بسم الله الرحمن الرحيم
على الله توكلت
قد كنت اقتصرت على ذكر أبيات وجدتها للشعراء في دواوينهم عند قراءتي لها، واشتغالي بالبحث عما أخذ المتنبي بعض ألفاظها ومعانيها، وأنكر أسماءهم وفضائلهم فيها، ثم وجدْت بعدها أبياتًا آخر لهم ولغيرهم من المتقدمين، فلم أستجز إسقاطها من جملة ما كنت دللت عليه، وأوضحت الطريق إليه، من أبياته التي ادعى أصحابه أنه ابتدعها، واقتضابها، واخترعها من ذات نفسه، وما أغتصبها، فألحقتها بما تقدم، وأضفتها إليها غير معتقد أني إذا استقصيت في أستنباط أمثالها، وروّيت في استخراج أشكالها، لم أجد سواها، ولم أظفر بما يجري مجراها، ولعلّ جماعة من المتعصبين له يطعنون فيما أوردته، ويستهجنون بعضًا مما سردته، ويزعمون أن المتنبي وإن أخذ معاني تلك الأبيات فقد زاد من ألفاظه فيما يحلو سماعه، وتعذب أنواعه، ويلطف موقعه، ويخفّ على القلوب موضعه، ويصل إلى النفوس بلا تكلف، ويمتزج بالأرواح بلا تعسف، ويسلم من فجاجة أشعار المتقدمين وتعقيدها وغموضها وتنكيدها، وكساها من عنده معارض استوفى شروط الجمال في كلها، وأستكمل أقسام الكمال بتسهيلها وحلها، ونظم محاسنها التي كانت متفرقة بحسن صنعته، وأزال الكزازة والجهامة التي اشمأزت عنها النفوس بحذقه وبراعته، حتى صار هو أولى بها من مبدعها، وأحق بأن يشهد له الفضلاء بانفراده بها لجلالة موقعها، فإذا ألزمتهم الكلام على بيت بعينه، وأرشدتهم إلى ما تصوّر في نفوسهم، ورسخ في عقولهم من استحسانه زاغوا عن الحق، وراغوا، واحتالوا على محال لا يدرك بوهم ولا يجول في فطنة وفهم،
ولست أقول إنه وإن أخذ شعر غيره، وضرب على قالب من سواه، فكان المقتدى، لا المبتدى، واللاحق، لا السابق، وأورد من عنده ألفاظًا سهلة تعلق بالنفوس حلاوة، وتسبق ما سواه طلاوة، فقد أفسد الترتيب، وأساء التأليف؛ إذ أفضل جميع أشعار من تقدمه على أشعاره، أو أنسبه في كل ما سلبه
[ ١ / ١٤٩ ]
وانتهبه، وادعاه لنفسه وأغتصبه إلى أنه سكيت في مضماره، بل أبطل دعاوى القائلين بعصمته، وأكذبهم فيما يعتقدونه من فضل حكمته، ومجلس المحاكمة بينه وبين غيره في جميع ما شرحته، وأوضحته غير هذا المجلس الذي دللت فيه على أخذه ونقله، وبينت فيه ما لا يشك أحد فيه إذا حكم بإنصافه وعدله، ولا أنكر أن يكون لشاعر بيت مستبرَدٌ غث، وكلام مستثقل رث، ولفظة مُحيت آثار الحلاوة عنها، ونكتة بعدت أوصاف الدماثة منها، ثم تتداوله الألسن، فيسير في الآفاق سير الأمثال، وتميل إلى إنشاده العامة ناظرة بعين الكمال، وإن كان عند التأمل يلوح عليه أثر الخطأ واللحن، ويجتمع فيه مع مجاجته التصنع وفساد الذوق والوزن؛ فمن أراد أن يتكلم على سلامة الألفاظ والمعاني، ويعارضني فيما أوردته من فساد التأليف والمباني، ويحب أن يعرف عند وضوح الحق بعينه تأخر هذا الرجل (المجمع عند أصحابه على إعجازه) عن طبقات المتقدمين، وسقوطه عن منازل أكثر المحدثين عن المخضرمين، بعد أن يلقي رداء العصبية عن منكبه، ويجرى في أتباع الحق على منهاج الصواب ومذهبه لم أمنعه من الملاحة في المحاجة، ولم أدفعه عن المكابرة عند المناظرة، وقد أوردت في صدر الكتاب الذي دللت فيه على الأبيات التي أخذ معانيها دون الألفاظ فصولا تزيل الشك عن قلوب أولى العقول، وبراهين تشهد بالصدق عند تأمل الفروع والأصول، ومن عند الله التوفيق.
فمن الأبيات التي أخذ ألفاظها ومعانيها قول العوني:
ولما رفعت السَّجف أبصرتُ خلفَها نَفُورًا من الغزلان في أذْنِها شَنْفُ
قال المتنبي:
لجنية أم غادَة رُفِع السَّجْف لِوَحشية لا ما لوحشية شَنْف
أبو أحمد الخراساني:
يومي يحاكى عطاء الباخلين فما يُسلى فؤادي إدماني على الراح
يا ليت شعري إلى من أشتكى ضجري وحيرتي عند إمسائي وإصباحي
[ ١ / ١٥٠ ]
قال المتنبي:
فؤاد ما تسلّيه المدام وعمرٌ مثلُ ما تَهَبُ اللئام
مطيع بن إياس الكندي:
أبى جزائي على مدحي له وغدا يعمّ هاجِيَه جهلا بنائله
فلا يميّز مِنْ هاجيه مادَحه ولا يُحَقّق فيه ظنّ آمله
لو كان للسيف عقل أو محافَظةٌ لما فرى جيد جَاليه وصاقله
قال المتنبي:
ولو حِيَز الحِفَاظُ بغير عَقْلٍ تجنّب عُنْقَ صَيقَله الحسام
الخبزأرزي:
إن نفسي تذوب في كل يوم حَسَراتٍ ومن جفوني تسيل
الجهمى بعده:
وليس الذي يَجْرى من العين مَاَءها ولكنّه نفسٌ تذوب فَتَقْطُر
الواسطي:
وقائلةٍ أين الدّماءُ التي غَدَتْ تجود بها عند الوداع المحاجر
فقلتُ لها نارُ الحشا صَعّدتْ بها فهنّ على خَدّيَّ بيضٌ بوادر
ألم تر حُمْرَ الورد يَبْيَضّ ماؤها فيقطر من نار تجنّ الضمائر
العُجَيْفِي الكوفي:
دمعي جرى من جفوني يوم بينهم فلست أدرى أدمعي كان أم روحي
بشار بن برد:
حشاشتي ودعتني يوم بينهم وشيّعتْهم وخلّتني وأحزاني
[ ١ / ١٥١ ]
وقد أشاروا بتسليم على حذر من الرقيب بأطراف وأجفان
قال المتنبي:
حُشَاشة نفس ودّعت يوم ودّعوا فلم أدر أيَّ الظاعِنَيْنِ أشَيّع
أشاروا بتسليم فجُدْنا بأنْفُس تسيل من الآماق والسِّمُ أدمع
سابق البربري:
وقور وما في قلبه قَلَقُ الصبا غضوب وما في لفظه الفحش والهجر
المتنبي:
وأوْحَدَتْه وما في قلبه قَلَقٌ وأغْضَبَتْه وما في لفْظِه قَذَع
عبيد الله بن طاهر الخراساني:
صرفنا وجوه الخيل بالسيف بعدما تَكَدَّسْنَ مثل السيل من كل جانب
وعُدنا سراعًا غانمين وهَمُّنا طِلاب المعالي واكتسابُ المناقب
قال المتنبي:
وخيلْ حشوناها الأسِنَّةَ بعدما تَكَدَّسْنَ مِن هَنَّا عَلَيْنَا ومِن هَنّا
لعلّ ابن طاهر لما كان من العجم قال في شعره من كل جانب، ولو كان مثل هذا الشاعر بدويًّا قحًّا لقال من هنّا علينا ومن هنّا، كما قال طريح الثقفي في أبيات
[ ١ / ١٥٢ ]
يغنى بها:
أنت ابن مسلنطح البطاح ولم تطرق عليك الحِنِيّ والولج
طوبى لفرعيك من هنا وهنا طوبى لأعراقك التي تشج
أبو العتاهية:
قد صار يحسدني من كان يعذلني فيها ويعذرني رهطي وأضدادي
والسقم لازمني حتى أنِستُ به وفرّ منى أطبائي وعوادي
قال المتنبي:
عواذِلُ ذاتِ الخال فيّ حَوَاسِدُ وإنَّ ضجيج الْخَوْدِ مِنى لماجد
ألحّ علىّ السقمُ حَتى ألِفْتُه ومَلّ طبيبي جَانبي والعَوائِدُ
العوني:
رأينا ديارًا دارساتٍ ربوعُها وسُكّانها الآرام والعِينُ والعفر
فجدنا مكان الدمع بالدم وحشة فمن دمنا أجفاننا أبدًا حُمر
قال المتنبي من قصيدة أولها:
أريقك أم ماء الغمام أم الخمر
رَأيْنَ التي لِلسحْرِ في لَحَظَاتها سيوفٌ ظُبَاها من دَمى أبدًا حُمْر
مروان بن سعد غلام الخليل بن أحمد:
ما للصُّوار رحلن عن عرصاتها وتركنها وقفًا على غزلانها
[ ١ / ١٥٣ ]
إن الجيادَ عَرَفْنَ معهد دارِها فَصَهَلْنَ باكيةً على سكانها
قال المتنبي:
مرَرْتُ على دار الحبيب فَحَمْحَمَتْ جوادي وهل تَشْجو الجيادَ المعاهدُ
مروان بن أبى حفصة:
قاسيت شدة أيامي فما ظفرت يداي منها بصابٍ لا ولا عسل
ولا أغيِّر شيبي بالخضاب وهل في العقل تغيير شيب الرأس بالحيل
قال المتنبي:
قد ذقت شِدةَ أيامي ولَذّتَها فما حَصَلْت على صَابٍ ولا عسل
وقد أراني الشبابُ الروحَ في بدني فهل أراني المشيبُ الروح في بَدَلي
المعوّج الرقى:
لبّت دموعي وقد دَعَتْها طُلولُ ربع وهُنّ خُرْس
سكانها الوحش بعد عهدي بحسنها والوحوشُ إنس
قال المتنبي:
أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل دعا فلباه قبل الركب والإبل
أبو البيدا:
لا ينشر الله سرى إن نشرت ولا يُذيعُ ما دمتُ حيًّا بعد إضماري
فليت شعري وقد أخفيت حبكم لِمْ صار دمعي مذيعًا كلّ أسراري
قال المتنبي:
وسرّكم في الحشا ميت إذا نشرّ لا ينشر
[ ١ / ١٥٤ ]
وأظرف من هذا قول السري بن الكندي الرفا:
أنَمّ بما استودعتَه من زجاجة يُرَى الشيءُ منها ظاهرًا وهو باطن
أبو الشيص:
دعتني جفونُك حتى عَشِقْت وما كنت من قبلها أعشَق
فدمعي يسيل وصبري يزول وجسمي في عبرتي يَغْرق
قال المتنبي:
وما كنتُ ممن يدخُلُ العشقُ قلبَه ولكنَّ من يُبْصرْ جفونَك يَعشَقِ
ابن المستورد:
ما بالُ تسليمكم قد صار مختصرًا وقربكمْ دائمًا بعدًا وهجرانا
قد كنت أعرَفُ بالرأي الأصيل فَلِمْ تركتموني غداة البين حيرانا
قال المتنبي:
أرى ذلك القربَ صارَ ازورارا وصارَ طويلُ السلام اختصارا
تَرَكْتَنِيَ اليومَ في حَيْرَة أموتُ مِرارًا وأحيا مِرَارا
الناشئ الأكبر:
كلام يخوض غِمارَ البحارِ ويَصْعد في شاهقات الجبال
بدائعه تُطرِب السامعين وينمى سناها نماء الهلال
قال المتنبي:
قوافٍ إذا سِرْن عَنْ مِقْولي وثَبْن الجبال وخُضْنَ البحارا
ولي فيك ما لم يَقُل قائلٌ وما لم يسر قمرٌ حيثُ سارا
[ ١ / ١٥٥ ]
خالد بن يزيد الكاتب:
ليلى طويلٌ وحزني مثلُه وكذا ليلُ المحبّ طويل حيثما كانا
لم أسْلُ بعدهم يومًا وقد حملت نفسي من الوجد والأحزان ألوانا
قال المتنبي:
لياليّ بعد الظاعنين شكول طوال وليل العاشقين طويل
وما عشت من بعد الأحبة سلوة ولكنني للنائبات حمول
أبو العتاهية يمدح:
لكل زمان في يديه أزمة يقود بها ما يشتهيه بلا كدّ
هو الشمس لكن بالعراق محله ومطلعه يخفى على الأعين الرُّمد
قال المتنبي:
فَتىً يَتْبَع الأزمانُ في الناسِ خَطْوَهُ لِكّلِ زمان في يديه زِمَامُ
المعوج الرقى:
ومنهل ماؤُه موتٌ فلا أحدٌ يأتيه مستسقيًا خوفًا من العطب
[ ١ / ١٥٦ ]
طلبتَهم عندَه حتى ظَفِرت بهم وقدتهم بالحواشي ليلة القرب
ويروى: بزمام الويل والحرب.
قال المتنبي:
وما تركوك معصيةً ولكن يُعاف الورْدُ والموت الشراب
طلبتَهُمُ على الأمْوَاه حتى تخوّفَ أن تفتشه السحاب
الكميت:
وبرّية ضل فيها الدليل من الحرّ والبعد والقسطل
تعسفتها فمزجت المياه بالدم والطعم بالحنظل
ولما تخلف عنك الدليل رأوك لهم جحفل الجحفل
المتنبي:
وأنّى اهتدى هذا الدليل بأرضه وما سَكَنَتْ مُذْ سِرْتَ فيها القَسَاطل
ومن أيّ ماء كان يَسْقى جِيادَه ولم تَصْفُ من مَزْج الدّماء المناهِل
عثمان بن عمارة الحريمي:
وخيل كأمثال اليعاسيب ضمر عتاق ومن فوق العتاق عتاق
جرين فغادرن الرياح حسيرة وخضن بحارًا ماؤهن زعاق
[ ١ / ١٥٧ ]
لمحها المتنبي فقال:
وما تنفع الخيل الكرام ولا القنا إذا لم يكن فوق الكرام كرام
أبن أبى الرعد:
بها جثث القتلى لقيً فكأنها نخيل ولكن ما لهن عُذوق
كأن على الغُدران لونَ دمائهم شقائقُ حمرٌ شابهن خلوق
قال المتنبي:
ولا تَرِدُ الغدرانَ إلا وماؤها من الدّمِ كالريحان تحت الشقائق
مكيكة وهو أبو بكر إبراهيم الفقيه مليح الشعر مطبوعه:
قد سار في الأسماع طيب ثنائه مثل الغناء على الرحيق السلسل
في جحفل من فضله وكتيبة من عقله وعن العيوب بمعزل
أضحى ربيع السائلين وقبلة للآملين وزينة للمحفل
قال المتنبي:
وأضحى ذكره في كل أرض تُدارُ على الغِناء به العُقار
ومن تأمل هذا تقصيره ونقصانه عن درجة مكيكة.
وقال عمر بن أبى ربيعة:
وسرنا بليل كأن القتام وقد ثار من طيبه عنبر
وقول العوني مليح:
ودوّية أحيا الحيا هضباتها كأن ثراها في المفارق عنبر
[ ١ / ١٥٨ ]
نزلنا على ماء كأن مذاقه جني النحل لا يَفنى ولا يتكدر
قال المتنبي:
وليلًا توسَّدنا الثَّويةَ تحته كأن ثراها عنبر في المرافق
لم يقصر المتنبي في تبديل المفارق بالمرافق وأحسن ما شاء.
مخيم الراسبي:
سرى نحوهم جيش على الأرض زَحْفُه وزَحْمتُه جازتْ بطونَ الفراقد
وخدّت بأيديها الجيادُ صخورها فتحسبُ ما فيها مَجَرَّ الأساود
وفوق ثناياها رءوسٌ تبددت كَمَالٍ توَّلتْ نقدَه كفُّ ناقد
قال المتنبي:
خميسٌ بِشرق الأرض والغربِ زَحْفُه وفى أذن الجوزاء منه زَمَازِم
إذا زَلِقَت مَشَّيْتَها ببطونها كما تَتَمشى في الصعيدِ الأراقم
نثرتهمُ فوقَ الأحيدب نَثْرة كما نُثِرتْ فوق العروس الدراهم
أبدع المتنبي ما شاء حين بدّل الناقد والمال بالعروس والنثار، وصيّر الأساود
أراقم، وجعل الفراقد الجوزاء.
معبد بن طوق البصري، وهو شاعر مبدع يمدح:
تذل له القواضب والعوالي وتخدمه المسومة العراب
إذا أغضبته صافحت منهم حسامًا ليس يحجبه القراب
وإن أرضيته قابلت نفسًا تضئ فلا يغطيها سحاب
[ ١ / ١٥٩ ]
قال المتنبي:
تَخِرّ له القبائلُ ساجداتٍ وتحمَدهُ الأسنة والشفار
أبعد هذا التقسيم من كلام معبد وفصاحته وحذقه وملاحته؟
أبو راسب البجلي أشعر أهل زمانه يمدح أبا دلف قاسمًا:
رأيتُ ملوكَ الأرض شرقًا ومغربًا فَمَوْلاهم عند الحقيقة قاسم
صرائمه في المشكلات صَوَارِمٌ وآراؤه في المعضلات أراقم
ترى سَيْبَه يُحيْى العُفَاةَ وسيفه يُبيد عِدَاه فهو مُعْط وحَارِمُ
قال المتنبي:
وقد رأيْتُ الملوكَ قاطبةً وسِرْتُ حتى رأيتُ مولاها
ومَن مَنَايَاهُمُ براحته يأمرها فيهم وينهاها
ولا أدري أرأى الملوكَ المتنبي قاطبة عابسة أو ضاحكة مستبشرة، ولكنه بالإجماع جاء بكلام غثّ بارد كذب.
السيد الحميري يمدح بعض أولاد عبد الله بن الحسن بن الحسين الشريف:
همة تنطح الثريَّا وعزٌّ نَبَوِيٌّ يزعزع الأجبالا
وعطاءٌ إذا تأخر عنه سائلوه اقتضاهم استعجالا
قال المتنبي:
شرفٌ ينطحُ النجومَ برَوْقيْ هِ وعزٌّ يُقَلقل الأجْبَالا
[ ١ / ١٦٠ ]
لا أعرف للمتنبي فضيلة في هذا المدح، ولا براعة إلا أنه بدّل يزعزع بيقلقل وصيَّر الشرف قرنانا.
أبو حويه السكسكي:
بحارُ عطاياكَ تحيى النفوسَ وبحرُ سِوَاكَ يحاكى السرابا
بُليتُ بقوم قباحِ الوجوهِ يرون السماحة ذَنْبًا وَعَابا
إذا ما تَصَفَّحتُ عن لُؤمهم أكبوا عليه فكانوا جوابا
قال المتنبي:
وهمُ البحر ذو الغَوَارب إلا أنه صَار عند بحرك آلا
ولمح الثاني فقال في قصيدة أخرى:
وتسأل عنهم الفَلَواتِ حَتى أجابَك بعضُها وهمُ الجوابُ
أبو الشمقمق:
خاض بحر الموت الزؤام كناسٍ أو كمستحقر له مستهين
وسعى في اكتساب شكر وحمد وحَوَى ما أبتغي بغير معين
قال المتنبي:
خاض الحِمامَ بهن حتى ما درى أمِن احتقار ذاك أم نسيان
صاحب الزنج أو غيره منحولا إليه:
ببيض الصّفاح وَسُمْر الرّماح طلبتُ العلا وعلوتُ الرتب
[ ١ / ١٦١ ]
وإنّي كالشمس بي يُهْتدى إذا غطّت الشمسَ سودُ السحُب
قال المتنبي:
تَرَكنا لأطرافِ القَنَا كُلَّ شهوة فليس لنا إلا بِهِنَّ لِعَابُ
وإني لنجم يهتدي صحبتي به إذا حَال من دون النجوم سحاب
ديك الجن عبد السلام:
وإني بريءٌ من أخي وانتسابه إليّ إذا ألفيتُ في طبعه بخلا
فإن لم تكن بالطبع نفسي كريمةً وإن كرُم الآباء لم أره فضلا
المتنبي:
وآنف من آخي لأبى وأمي إذا ما لم أجده من الكرام
ولست بقانع من كل فضل بأن أعْزَي إلى جدّ همام
أبو الهندي صاحب نصر بن سيار:
طالَ عَتْبُ الزمان ظلمًا علينا وجفانا فما لَه إعْتَابُ
فأجِرنا من عتبه وأذاه أنْتَ تُرْجى لمثله وَتُهاب
ما لنا منصف سواك فيشكي أنت كالنصل والملوك قراب
قال المتنبي:
لَنَا عندَ هذا الدّهْرِ حَقٌّ يَلُطُّه وقد قلّ إعتابٌ وطالَ عِتَاب
ولا مُلْكَ إلا أنْتَ والمُلكُ فضلةٌ كأنكَ سيف فيه وَهْوَ قِرَابُ
[ ١ / ١٦٢ ]
إبراهيم بن متمم بن نويرة:
والخيل قد نسجت على صَهَواتها أيْدي الرياح براقعًا وجلالا
ضاقت عليهن الفلاةُ فلا ترى من كثرة القتلى لهنّ مجالا
قال المتنبي:
خافياتِ الألوانِ قد نَسَج النَّق عُ عليها بَرَاقِعًا وَجَلالا
ولَتَمْضنّ حيث لا يجد الرُّم حُ مدارًا ولا الحصانُ مجالا
هذه طريق التوارد لا يشك فيه شاعر، ولا يسمح لأحد بمثله خاطر.
ديك الجن عبد السلام:
الكلبُ فوقَ أناس أنت مالكهم ونعمةُ أنتَ فيها عندنا نِقَمُ
وإن دهرًا علوتَ الناسَ كلَّهم فيه فبالجهل والخذلان متهم
قال المتنبي يهجو كافورًا:
جَازَ الألَى مَلَكَتْ كَفاك قَدْرهم فَعُرِّفوا بك أنّ الكلبَ فوقهم
فإنهُ حُجةٌ يُؤْذِى القلوبَ بها مَنْ دِينُه الدَّهْرُ والتعطيلُ والقِدَمُ
هذا البيت عليه أثر العيّ؛ لأن الدهر والتعطيل والقِدم إلحادٌ كله، وأحسن من هذا قول ابن الرومي:
لا قُدّسَتْ نُعمى تسربلتَها كم حُجةٍ فيها لزنديق
صبرًا أبا الصقر فكم طائرٍ خرّ صريعًا بعد تحليق
الخبزأرزي:
خليتني ضائعًا والحال حائلة ورمت في الكيل بخسًا بعد تطفيف
أسْنَى العوارف ما يأتي الزمان به عفوًا وطوعًا بلا مطل وتسويف
[ ١ / ١٦٣ ]
إذا أساء وضيع القدر خامله إلىَّ لم يخل من لوم وتعنيف
قال المتنبي وقد ذكرت قبل هذه في جملة ما أخذه عن هذه الثلاثة الأبيات:
إذا أتت الإساءةُ من وضيع ولم ألم المسيء فمن ألوم
بشار بن برد:
حظي من الخير منحوسٌ وأعجبُ ما أراه أنى على الحرمان محسودُ
أغدو وأمْسى وآمال قطعتُ بها عمري تخيب وأموالي المواعيد
وأكرمُ الناس من تأتى مواهِبُه من غير وعد وفيه الجود موجود
قال المتنبي:
ماذا لقيتُ من الدُّنْيَا وأعجبُها أنّى بما أنَا باكٍ مِنْه محسودُ
أمسَيْتُ أرْوَحَ مُثْرٍ خَازِنًا وَيدًا أنا الغنىّ وأموالي المواعيد
جودُ الرجال من الأيدي وجودهم مِنَ اللّسان فلا كانوا ولا الجود
من قال إن هذه غير مأخوذة من كلام بشار فقد عدم الفطنة والتمييز وحُرِمَ الرشاد
والتوفيق، وجهل مواضع الأخذ، وأحتاج أن يسقى شربة تشحذ فهمه، وتجلو طبعه، وتزيل العمى والغمة عنه، وقال المتنبي في قصيدة أخرى ضربًا على قالب ابن الرومي في تكرير المعنى إذا أستحسنه بألفاظ مختلفة:
واجِز الأمير الذي نعماه فاجئة بغير قول ونُعمى الناس أقوال
وأحسن من هذا كله قول البحتري:
وأكْثَرُ ما لسائلهم لديهم إذا ما جاء قولهم تَعُود
ووعدٌ ليسَ يُعْرَف من عبوس ألفناه أوعدٌ أم وعيد
[ ١ / ١٦٤ ]
محمد بن أبى عيينه المهلبي:
إني لأختار الحِمَا م على مصاحبة اللئام
وأفرّ منهم ما حيي تُ ولا أفرّ من الحسام
نفسي الكريمة لا تق رّ على المذلة والملام
والموتُ أطيبُ في فَمي عند الهَوَانِ من المُدام
قال المتنبي:
وعندها لذّ طعم الموت شاربه إن المنية عند الذّل قِنْديد
قد أنصف المتنبي في إبدال المدام بالقنديد؛ ليُعَدّ بسبب هذه الفصاحة في شعراء الجاهلية، عند استعماله الألفاظ الغريبة، والقنديد نبيذ يعمل من القَنْد وذُكر في اشتقاق أسماء الخمر شرفُها.
أبو العتاهية:
أزفّ أبْكارَ أشعاري إليك فما عندي سوى الشكر لا خيلٌ ولا مال
فأقبل هديةَ من تصفو مودتُه إن لم تساعِدْه فيما رامه الحال
قال المتنبي:
لا خيل عندك تُهديها ولا مال فليسعد النطق إن لم تسعد الحال
هذه الأنواع من السرقات فاضحة لصاحبها؛ لأنه أخذ اللفظ والمعنى والرّوي، ثم ادعى هذه المعجزات لنفسه:
[ ١ / ١٦٥ ]
هشام بن إبراهيم الكرماني:
لا يحوز المجدَ إلا سيدٌ باذلٌ للمال مفضالٌ فَطِن
يَكْسِب الحمدَ بوجه ضاحك يسترِقُّ الحرَّ والخلقَ الحسن
عبد الصمد بن المعذل:
أفنى بجدّ السيف آجالَ العدا وسيوفَه وعوالِيَ المُرَّان
والضرب يفعل بالحسام وحدِّه ما تفعل الآجال بالإنسان
قال المتنبي:
القاتلُ السيفَ في جسمِ القتيلِ به وللسيوفِ كما الناس آجال
أغرب المتنبي في سلخ هذين البيتين، ومسخهما، والله يطالبه بما فعل.
رزيق العروضي من قصيدة أولها:
قد بكينا لما رأينا الطلولا دارسات وما خَشِينا العذولا
نحن في دهرنا إذا ما اجتَنَبْنا قبحَ أفعالنا فعلنا الجميلا
إن موتَ الفتى جوادًا سخيًّا هو خيرٌ من أن يعيشَ بخيلا
المتنبي:
إنا لفي زمن ترك القبيح به من أكثر الناس إحسان وإجمال
علي بن الجهم:
ولا خيرَ في عيش امرئ وهْو خامل وذكرُ الفتى بالخير عمرٌ مجدَّد
[ ١ / ١٦٦ ]
فنَبّه من النوم الحسامَ ولا تَنَمْ لتبقى فما في الأرض شييءٌ مُخلَّد
المتنبي:
ذكرُ الفتى عمرُه الثاني وحاجَتُه ما قَاتَه وفضولُ العيشِ أشغال
أفسد بيت علي بن الجهم؛ لأن ذكر الفتى إذا لم يقترن بالخير لم ينفعه، بل هو موت معجَّل.
بشار بن برد:
ألا إن قلبي من فراقِ أحبَّتي وإن كنتُ لا أبدى الصَّبَابة جازع
ودمعي بين الحزن والصبر فأضحى وسَتْرى عن العذال عاص وطائع
المتنبي:
الحزن يُقْلق والتجمل يردَعُ والدمع بينهما عَصِيٌّ طَيّع
قد أبدع ما شاء في تغيير طائع إلى طيع؛ فله قصب السبق، وفضيلة الحذق.
مسلم بن الوليد:
له عطايا تردُّ الروحَ نفحَتُها إلى النفوس وتحيى ميتَ الأمل
يهدى العُفَاةَ إليها قبل رغبتهم فيها ويُغنيهم عن كلفة الرِّحَل
المتنبي:
نَفَحتْنا منه الصَّبَا بِنَسِيم رَدَّ رُوحًا في مَيّت الآمال
البحتري:
يقدمه الطبع الكريم إلى الوغى إذا رام حزمًا فيه أن يتأخرا
ويعطى الذي لَوْ جَادَ يومًا ببعضه جوادٌ لأضحى دهرَهُ متحسّرا
[ ١ / ١٦٧ ]
قال المتنبي:
وفى الحرب حتى لو أراد تأخرًا لأجبره الطبعُ الكريمُ إلى القُدْم
العوني:
الجن والإنس والأعْراب والعجم في خوف سطوته أجسامهم رِمم
رماحه تُعدم الأحياَء عمرَهمُ لكنّ مُمْسِكَها يحيا به العدم
المتنبي:
لقد حالَ بين الجِنّ والإنس سَيْفُه فما الظَّن بعد الجنّ بالعُرْب والعُجْم
وفي هذه القصيدة بعينها يقول:
وإن تُمسِ داءً في القلوبِ قَنَاتُه فمُمْسِكُها فيه الشفاءُ من العُدم
السيد الحميري:
شرفت بك الأرض البسيطة بعْدما أسْكِنْتها وتجلت الأقطار
فالأرض حيث أقمت فيها جنة والأرض حيث رحلت عنها نار
قال المتنبي:
أرضٌ لها شرفٌ سواها مثلُها لو كان مثلُك في سِواها يُوجَد
بألف شمعة يهتدي الدليل إلى نظم هذا البيت المشكل.
البحتري:
أجرين دمعي لدى النوى ودمى ظلمًا وعذّبنني بهجران
[ ١ / ١٦٨ ]
عينايَ عينانِ مذ رحلن وما قلبيَ إلا كقلب سكران
وأحسن من هذا قول ابن أبى ربيعة:
مزجن دمى بالدمع يوم تركنني على الجمرة القصوى أسيرًا معذبا
فو أسفي حتى متى أنا أشتكى غليل فؤاد ما يصادف مشربا
قال المتنبي:
فهنّ أسَلْن دمًا مُقْلتي وعذّبن قلبي بنار الصدود
زينبا النصراني الجزري:
نَظَرتْ ساعةَ الفراق وأوْمتْ ببنانٍ عليه نقشٌ دقيقُ
ثم سارت وسال دمعي مَشُوبًا بدمَاءِ فالجفن منها غريق
عدلت عنْ طَريقَةِ العدلِ لَمَّا حَمَّلَتْني في الحب ما لا أطيق
ما لقلبي أدْواه سقمٌ ووجدٌ وغرامٌ وزفرةٌ وشهيق
قال المتنبي:
فليت هوى الأحبّة كان عدلا فحمل كل قلب ما أطاقا
الشريف عبد الرحمن الأنصاري:
ما إن يَعيبُ كلامي في فصاحته إلا مَعِيبٌ سقيمُ الفهم مأدوف
أنا الثريا وأعدائي الثرى وأنا بالحكم والعقل والأفضال معروف
[ ١ / ١٦٩ ]
المتنبي، وقد لمح البيت الأول فقال:
وكم من عائب قولا صحيحًا وآفته من الفهم السقيم
صاحب الزنج:
لا تضعُفَنّ إذا طلبت جلالة حتى تُجاوزَ منكِبَ الجوزاء
فلئن هلكتَ دعيتَ غيرَ مقَصِّر ولَئِن حَيِيتَ غَدوتَ في الشجعاء
قال المتنبي:
إذا طاولت في شرف مروم فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر حقير كطعم الموت في أمر عظيم
ابن الرومي:
وأنت لعمري شعبةٌ من ذوى العلا فلا ترض أن تُعتَدَّ من أرذل الشعب
وللمجد قوم ساوروه بأنفس كرام ولم يعبَوْا بأمّ ولا أب
قال المتنبي:
ما بقومي شرفت بل شرفوا بي وبجدّي فخرت لا بجدودي
أبو عبد الله الزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب:
أراق دمى ربعٌ بذات الأثارب وهيجّ أشواقي مسير الركائب
عفته المهارَي القودُ لما سرت بهم ولم تعفه أيدي الرياح اللواعب
[ ١ / ١٧٠ ]
قال المتنبي:
أيدري الربعُ أيَّ دم أراقا وأيَّ قلوب هذا الركْبِ شاقا
وما عفتِ الرياحُ له مَحَلا عَفَاه من حدا بهم وساقا
وهذا مأخوذ من قول الشيباني:
وما على ظهر غرا ب البين تُطوى الرّحَل
وما غراب البين إ لاّ ناقة أو جمل
جابر بن رَألان السنبسي:
وخيل عتاق آنسات من الوجى يخضن بحار الموت واليومُ عابسُ
تلاقت نواصيها المنايا وعُوّدت عليها الضرابَ والعناقَ الفوارسِ
يميدون من سكر عليها كأنهم أسودُ شرىً قد قابلتها عنابس
رماحهم فوق الهوادي قد اهتدت إلى ثُغَر الأقران والنَّقْع دامس
قال المتنبي:
ملاقيةٌ نواصيها المنايا مُعَوّدَةٌ فوارسُها العناقا
تبيت رِمَاحُه فوقَ الهوادي وقد ضرب العجاج لها رِوَاقا
تميل كأن في الأبطال خمرًا عُلِلْن بها اصطباحًا واغتباقا
هذا المتنبي رفيع الهمة عظيم النفس، لا تقنعه سرقة بيت واحد، حتى يغير وينهب ويغرف، ولا يتعب.
[ ١ / ١٧١ ]
يحيى بن بلال العبدي مجيد، يمدح الرشيد:
إذا أنا لم أوف المحبين أجرهم وعاديتهم جهلا ندمت طويلا
إليك فإني لا أعادي الذي يرى مصادقتي فرضًا عليه جميلا
أحب من الناس الجوادَ بمالِه وأبغض منهم من يكون بخيلا
قال المتنبي:
وعادى محبّيه بقَولِ عُداته وأصبحَ في ليل من الشكِ مُظلمِ
وأهوى من الفِتْيان كل سَمَيْذع نجيب كَصَدْر السَّمْهرِيّ المقوَّم
أجاد ما أراد؛ إذ ترك مكان الجواد سميذعا، وإدعى البيت لنفسه، وبين ذاك وهذا للمتأمل بون بعيد.
أبو عثمان الناجم:
بلادُ الفتى ما وافقَ النفسَ طيبُها وأهلوه من يصفو ويُخْلصُ في الودّ
وما شرف الإنسان في حسن وجهه إذا لم يشيد حسنه كرم العهد
[ ١ / ١٧٢ ]
قال المتنبي:
وما بلد الإنسان غير الموافق ولا أهله الأدنون غير الأصادق
وما الحسنُ في وجه الفتى شرفًا له إذا لم يكن في فعله والخلائقِ
أبو المستهل الكميت في قصيدة له:
وقفت على أطلالها فتكاثرت علىّ همومي فهي تشبه عذالي
ديار اللواتي سرن عنها عشية وغادرن قلبي بين حزن وبلبال
وما ارتحلت عنا الركائب وحدها ولكن روحي للركائب تال
ولو أنصفت داست بأخفافها التي تدوس بها الأحجار لحمى وأوصالي
وكنت أجرّ الذيل ما بين أهلها خليعَ عذار ناعمَ العيشِ والبال
قال المتنبي من قصيدة أولها:
ذكرُ الصِّبا ومرابعُ الأيام
دِمَنٌ تكاثرتِ الهمومُ عليّ في عَرَصَاتها كتكاثر اللوّام
قد كنت تهزَأ بالفِراق مَجَانَةً وتجُرُّ ذَيْلَيْ شِرّةٍ وعُرام
ليس القِبَابُ على الرّكابِ وإنما هُنَّ الحياةُ ترحَّلت بسلام
لَيتَ الذي خلق النَّوى جَعَلَ الحَصَى لِخفَافِهنّ مفاصلي وعظامي
هذه والله سرقة توجِبُ على سائر مذاهب الشعراء قطعَ اللسان، فضلًا عن اليد،
مع إنكاره فضيلة غيره، وادعائه الإعجاز في شعره.
[ ١ / ١٧٣ ]
قال والبة بن الحباب الجمحي أستاذ أبى نواس ومعلمه:
وقتَلتني بالجود بل أحييتني يا قاتلَ الأعداء بالصَّمصام
طرفي تحير فيك فرط مهابة وتطاولت مِدَحي وَحَارَ كلامي
قال المتنبي:
يا من يُقتلُ من يريد بسيفه أصبحت من قتلاك بالإحسان
فإذا رأيتكَ حارَ دُونَك ناظري وإذا مَدحْتُك حارَ فيك لساني
الوزن واحد وإن اختلف الرويّ، وهذا من أوحش ما يسرقه الإنسان، وأدلّ على عجزه وعيّه.
ابن طباطبا العلويّ:
قَرْمٌ جواد يعمّ الأرضَ نائلُه فليس يفرح إلا بالذي يهب
له إذا جئته في كل مشكلة الرأي والجود والأفضال والأدب
قال المتنبي:
أفي الرأي يُشْبَهُ أم في السخا ء أمْ في الشجاعة أم في الأدب
إذا حازَ مالًا فقد حازه فَتىً لا يُسَرُّ بما لا يَهَبْ
أتعبه هذا المعنى حتى غاص، وأستنبطه.
عمر بن أبي ربيعة:
وجه يضئ فليس يخفى نوره لا يمنع البدرَ الطلوعَ نقابُها
[ ١ / ١٧٤ ]
وإذا مشت فوق التراب بِدَلِّها أضحى يَدِلّ على العبير ترابُها
قال المتنبي:
كأنّ نقابها غيمٌ رقيق يُضِئ بمنْعِه البدرَ الطلوعا
إبراهيم بن سيار البصري النظام:
استرِقّ الكريم بالجود وأحذر أن تُذِيق اللئيم طعم العطاء
واقتل الحرّ إن تجرّ بالعف وففي العفو راحة الأحياء
قال المتنبي:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمرّدا
وما قتل الأحرار كالعفو عنهم ومن لك بالحرّ الذي يحفظ اليدا
أبو الهندي:
صيّرتَ نفسِيَ بالإحسان مُحْسَدة لولا عطاياك لم يَحْسُدني الناس
تردَّدَ الشعراء المادحُوك بما أبدعْتُه فيك والمُدَّاح أجناس
ما سار مدحك في الآفاق مشتهرًا إلا كما سَارَ غيثٌ منك رجّاس
في كل يوم بإقبال خُصصت به لمن يعاديك إرغام وإتعاس
قال المتنبي:
أزِل حسدَ الحساد عَنى بكبتهم فأنت الذي صيرتهم لي حُسّدا
[ ١ / ١٧٥ ]
أجزني إذا أنْشِدتَ شعرًا فإنما بِشعري أتاكَ المادحون مُرَدَّدا
العرتائي الكاتب:
أسكرتني الهموم والليل داج مثلُ عين المها بلا إصباح
زال صبري وزاد فكرى فقلبي أبدًا من غرامه غيرُ صاح
أيها اللائمي ترفَّق بقَلْب ليس يُسلى همومه لَحْىُ لاح
قال المتنبي:
لَقَي ليلٍ كعين الظَّبْي لَوْنًا وَهَمٍّ كالحُميا في المُشَاشِ
[ ١ / ١٧٦ ]
غيره:
يا من يدل بحسنه وجماله ليس الجمال مع الزمان يدوم
(ما لي لسان) أقول أنت ظلمتني الله يعلم أنني مظلوم
سليمان بن أبي دباكل الخزاعي:
فطن بالذي أريد فقولي ليس يغنى ولا سكوتي يضرّ
يسبق البذلُ وعْدَهُ فَنَداه ليس يفنى وسُحْبُه ما تغرّ
لآخر:
أروح بلا شغل وأغدو بمثله وحسبُك بالتسليم منى تقاضيا
العروضي:
وإذا طلبتَ إلى كريم حاجة فلقاؤه يغنيك والتسليم
قال المتنبي:
وفي الناس حاجاتٌ وفيكَ فطانة سكوتي بيانٌ عندها وخطاب
سليمان بن المهاجر البجلي أبو المهاجر الكوفي:
رقّت مضارب سيفه فكأنه صبُّ وأعناق الرجال حبائب
وأسنة الأرماح يحكى ضوءُها شمسًا وأحشاءُ الرجال مغارب
قال المتنبي:
رَقَّتْ مضاربه فَهُنَّ كأنما يُبْدين من عِشقِ الرّقاب نحولا
[ ١ / ١٧٧ ]
سليمان بن عبد الله بن طاهر أبو أيوب، كان في أيام المعتزّ والمهتدى يقول:
تعوّدت في أيامِيَ السَّيرَ والسري وتعجز عن أسفاري الخيلُ والرَّجْل
أنا السَّهم يمْضِى في الهواء فلا تَرَى وُقُوفا له ما إن يثَقِّله النصل
قال المتنبي:
وما أنا غير سهم في هواء يعود ولم يجد فيه امتساكا
المتبول الجزري:
أدعو ولست أبَالي عليك في كل حال
تجود بالأهل لكن تَضِنّ بالأموال
يا جاهلا ليس يُخشى عليه صَرْفُ الليالي
مناسبًا للمخازي مجانبًا للمعالي
أصبحتَ في كلّ خِزْي فردًا بغير مثال
قال المتنبي:
إن أوْحَشَتْكَ المعالي فإنها دارُ غُربه
أو آنَسَتْك المخازي فإنها لك نسبه
الخبزأرزي:
إلى كم أذل وأستعطف عن أن لا تجور ولا تنصف
أيا يوسف الحسن صل مدنفًا مدامعه لم تزل تذرف
[ ١ / ١٧٨ ]
أعيذك من ظالم غاشم سوى الخلف في الوعد لا يعرف
ولى مهجة أنت أتلفتها عليك غرامةُ ما تُتْلف
قال المتنبي:
قفى تغرمي الأولى من اللحظ مهجتي بثانية والمتلف الشيء غارمه
ورد بن حكيم راوية أبي البيداء شاعر عالم باللغة:
قد كنتُ أخْدُم أقوامًا فصَيَّرني عطاءُ كفك بين الناس مخدوما
كم من غنىّ جليل القدر يحسُدني على الغنى وقديمًا كنت مرحوما
قال المتنبي:
ومن خدم الأقوام يرجو نوالهم فإني لم أخدمك إلا لأخدما
السري بن عبد الرحمن الأنصاري يقول لزيد بن قبيصة:
عطاياك أنستني بلادي ومنزلي ورهطي وأهلي والمماليك والخَدَمْ
قفى كل يوم نِعْمه مستجدّة تحكمني فيها تزيد على النِّعَمْ
قال المتنبي:
أمُنْسِيَّ الكنَاسَ وحضَر مَوْتًا ووالدتي وكِنْدَةَ والسَّبِيعا
[ ١ / ١٧٩ ]
نسيانها والله كان أحسن من تذكره لها.
سفيان بن سليل الأسدي:
خلّفت أرضى وجَدْبَها طلبًا لأرض قوم تُرابُها الذّهبُ
وَقُودهم عنبر إذا خمدت نيرانهم في الظلام لا الحطبُ
قال المتنبي:
تركتُ دُخًانَ الرّمْثِ في أوطانها طلبًا لقوم يُوقدون العنبرا
أبو الحسن بن الماشطة الكاتب مُعمّر:
هَمّي المعالي وهَمُّ الناسِ أكثَرُهُ إذا تصفحت مأكول ومشروب
وما اعتزامي غداة الروع مضطرب=ولا فؤادي لدى الأنام مرعوب
قال المتنبي:
تهوى بمنجرد ليست مذاهبه للبس ثوب ومأكول ومشروب
ديك الجن من قصيدة أولها:
بها غير معدول فداوِ خمارها
نظل بأيدينا نتعتع روحها فتأخذ من أقدامنا الكأس ثارها
قال المتنبي:
نال الذي نلتُ منه منى لله ما تصنع الخمور
[ ١ / ١٨٠ ]
أبو الطيب مع تقدمه في الشعر صوفيّ المذهب والكلام، وهذا البيت غلط في هذا المكان؛ لأن هذا أخذ للمعنى دون اللفظ، يحتاج أن يلحق بإخوانه.
وقد كتب الناسخ بعد النهاية:
تم الجزء الرابع من كتاب الإبانة عن سرقات أبي الطيب المتنبي، رحمه الله تعالى، وبتمامه تم جميع الكتاب، وذلك على حكم النسخة التي نقلت منها على يد
العبد الراجي عفو ربه تعالى: علي بن عز الدين بن زين العابدين الجزري، وقد كتبته ووهبته لحضرة ابن الخال الأعز: حسين جلبي الخزري على سبيل صحبته. وصلّى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، وذلك بتاريخ أواخر شهر جمادى الآخرة من شهور سنة ثلاثين وألف.
[ ١ / ١٨١ ]