هكذا سماه صاحب كشف الظنون فقال: «إعجاز الإيجاز» - للشيخ أبى منصور عبد الملك بن محمد الثعالبى المتوفّى سنة ثلاثين وأربعمائة.
«ومختصره» للإمام «فخر الدين بن عمر الرازى» المتوفى سنة ست وستمائة.
أما «كارل بروكلمان» فى موسوعته الأدبية: تاريخ الأدب العربى:
(ج ٥/١٩٥ برقم ٢٨) وقد ذكره تحت عنوان: «إيجاز الإعجاز» فقدم وأخر على طريق الإضافة لا العطف! ثم قال: ويسمى كذلك: «الإيجاز والإعجاز» بعطف أحدهما على الآخر.
وهكذا أصبح لدينا ثلاثة عناوين:
١- إعجاز الإيجاز. ٢- إيجاز الإعجاز. ٣- الإيجاز والإعجاز.
لكن من يرجع إلى تسمية الكتاب يوم أن طبع فى أول: «مجموعة خمس رسائل» بمطبعة الجوائب بالآستانة سنة ١٣٠١ هـ ويوم أن نشره اسكندر آصف فى طبعته الأولى منفردا بالقاهرة سنة ١٨٩٧ م- يجد أنه قد حمل عنوانا رابعا هو:
«الإعجاز والإيجاز» .
وقد أشار إلى هذه التسمية العلامة الزركلى فى «الأعلام» نظرا إلى أن هذه التسمية هى التي رافقت الطبعة الأولى المنقولة عن نسخة خطية بخط «جمال» سبط الشيخ صفى ابن أبى منصور، وكتبت سنة
[ ٨ ]
٤٢٢ هـ، وعثر عليها فى المكتبة الخديوية! وقد آثرنا هذه التسمية اعتمادا على ما جاء فى صدر الباب الأول من قول المؤلف:
«من أراد أن يعرف جوامع الكلم، ويتنبه على فضل «الإعجاز والاختصار» ويحيط ببلاغة الإيماء، ويفطن لكفاية الإيجاز: فليتدبر القرآن! فقد قدم الإعجاز على الإيجاز الذى هو الاختصار، وعطف أحدهما على الآخر.
وإن كنت أميل إلى ذلك العنوان الذى أشار إليه صاحب كشف الظنون ألا وهو:
«إعجاز الإيجاز» ويؤيدنى فى هذا أن الإمام الشيخ محمد عبده كتب رسالة أطال فيها وأطنب وأسهب، واعتذر فى آخرها عن الإطالة لأنه لم يكن لديه وقت لكى يوجز! فلاشك أن للإيجاز إعجازا ليس فى متناول الجميع! ولكنى أحببت أن يظل للكتاب عنوانه الذى عرف به يوم أن طبع للمرة الأولى، حتى لا يخيل للبعض أنه كتاب جديد غير ذلك الذى يعرفه الجميع باسم «إعجاز الإيجاز» .
وإذا كان الإمام «فخر الدين الرازى» قد اختصره- كما جاء فى كشف الظنون- فقد حرصت على أن أقدمه كاملا غير منقوص إلا من تلك الأبيات التى تصف «مجالس الشرب واللهو» - فما كان ينبغى لنا أن نمر عليها مر الكرام، وهى فى معية تلك النماذج العليا من القرآن الكريم، وجوامع الكلم من الحديث الشريف، وقلائد الشعر، ودرر الحكم! لم يكن بد من تهذيب الكتاب وتنقيته من تلك المختارات التى تناولت «مجالس الشرب واللهو والغزل غير العفيف» حرصا منى على أن يظل
[ ٩ ]
للفطرة السليمة نقاؤها، وللنفوس البريئة صفاؤها وطهرها! وليس هذا العمل بدعا، ولا من الممنوع شرعا، كما قال الإمام «محمد عبده» فى مقدمة «مقامات بديع الزمان الهمذانى»، فقد جرت سنة العلماء بالتهذيب والتمحيص، والتنقيح، والتلخيص، وليس من منكر عليهم فى شىء من ذلك! ولا شك أن لكل زمان مقال، ولكل خيال مجال! وأبناؤنا الناشئون فى حاجة إلى تلك النماذج العليا التى تنفعهم وتدفعهم إلى الكمال، وتصفى نفوسهم، وترقق مشاعرهم، وتسمو بأرواحهم! ١ ومهما يكن من شىء فإن الثعالبى الذى اختار له التعليم مهنة، وفضلها على «صناعة فراء الثعالب» قد أجاد الاختيار وقدمه لنا ولأبنائنا فى عشرة أبواب تضمنت النثر المشتمل على سحر البيان، والشعر المحاكى قطع الجمان «١» ! وما ظنك بمن لقّب بجاحظ زمانه، وجمع فى «يتيمته» من روائع الشعر حتى منتصف القرن الرابع الهجرى ما جعله بحق شاهدا على عصره! وصدق عليه قول ابن خلّكان فى وفيات الأعيان: «جامع أشتات النثر والنظم» .
لقد شهد أبو منصور العصر الثالث العباسى الذى نهض فيه الأدب فى ظل «الدّويلات»، فى العراق، وفارس، وخراسان، على يد «البويهيين»، كما نهض فى تركستان على يد «السّامانيين»، فى بخارى، ونيسابور، مسقط رأس أبى منصور! وها هو ذا كتابه يشهد له بالسبق والتفوق.
أرجو الله أن يمنحنى القدرة على استكمال إحياء مكتبته، وألا يحرمنى مثوبة هذا العمل عنده فهو ولى الإجابة، وإليه الإنابة.
[ ١٠ ]