دخلت عريب إلى المتوكل، وقد أفاق من علة، كانت أصابته، وعاد إلى عادته، وإصطبح، فغنته وأنشأت تقول:
شكرًا لأنعم من عافاك من سقم دمت المعافى من الآلام والسقم
عادت ببرديك للأيام بهجتها وإهتز نبت رياض الجود والكرم
ما قام بالجود بعد المصطفى ملك أعف منك ولا أرعى على الذمم
فعمر الله فينا جعفرًا ونفى بنور سنته عنا دجى الظلم
فطرب، وشرب عليه رطلًا، وأجلسها إلى جانبه، وما زالت تغنيه به ويشرب حتى سكر.
١٠٤ - قال عرفة ودخلت عليه، قبل نهوضه من العلة والحمى لعيادة، فقال لها: أنت مشغولة عني بالقصف وأنا عليل! فقالت هذا الشعر:
أتوني فقالوا: بالخليفة علة فقلت ونار الشوق تقدح في صدري:
[ ١٣٩ ]
ألا ليت بي حمى الخليفة جعفر فكانت بي الحمى، وكان له أجري
كفى حزنًا أن قيل حم فلم أمت من الحزن إني بعد هذا لذو صبر
جعلت فداء للخليفة جعفر وذاك قليل من ثناي من شكري
فلما عوفي، قالت ق٥٥:
حمدنا الذي عافى الخليفة جعفرًا على رغم أشياع الضلالة والكفر
فما كان إلا مثل بدر أصابه كسوف قليل ثم جلى عن البدر
سلامته للدين عز وقوة وعلته للدين قاصمة الظهر
مرضت، فأمرضت البرية كلها وأظلمت الأبصار من شدة الذعر
فلما إستبان الناس منك إفاقة أقاموا وكانوا كالنيام على الجمر
سلامة دنيانا سلامة جعفر فدام معافى سالمًا آخر الدهر
أقام يعم الناس بالعدل والتقى قريبًا من التقوى بعيدًا من الوزر
وغنت في الأبيات الأولى، نشيدًا وفي الثانية بسيطة.
وقالت فيه:
حمدنا الذي عافاك يا خير من مشى بأنفسنا الشكوى وكان له الأجر
أتوني فقالوا لي بجعفر علة فقلت لهم يا رب ما إنكسف البدر!
قال أبو الفرج: نسخت من كتاب جعفر بن قدامة: حدثني أبو عبد الله أحمد بن حمدون، قال: وصف للمتوكل موضع بشبداز، فأمر أن يبنى له قصر، ويجعل في صدره
[ ١٤٠ ]
ثلاثة أزواج، معقودة، ويصور فيها مثل تلك الصور، ويجمع حذاق الصناع، ويجعل فيه من المجالس، والحجر ما يصلح ففعل ذلك، فلما فرغ منه، أمر بأن تفرش له الأزج المصور، ففرش، وجلس فيه يشرب، فغنت عريب ق٥٦ في شعر: قالت فيه، وهو:
بالسعد واليمن ما ترى قصر شبداز حللته في سعادات وإعزاز
فإشكر لمن بك تمت فيه نعمته بناؤه تم في يسر وإيجاز
لو رام هذا لأعيا دون مبلغه دارا وقصر عنه ملك برواز
بجعفر وضحت سبل الهدى وبه راش البرية طرًا بعد إعواز
وحدثني إبن حمدون قال:
مرضت قبيحة فقال المتوكل لعريب قولي في علة قبيحة شيئًا وغنني فيه، ولكن قولك الشعر على لساني، يذكر أني قلق عليها فقالت عريب، وأنشأت تقول:
شبت قبيحة في قلبي لها حرقا وبدلت مقلتي من نومها أرقا
ما ذاك إلا لشكواها فقد عطفت قلبي على كل شاك بعدها شفقا
كأنها زهرة بيضاء قد ذبلت أو نرجس مسك من طيبها عبقا
إني لأرحم من حبي لها سلمتمن كل حادثة يا قوم من عشقا!
[ ١٤١ ]
وغنت فيه لحنًا من خفيف الرمل، فاستحسنه المتوكل وأمرها أن تدخل إلى قبيحة فتنشدها الشعر وتغنيها به، ففعلت.
فقالت لها قبيحة فأجيبيه عني فقالت:
يا سيدي أنت حقًا سمتني الأرقا! وأنت علمت قلبي الوجد والحرقا!
لولاك لم أتألم علة أبدًا لكن على كبدي أسرفت فإحترقا!
إذا شكوت إليه الوجد كذبني وإن شكا قال قلبي خيفة: صدقا!
وخرجت إليه أنشدته الشعر وغنت فيه وفي الشعر الأول، لحنًا واحدًا.
أخبرني جعفر بن قدامة، قال حدثني أحمد بن حمدون، قال: قال دخلت عريب على المعتمد يومًا، وهو مخمور يتململ خمارًا، فأخذت دواة ودرجًا، وقالت هذا الشعر، وغنت فيه لحنًا من الهزج، فجلس وقال: أحسنت وحياتك! ودعا بقدح فشربه، ودعا بالطعام، فأكل وشرب على الصوت بقية يومه، والشعر:
قلبي هام بأحمد لا بالظباء الخرد
بعديك كل أحمد بعد النبي أحمد:
الهاشمي الأبطحي القرشي المهتدي!
فأجازها، يومئذ، بجوائز سنية، حسنة، من مال وجوهر، وطيب وثياب.
أخبرني عمي الحسن بن محمد، قال حدثني أحمد بن المرزبان، قال: دخلت عريب على المتوكل، في أول يوم في المحرم، وهو مقيم
[ ١٤٢ ]
بالقاطول يشرب في الزو وقد قالت في ليلتها هذه الأبيات:
سنة وشهر قابلا بسعود وجه الخليفة إنه لسعيد
أشرب على ملك أتاك مجردًا في كل يوم ما تحب جديد
سنة إلى تسعين عقد حسابها وعنان ملك محكم معقود
فالزو والقاطول أحسن منظر وغنا عريب ما لذاك نديد
وغنت فيه رملًا حسنًا، فشرب عليه يومه ذلك، وأمر لها بخمسة الآف دينار جديد من ضرب السنة.
أخبرني جعفر بن قدامة، قال حدثني عبد الله بن المعتز قال: وقعت إلي رقاع لعريب، مكاتبات منثورة ومنظومة، فقرأت رقعة منها إلى المأمون وقد خرج إلى فم الصلح لزفاف بوران:
أنعم تخطتك صروف الردى بقرب بوران مدى الدهر
درة خدر لم يزل نجمها بنجم مأمون العلا يجري
حتى إستقر الملك في حجرها بورك في ذلك من حجر
يا سيدي لا تنس عهدي فما أطلب شيئًا غير ما تدري
قال عبد الله بن العتز، فذكرت ذلك لعجوز من جواري بوران فعرفت القصة، وحدثني أن المأمون قرأ الرقعة على بوران وقال لها أفهمت معنى الزانية؟! قالت نعم بالله يا سيدي ألا سررتني بالكتاب لحملها إليك فإني والله أسر
[ ١٤٣ ]
بذلك وأشكره من تفضلك فضحك ق٥٩ وأمر بالكتاب يحمل إليها.
ومن شعرها في المتوكل قولها:
بجعفر زادني الرحمان إيمانا جزاله العرش بالإحسان إحسانا
وزاد في عمره طولًا ومنزلة فيه وأعلا له في الأرض سلطانا
ولها فيه:
بوجه أمين الله جعفر أشرقت وإنبث في الأرض نورها
وقام خطيبًا فاكتسى العدل بهجة وعزت به التقوى ودام سرورها
ولها فيه:
بجعفر نام المسلمون توكلا على أنه عن أمرهم غير نائم
أقام رشيد الأمر في كل فعلة به هدر في كل باغ وظالم
ولها في المستعين:
بوجه المستعين يزيد حسنًا بنا قد جل عن كنه الصفات
وأم المستعين لها أياد سوابق في الندى متتابعات
على البركات حلت خير دار وأيمن طائر وعلى الثبات
أقامت في مجالس مونقات شوامخ بالسعود متوجات
بناء مشرق يزداد حسنًا بأحمد ذي العلا والمكرمات
[ ١٤٤ ]
ولها فيه ق٦٠:
أيها الطارقون في الأسحار أصبحونا، فالعيش في الابتكار
لآ تخافوا صرف الزمان علينا ما لصرف الزمان والأحرار
إنما المستعين بالله جار وهو بالله في أعز الجوار
ملك في جبينه كسنا البر ق ونور يعلو على الأنوار
حل بستان شاهك طائر الس عد بوجه الإمام ذي الأسفار
جدد الله فيه كل نعيم في معين بربوة وقرار
وبه النرجس المضاعف يدعو نا خلال الأشجار والأنهار
إنزلوا عندنا سرور مقيم وحديث يطيب للسمار
وبه زهر البنفسج تهت ز مع الورد في عراض البهار
ونبات الأترج قد قابل التف اح صلى صغاره بالكبار
وأغاني عريبًا إذ نثر الدر إذا ما شدت على الأوتار
وترى الأرض وجهها مشرق يضح ك بين النوار في الأشجار
وبها الصيد من حبارى ودرا ج وغر يصاد بالأطيار
ومتى شئت صدت فيها غزالًا وتصيد الحيتان في جوف دار
وترى الضب فيه والنوق والملا ح والحاديين خلف القطار
مجمع العير والسفين إليه فرضة البر فرضة للبحار
حكمة تعجز الشياطين عنها وإحتراق الزلال جوف المجاري
ما رأينا كسيد جمع الفض ل بحسن التدبير والأختيار
فاذا عاش للانام وصيف وبغا فالملك ثبت القرار
فهما جنة الأنام وسيفا هـ وأنصاره على الكفار
دام هذا وزاد فيه بمولا نا على رغم أنفس الأشرار
ولها فيه نصب وبسيطة هزج مطلق.
[ ١٤٥ ]
ومن شعرها في المستعين:
بارتياح الخليفة المستعين جمع الله كل دنيا ودين!
وبعدل الخليفة المستعين إستجارت من البكاء جفوني
ومنها قولها فيه:
بالمستعين إمام أمة أحمد عم الإله سوابغ النعماء
الله من على الإنام بملكه لولاه كانوا في دجى عشواء
يا خير م قصدت له آمالنا لسداد ثغر أو لبذل عطاء
أعطاك في العباس رب محمد ما يأمل الخلفاء في الأمراء
ووقاك فيه والرعية كلهاما تحذر الآباء في الأبناء
وآراكه من فوق منبر أحمد يتلو عليه مواعظ الخلفاء
ولها فيه ق٦٢:
بالمستعين أنارت الدنيا وصفا لأهل الطاعة المحيا
ملك إذا عدت محاسنه لم يستطع أحد لها إحصا
أبقاه في عز وعافية رب العلا ما شاء أن يبقى
ولها فيه:
بالمستعين الإمام أحمد قا م العدل فينا فالخير منتشر
بدا لنا يوم عقد بيعته يشرق نورًا كأنه القمر
فالحمد لله لا شريك له قد رزق الناس أحسن الخبر
[ ١٤٦ ]
ولها فيه:
بوجهك نستجير من الزمان ويطلق كل مكروب وعاني
أشعت العدل والإحسان حتى غدوت من المآثم في أمان
فنسأل ربنا عونًا بشكر فقد أعطاك مفروج الأماني
إذا سلم الأمام فكل نفس فداء المستعين من الزمان!
ومن شعرها في المعتز وأمه قبيحة، قولها:
إسلمي يا دار ذات الع ز للمعتز دارا
ثم كوني لولي الد هر خلدًا وقرارا
أبدًا معمورة ما طرد الليل النهارا
ويكون الله للدي ن وللإسلام جارا
ووليًا ونصيرًا حيث ما حل وسارا
يا أمير المؤمنين إختا رك الله إختيارا
وولاة العهد للدين، صغارًا وكبارا
دام لدهر لنا ما طلع النجم وغارا
ولها فيه خفيف وثقيل.
ولها في المعتمد تعاتبه:
بارك الله للإمام أبي العباس غيث الأنام في المعشوق
يا سيد البدر المنير كمالًا وإبن عم الهادي النبي الصدوق
[ ١٤٧ ]
فيم يا سيدي ومولاي أشم ت عدوي وسؤتني في صديقي؟
ولها فيه:
بالقمرين المنيرين أنارت الدنيا وتكففت عن أهلها البلوى
قمر السماء ووجه أحمد أنه في الحسن نال الغاية القصوى
[ ١٤٨ ]