمود بن الحسين الوراق الكوفي من قصيدة:
سيد طالَ وما في وَعْدِه الصّادقِ طولُ
وله في الجود والمج دِ فروعٌ وأصولُ
سئمته البيض والسم ر وملّته الخيول
فهو للأهوال في الحر ب إذا اشتد حَمُول
جابر بن أحمد الشعباني، كان في أيام المعتصم يصف فرسًا:
وأغرّ إلا أن باقي جسمه أمسى بسربَالِ الدُّجى مُتَقَمّصا
يمشى ويمرح في اللجام كأنه نشوانُ أطْرِب فاشتهى أن يرقصا
قال المتنبي:
طربت مراكبنا فخلنا أنها لولا حياءٌ عاقَها رَقَصَتْ بِنَا
[ ١ / ٩٦ ]
أبو نواس:
فأجابني والسكر يُفْسِدِ نُطْقَهُ بتلجلج كتلجلج الفأفاء
قال المتنبي:
يَتعثّرن بالرءوسِ كما مَرَّ بتاءاتِ نُطْقه التمتام
للعوني من قصيدة له في أهل البيت رضي الله تعالى عنهم:
ألا مُسعِدٌ يَبْكى بشَجْوي فأنني لَمُسْتعذِبٌ مَاَء البكاء ومُسْتحلي
أحِبّ ابن بنتِ المصطفى وأزورُه زيارةَ مهجورٍ يحنُّ إلى الوصل
وما قدمي في سعيها نحو قبره بأفضل منها رتبة مركز العقل
قال المتنبي:
خير أعضائنا الرءوسُ ولكن فضلتها بقصدك الأقدام
البحتري:
أغتنم فرصة من الدهر وأطرب ليس شيء من الجديدين باق
وزمان السرور يمضى سريعًا مثلَ طيبِ العِنَاق عند الفراق
قال المتنبي:
للهو آونة تمر كأنها قُبَلٌ يزوّدها حبيب راحل
المنصور النمري:
رضيت بأيام المشيب وإن مضى شبابي حميدًا والكريمُ ألوفُ
ولست أعاف الموتَ إن جاء زائرًا وربّي لطيف بالعباد رءوفُ
قال المتنبي:
خلقت ألوفًا لو رحلت إلى الصبى لفارقت شيبي موجع القلب باكيا
[ ١ / ٩٧ ]
الميّاس العابدي واسمه مهر بن النعم مخضرم:
ويومَ القادسية قد دعتنا إلى تبديد شَمْلِهم دَوَاع
لقيناهم ونحن على عِتَاق تُجاري الريحَ حبًّا للقِراع
تجاذبنا الأعنة وهى تجري كأنا قابضون على أفَاع
فحكّمنا الأسنة في طُلاهم وكايلناهم صاعًا بصاع
فلما أن ملكناهم عفونا وحسنُ العفوِ في كرم الطباع
وأبنا غانمين وليس يَحْظَى بما يرتاد ذو حزم مضاع
وإنما جئت بأكثر هذه الأبيات لحسنها.
قال المتنبي:
تُجاذِبُ فُرسَانَ الصّباحِ أعنّةً كأن على الأعْنَاقِ منها أفاعيا
ولا أقول إلا (من سَلّ سيفَ البغي قُتِلَ به).
لعبيد الله بن طاهر رحمه الله تعالى:
إن الفتوح على قدر الملوك وهمّ اتِ الوُلاةِ وإقدامِ المقَاديم
لسليمان بن عيسى الكوفي:
وليس يَقْنَع ذو فضلٍ بمنْزلَة حقيرةٍ ولأهل الفضل أقْدار
[ ١ / ٩٨ ]
ولعلي بن أمية الكاتب:
ولقد شُغِفْتَ ببذل ما لِك في المفاخر والمغارم
شغف الأفاضل بالفضا ئل والأكارم بالمكارم
قال المتنبي:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم
البحتري:
تَعْنو له وزراءُ الملك خاضعةً وعادةُ السيفِ أن يَسْتَخدِم القَلَما
ابن الرومي وقد قلب المعنى وأجاد:
كذا قضى الله للأقلام مذ خلقت أنّ السيوفَ لها مذ أرْهِفَتْ خدم
قال المتنبي وعكس المعنى:
حتى رَجَعت وأقلامي قَوَائلُ لي المجد للسيف ليس المجد للقلم
أكْتب بنا أبدًا بعدَ الكتابِ به فإنما نحن للأسيافِ كالخدم
وهذا النسخ لا السلخ:
البحتري:
أضرّت بضوء البدر والبدر طالع وقامت مقام البدر لما تغيّبا
الخبزأرزي:
وما حاجة الركب السراة إذا بدا لهم وجهُهُ ليلا إلى طَلْعَة البدر
قال المتنبي:
وما حاجةُ الأظعانِ حولَكَ في الدجى إلى قمرٍ ما واجدٌ لك عادمه
لقد تكلف وتعسف.
[ ١ / ٩٩ ]
لعمران بن حطان:
أنكرت بعدك من قد كنت أعرفه ما الناس بعدك يا مرداس بالناس
قال المتنبي:
إنما الناس حيث أنت وما النا س بناس في موضعٍ منك خال
بُكم الخرس أحسن من هذا النطق.
للعلوي الحمّاني:
أُعْدُد ثلاثَ خلالٍ قد جُمِعْنَ له هل سبّ من أحد أم سُب أو بخلا
لأبي عيينة المهلبي:
مُغْرىً بكسب المكرما ت وابتناء المجد طَبّ
ما إن يَذُم ولا يُذَ مّ ولا يَسُبّ ولا يُسبّ
قال المتنبي:
ولكن نفاها عنه غير كريمة كريم الثنا ما سَب قط ولا سُبّا
لبشار بن برد:
لا الطير تلقط حبًّا في سباسبها ولا تهب السوافي في أقاصيها
قال المتنبي:
تَصُدُّ الرياحُ الهوجُ عنها مخافةً وتفزَع منها الطيرُ أن تَلْقُطَ الحبّا
أبو تمام:
حَلّمتني زَعمْتُمُ وأراني قبلَ هذا التَّحليم كنتُ حليما
[ ١ / ١٠٠ ]
محمد بن الفضل الجرجراي الكاتب:
أدينُ بالله لا أبْغي به بدلا ومذهبي العدلُ والإفضالُ والجودُ
لا الحلم فيّ بديع أنني حدث الحلم في الشيب والشبان موجود
قال المتنبي:
فما الحداثةُ من حِلْم بمانِعَةٍ قد يوجدُ الحلم في الشُّبان والشيب
لعلي بن جبلة:
قمر نَمّ عليه نورُه كيف يُخِفى الليلُ بدرًا طلعا
الشعباني:
وإذا فزعتَ من الرّقيب فلا تَزُر فالبدر يفضح كلَّ ليلٍ مُظْلم
قال المتنبي:
أمن ازديارَكِ في الدجى الرُّقباء إذ حيثُ كنتِ من الظلام ضياءُ
أبو تمام:
مقيمُ الظنّ عندَكَ والأماني وإن قَلِقَتْ ركابي في البلاد
قال المتنبي:
وأني عنك بعد غد لغادٍ وقلبي عن فنائك غير غاد
[ ١ / ١٠١ ]
أبو تمام:
وما سافرت في الآفاق إلا ومن جدواك راحلتي وزادي
المتنبي:
محبّك حيث ما اتجهت ركابي وضيفك حيث كنتُ من البلاد
هذان البيتان يناديان في البوادي، ويستغيثان من المتنبي:
قال البحتري:
ولم أرَ في رَنْق الصَّرى لي موردا فحاولْتُ وِرْدَ النيلِ عند احتفاله
وللكسروي:
وما أنا تاركٌ بحرًا نميرا وأطمعُ في الجداول والسّواقي
إذًا لجحدتُ ما أوْليتَنِيه من النُّعمى ومُتُّ على النفاق
للعطوى:
أأمتاحُ من بئرٍ قليلٍ معينُها وأقعدُ عن بحرٍ زُلالٍ مشاربُه
قال المتنبي:
قواصدَ كافورٍ تواركَ غيره ومَنْ قَصَد البحرَ استقَلّ السواقيا
لأبي حويه السكسكي:
ألا فاصطنعني وأطّرح كل مدّعٍ يَبِن لك من يَشْأء ومن يتأخّر
أنا السيف إن جرّدتَه لضريبةٍ تبيَّن منه في الغِرَارين جوهر
[ ١ / ١٠٢ ]
قال المتنبي:
وكن في اصطناعي مُحسِنًا كمجَرّبٍ يَبِنْ لك تقريبُ الجوادِ وشَدُّه
وما الصارمُ الهنديُّ إلا كَغيْره إذا لم يُفارقْه النجادُ وغِمْده
للهرمزي من قصيدة يمدح بها أبا الحسن عبيد الله بن يحيى يقول فيها:
يبكى السحابُ إذا ابتسمت فلا ترى إلا ثَرىً يَندى وأرضًا تُخْصِب
(لبعضهم):
إذا ما رأيت ابتسامَ الأميرِ في الجدبِ فأبشر بصَوبِ المطر
قال المتنبي في تهنئة سيف الدولة ببرء من علة لحقته:
وَلاَحَ برقُكَ لي من عارِضَيْ مَلِكٍ ما يَسْقط الغَيثُ إلا حيثُ يَبْتَسِم
وهذا لمح منه:
تَبُلُّ خَدَّيَّ كلما ابتسمت من مَطَرٍ برقُه ثناياها
لمحمد بن يحيى الأسدي يمدح ابن نوبخت عامل الخراج بكسكر يقول من قصيدة فيه:
لا انْقَضَى عمرُكَ يا مَنْ ما لجَدْواه انقِضَاءُ
أنت في الدهر ربيعٌ لم يعاقبه شتاء
عش كما تهوى وللأع داء لا كانوا الفناءُ
[ ١ / ١٠٣ ]
قال المتنبي:
ما ينقضي لك في أيامه كَرَمٌ ولا انقضى لك في أعوامه عُمُرُ
ما الدهر عندك إلا روضةٌ أنُفٌ يا من شمائله في دهره زَهَرُ
ومن كان له طبع صقيل عرف الفرق بين الطبعين.
ليحيى بن هلال العبدي يمدح الرشيد، من قصيدة:
حجب النقع أعين الخيل عنهم فهمُ من ثباتها في أمان
ضل فيها الدليل من هبوة القس طل لا يهتدي إلى النيران
قال المتنبي:
وأنّى اهتدى هذا الرسولُ بأرضه وما سكَنَتْ مُذْ سِرتَ فيها القساطل
لدعبل بن علي:
ولما وردنا ماء بيشة لم يكن تَكَدّرَ إلا من دماء الترائب
سقينا عتاق الخيل منه فلم تذق سوى مذقة لم تُرْوِ غُلّة شارب
للناشئ بن الحسن يرثى أهل البيت ﵈:
منعوا الماء والخنازيرُ تُروى منه لم يرحموا بكاَء النساء
كيف نسقى من الفراتِ جيادًا ماؤه شِيبَ منهمُ بالدماء
[ ١ / ١٠٤ ]
قال المتنبي:
ومن أيّ ماء كان يَسْقِى جيادَهُ ولم تَصْفُ من مَزْج الدماء المناهل
لإسحاق بن سماعة المعيطي الرقي شاعر مبدع من قصيدة له:
لما أتاك أتاه الجبن وانفصلت منه المفاصل ذعرًا والتوى العنق
فكان أقصرَ ما في نفسِه أملٌ وكان أصغرَ ما في رأسه الحَدَق
قال المتنبي:
أتاك كأنّ الرأس يجحَدُ عُنْقَه وتنْقَدُّ تحت الذُّعرِ منه المفاصل
ولو سمع إسحاق هذا لقال: هذه بضاعتنا ردت إلينا.
لجهم بن عوف من قصيدة:
ودوّيَّة ما إن يطيرُ بها القطا ولا يعرف الأقطارَ منها عُقَابها
تعشّقتها والليل كُدْرٌ نجومه وضاقت على الخرّيت فيها رحابها
على شُزَّب قبّ البطون كأنما يلين لها بين الفيافي صعابها
فما تغتذي غير الرياح وطالما كفاها عن الماء الزلال سرابها
ومنها:
فَزَارةُ لما أبصرتك تخاذلت جماجمها ذلا وذلت رقابها
ولولاك لم تصغر كبار نفوسها ولم يخل من سُودِ الضراغم غابها
والقصيدة طويلة، اقتصرت على هذا القدر لما تعلق منها بأبيات المتنبي.
[ ١ / ١٠٥ ]
قال عفا الله عنه:
إذا ما سرتَ في آثار قوم تخاذَلَتِ الجماجمُ والرقابُ
وخيلا تغتذي رِيحَ الموامي ويَكْفِيها من الماءِ السَّراب
ومثل هذا الأخذ ينبئ عن افتضاحه.
لعلي بن عاصم الأصفهاني الكسروي:
قارَعْتَ دهرَك فاسترجعت ما عَصَبت أيامُه وأعدْت الملكَ منتظما
وإن أرضًا من الأنْواءِ قد نَهِلَتْ عَلّلْتها من رءوس الجاحدين دما
ولجعد الرقاشي (أحد الشُّراة):
وأعجبُ من أرضٍ سقاها حسامُه ولم تُرْو يومًا من عزالي السحائب
قال المتنبي:
سقتها الغمامُ الغرُّ قبلَ نزولِه فلما دنا منها سَقَتْها الجماجم
طريدةُ دهرٍ ساقها فَرَدَدْتَها على الدين بالخَطّىّ والدهرُ راغمُ
وهذا المعنى متداول، قد تصرف فيه الشعراء، فأكثروا.
إبراهيم بن عيسى من دير قطني، كاتب مليح الشعر يقول من أبيات له يعاتب:
[ ١ / ١٠٦ ]
يا وارثَ المجد التلي د وبنَى الكرم الأصيل
ما لي أراك قَبِلت أق والَ الوُشَاة بلا دليل
صدّقتهم في كل ما خلقوه من قال وقيل
ونظرت نحوي نظرةً دلّتْ على رأىٍ عليل
قد كنتُ أحسَبُ أنّني أحظى بنائلك الجزيل
حتى رأيتُ وسائلي خَلَقت وضاعت في السبيل
فعلمت أنى قد غلط ت وتهتُ في خطب طويل
ولقد أتيتك آنفًا أرجوك في أمر قليل
أنْصِف فإنك منصف إلا لخادمك الذليل
إمّا إزاحةُ عِلَّةٍ فيها الشفاء من الغليل
أم لا فَقُوتٌ ما أعي شُ يصونُ وجهي عن بخيل
أم لا فَإذْنٌ استَق لُّ به على وجه جميل
من لم يعنك على المُقَا م فقد أعان على الرحيل
وإذا تأملت هذه الأبيات علمت أن المتنبي لمح جميعها وسلخ البيت الأخير منها في قوله:
إذا ترحَّلْت عن قوم وقد قَدَروا ألا تفارقهم فالراحلون هم
للعبدي من أبيات قليلة له:
جلستَ فقامَ الدهرُ فيما تريده ونمتَ عن الأشْغال والجَدُّ ساهر
وأنت لأرباب المكارم كُلِّهم إمامٌ وإن غابوا فإنك حاضر
المتنبي:
ودانت له الدنيا فأصبح جالسًا وأيامُه فيما يريد قيام
وكل أناس يتبعون إمامهم وأنت لأهل المكرمات إمام
[ ١ / ١٠٧ ]
أترى يخفى على النساء دون الرجال هذا وما يجرى مجراه سرقة؟ فما معنى أصحابه يدّعون التوارد؟ لولا المكابرة والجحود.
أبو خلد محمد بن المهلب بن المغيرة المهلبي يعاتب صاحبًا له:
أصْفيه وُدّي باختيا ري وهو يصحبني اضطرارا
وإذا جني أظهرتُ لي منه احتجاجًا واعتذارا
ومن العجائب أن أصا دِقَ من يعاديني جهارا
أبو العتاهية:
وإذا صفا ودّي له زادتْ مودتُه كدوره
فكأنما مات الوفا ءُ فلست مرتجيًا نُشُورَه
والحُرّ يُظْهر للعد وّ صَدَاقةً عند الضروره
أبو نواس
إذا أمتحن الدنيا لبيب تكشفت له عن عدوّ في ثياب صديق
قال المتنبي:
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى عدوًّا له ما من صداقته بدّ
مثقال الواسطي صاحب ابن الرومي من قصيدة له يعزى ابن أبي طاهر:
إذا ما صفا مجدُ الكريم من القَذى أتاه الرَّدى من حيثُ يدرى ولا يدرى
تَسَلَّ بفكرٍ في النبيين واعتبر بهم واستعن عند المصيبة بالصبر
أبو تمام:
بنات نعشٍ ونعشٌ لا كسوف لها والشمسُ والبدرُ منه الدهرَ في الرقم
والحادثات عدو الأكرمين فما تعتامُ إلا امرأً يشفى من القرم
[ ١ / ١٠٨ ]
قال المتنبي:
كأنَّ الردى عَادٍ على كلّ ماجدٍ إذا لم يعوّذْ مجدَه بعيوب
تَسَلَّ بفكرٍ في أبيك فإنما بَكَيْتَ فكان الضِحْك بعد قريبِ
عبيد الله بن محمد الرقي المكنى بابن حُمران يعزى صديقًا له:
صِينَتْ ظهورُ مطاياه لغَيْبَته فليس يركبُها من بعده أحدُ
من يصحبِ الدهرَ لم يأمن تقلُّبه يعيش حيران حتى يَنْفَدَ الأمد
قال المتنبي:
نزلنا عن الأكْوار نمشى كرامَةً لمن بان عنا أن نُلمّ به ركبا
ومن صحب الدنيا طويلا تقلبت على عينه حتى يرى صدقها كذبا
عبد الله بن سلام:
تذكرتُ أيامَ الوصالِ فلم أجد لها لذّة إذْ طارَ عنى غُرابها
وكانَتْ أيادي الدهرِ عندي حميدةً لألفَتنا حتى تبدّى انقضابها
قال المتنبي وقد لمح البيت الأول:
ذكرتُ به وصلا كأنْ لَمْ أفُزْ به وعيشًا كأني كنتُ أقطَعُه وثبا
[ ١ / ١٠٩ ]
ولمح البيت الثاني فقال:
ولولا أيادي الدهر في الجمع بيننا غفلنا فلم نشعر له بذنوبِ
مثقال الواسطي من قصيدة له:
وجيش تَزَعْزَع منه الجبال وتهتزّ كالغُصُنِ الناعم
ترى الشمسَ يحجبها نقْعُه فتبرزُ في مِدْرَع قاتم
قال المتنبي:
وجيشٌ يُثَنّى كلَّ طَوْدٍ كأنه خَريقُ رياحٍ واجَهَتْ غُصُنَا رَطْبا
كأنّ نجومَ الليل خافَتْ مُغَارَه فَمدَّتْ عليها في عَجاجَته حُجْبا
أبو عمرو محمد بن العمراوي البصري يقول في عبيد الله بن يحيى:
وما بلد في الأرض ناءٍ مرامه على الناسِ إن حاولته ببعيد
وهبتَ فما أبقيتَ في الأرض سائلا وحُزْتَ ثناءً لم يكن بزهيد
قال المتنبي:
وكاتَبَ من أرض بعيدٍ مَرامُها قريبٍ على خيل حوالَيْك سُبَّقِ
ولمح البيت الآخر فقال:
لقد جُدْتَ حتى جدت في كل مِلّةٍ وحتى أتاك الحمدُ من كل منطق
[ ١ / ١١٠ ]
وترديده جدت وجدت ومنطق غث جدًّا.
إسماعيل بن محمد الراذاني من أهل جرجان يمدح الحسن بن وهب:
كأنما الناس مخلوقون من ظُلَم وأنت وحدك مخلوق من النور
تهتزّ كالغصن عندَ الجودِ من طَربٍ وتستعين بقلب غير مذعور
المتنبي:
فلو خُلقَ الناس من دهرهم لكانوا الظلامَ وكنتَ النهارا
أشدهُمُ في ندىً هِزّةً وأبعدُهم في عدُوّ مُغارا
وأبيات الجرجاني مع سخافتها أسلم من أبيات المتنبي لتركه الإطباق فيها.
أبو عبد الله أحمد بن محمد الجهمي شاعر خبيث اللسان، كان في أيام المتوكل يقول:
قلعت قلاعًا لو طلبت رجالها لألْقتهم طُرًّا إليك بلا عهد
ولما رآك الناسُ وحدَكَ أيقنوا بأنك بين الخلق واسطةُ العقد
فهانوا ولانوا واستكانوا وأشرفوا على خطة تُوهي صفا الحازم الجلد
قال المتنبي ولمح هذه القصيدة:
تَمَلّ الحصونُ الشمُّ طولَ نزالنا فَتُلقى إلينا أهلها وتزول
ولما وحدَه قبل جيشِه دَرَوْا أن كلَّ العالمين فُضُول
أبو جعفر محمد بن بشر الحميري:
وليس ينال المجد غيرُ ابن حُرَّة فَتىً لا يبالي بالمنايا وبالقتل
[ ١ / ١١١ ]
إذا الناس سادوا باتفاق فإنما تَحَمَّلْتَ أعباَء السيادةِ بالفضل
قال المتنبي:
فإن تكنِ الدَّوْلاتُ قِسْمًا فإنها لمن وَرَدَ الموتَ الزؤامَ تَدُول
لِمنْ هَوَّنَ الدنيا على النفس ساعةً وللبِيضِ في هَامِ الكُمَاة صليل
لأبي السمراء الغساني نديم عبد الله بن طاهر من قصيدة له:
هو البحر إلا أنه ليس يُتَّقى حصاهُ كبارُ الدُّرِ مشرَبُه عذب
هو الدهر إلا أن في صرفه الغِنَى وفي حكمه الإنصافُ والبشرُ والرُّحبُ
قال المتنبي:
ومن كنتَ بحرًا له يا عليُّ لم يقبَلِ الدرَّ إلا كبارا
وهو بيت عاميّ متكلف جدًّا.
أبو أيوب سليمان بن عبد الله بن طاهر وهو أديب شاعر يقول:
يا طبيبًا لكل داءٍ وسُقْمٍ كيف تشكو الأدواء والأسقاما
أترى ما ملِلْت خوضَ المنايا كلَّ يوم أو ما تريد جمَاما
لست تعتدّ من حياتك يومًا لم تُثِر فيه للقتال قَتَاما
قال المتنبي:
وكيف تُعِلُّك الدنيا بشيءٍ وأنت لعلّة الدنيا طبيبُ
مللت مُقَامَ يوم ليسَ فيه طِعانٌ صادقٌ ودمٌ صَبيبُ
وما بك غيرُ حبكَ أن تراها وعثيرهَا لأرْجُلها جَنِيبُ
[ ١ / ١١٢ ]
وللهرمزي صاحب يمدح الحسن بن مخلد من قصيدة له:
قالوا أشتكيتَ فقلتُ عُوفى من به تؤْسَى الكُلوم وَيُجْيَرُ المنهاضُ
عمت سلامتُك الكرامَ وكلَّ من يهوى بقاَءكَ واللئامُ مراضُ
وله أيضًا في علي بن يحيى:
سقم المجد مذ سقمت ويَبْرَا حين تَبْرا وبالأعادي السَّقام
وإذا ما سلمتَ فالناسُ طرًّا سَلِموا مثل ما سلمت وقاموا
قال المتنبي:
المجد عوفي إذ عوفيت والكرم وزال عنك إلى أعدائك الألم
أبو إسحاق إبراهيم بن سيار النّظام البصري، وهو شاعر رقيق الشعر يقول:
فلا تبغ أمرًا لست مضطلعًا به فينقَضّ منه أولَ الأمر آخرُه
ومن يتكلفْ ما يخالفُ طبعه يَبِنْ عجزه فيه وتعْمى بصائره
قال المتنبي:
وأسرع مفعول فعلت تغيّرًا تكلف شيء في طباعك ضده
[ ١ / ١١٣ ]
أبو تمام من قصيدة له:
هنّ البحاري يا بجير أهدى لها الأبؤسَ الغويرُ
في عصبة إن سرت فجنّ أو يممت شقة فَطيرُ
قال المتنبي:
نحن ركب مِلْجِنّ في زيّ ناس فَوقَ طير لها شخوصُ الجِمَال
مثقال الواسطي صاحب ابن الرومي:
أكنتَ حَسِبْتَني يوم القتالِ ضعيفَ القلبِ أن دُعيَتْ نَزَالِ
وفيها:
أبِيتُ وهمتي فوقَ الثريَّا عديمَ المثل في شَرفِ الفعال
ولَستُ أُسئ بالأيام ظَنّي إذا أصبحت محمود الخصَال
قال المتنبي:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه وصدّق ما يعتاده من توهم
أبو تمام:
إذا أنا لم ألمْ عثراتِ دهرٍ أُصبْتُ به الغداة فمن ألوم
قال المتنبي:
إذا أتت الإساءةُ من وضيعٍ ولم ألُمِ المسيَء فمنْ ألوم
قد أخذ الوزن والمعنى جميعًا، وأصحابه يسمون هذا التوارد.
[ ١ / ١١٤ ]
لسعيد الخطيب.
وما كنت أدرى أن في كفّكَ الغنى وأنك قد أصبحت للمجد عنصرا
وقد كنتُ في ليلٍ من الشكّ مظلم إلى أن بدا صبحُ اليقين فأسفرا
تبرعتَ بالأموالِ في غير كُلْفةً وحزتَ بها عنى الثناء المحبَّرا
قال المتنبي:
وعادَى محبّيه بقولِ عُداته وأصبح في ليل من الشك مظلم
البحتري يقول من قصيدة له معروفة:
وأكون طورًا مشرقًا للمشرق ال أقصى وطورًا مغربًا للمغرب
المستهل بن الكميت من قصيدة له:
وإني وإن أُلبسْتُ ثوبَ خصاصة فلستُ لعمري للبخيل بمادح
ومن رام مدحَ الباخلين فإنه ضعيفُ أساس العقل بادي القبائح
نصحتك لا تكرم عدوًّا ولا تُهِن صديقًا لك الخيراتُ فأقبل نصائحي
وما أرَبى في العيش لولا محبتي لنفع محبّ أو مَضَرّةِ كاشح
قال المتنبي:
لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها سرورَ محبٍّ أو مساءة مجرم
ترك الإطباق وأفسد.
لمنصور الفقيه:
لو أن ما فيه من جود تقسَّمَه أولادُ آدمَ عادوا كلهم سمحا
للقاسم بن محمد بن عبد الله النميري المكنّى بأبى الطيب نديم المعتز:
[ ١ / ١١٥ ]
ملكٌ أبْرَأ بالإن عام أجسامًا عليله
وشفى من كل ضدٍّ لا يُواليه غليلَه
لو كما فرّق في النا سِ عطاياه الجزيله
فرّق الجود لما غا دَرَ ذا نفس بخيله
قال المتنبي:
لو فرّق الكرمَ المفرِّقَ مالَه في الناس لم يكُ في الأنامِ شحيحُ
أبو الحسن ابن بنت الحارثي، هو شاعر ظريف، يمدح محمد بن عبد الله بن طاهر:
إني امرؤٌ لا أبالي بالخطوب ولا أخاف من صَرْفِ دهري الحرَب والحَرَبا
عزمي يرى أبعد الأشياء أقربها إليه إن رامه بالجدّ أو طلبا
قال المتنبي:
إذا فَلَّ عزمي عن هوى خوفُ بعدِه فأبعدُ شئٍ ممكنٌ لم يجد عزما
للمعوج الرقي:
بنفسي زائرٌ في غير وَعْدٍ يواصلني اختيارًا لا اضطرارا
خلوت به أقبله وأبكي وأشرب من ثناياه عُقارا
فأسْبَلَ دمعه خجلا وولّى وصار شقيقُ خدّيه بَهَارا
قال المتنبي:
وقد صارت الأجفانُ قَرْحَى من البكا وصار بَهارًا في الخدود الشقائِقُ
هشام بن إبراهيم الكرماني، وله مع عبد الصمد بن المعذل أخبار وهو الذي يقول:
ولي في غنى نفسي مُرادٌ ومذهبٌ إذا انصرفَتْ عنى وجوه المذاهب
[ ١ / ١١٦ ]
إذا كنت تدري أن عمرَك ذاهبٌ فلا تَنِ يومًا عن طلاب المراتب
وأيقن بأن العزَّ صعبٌ مرامُه وأنّ العُلا بينَ القَنَا والقواضِبِ
قال المتنبي:
ذر النفس تأخذْ وُسْعَها قبل بَيْنِها فمفترقٌ جاران دَارُهما العُمْر
البحتري:
إذا ما الجرح رُمّ على فساد تببّن فيه تفريط الطبيب
قال المتنبي:
فإن الجرح يَنْفِرُ بعد حينٍ إذا كان البناء على فساد
أبو العتاهية:
يا جامع المال والآمال تخدعه خوفًا من الفقر هذا الفقر والعدم
أسأت ظنك بالله الذي خضعت له الرقاب فشابَتْ قلبَكَ الظلم
ابن الرومي:
ومن راح ذا فقر وبخلٍ فإنه فقيرٌ أتاه الفقرُ من كل جانب
قال المتنبي:
ومن ينفِقِ الساعات في جمع ماله مخافةَ فقرٍ فالذي فعلَ الفقرُ
أحمد بن بهران الكاتب:
أتاني كتاب منك فيه بلاغةٌ يعظمها عجبًا بها كُلُّ كاتب
معانٍ كأخلاق الكرام حميدةٌ صحاحٌ وألفاظٌ كزُهر الكواكب
[ ١ / ١١٧ ]
قال المتنبي:
كأن المعاني في فصاحةِ لفظها نجومُ الثريا أو خلائِقك الزهرُ
لعبيد الله بن طاهر رحمه الله تعالى:
قد بلوناه مرة بعد أخرى فوجدناهُ صالحَ الآثار
واختبرنا منه خلائق زُهْرًا صغرت ما أتَى على الأخبار
قال المتنبي:
واستكبر الأخبار قبل لقائه فلما التقينا صغر الخبرَ الخبرُ
ابن الرومي:
جِيَف أنْتَنَتْ فَأضحتْ على اللج ةِ والدُّرُ تحتها في حجاب
وغثاءٌ علا عُبَابًا من الْيَ مّ وغاصَ المرجَان تحتَ العُباب
قال ابن الرومي:
إذا ما الفجائع أكسبتني رضاك فما الدهر بالفاجع
قال المتنبي:
إن كان سركم ما قال حاسدنا فما لجرح إذا أرضاكم ألم
[ ١ / ١١٨ ]
ابن الرومي:
غدا الدهر لي خصمًا وفىّ محكمًا فكيف بخصم ضالع وهو الحكم
المتنبي:
يا أعدل الناس إلا في معاملتي فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
عاصم بن محمد المدني، كنيته أبو صالح، شاعر من أولاد رافع مولى عمر بن الخطاب ﵁:
قد هدّه الفقر وقد بانَ مِن أحوالِه الرّثَّة إعوازه
كأنّه من حيرة دائمًا أعمى ضعيفٌ ضاع عكّازُه
قال المتنبي:
ويرى أنه البصير بهذا وهو في العمى ضائعُ العكاز
تم الجزء الثاني من كتاب الإبانة عن سرقات المتنبي، يتلوه إن شاء الله تعالى الجزء الثالث.
[ ١ / ١١٩ ]