[ ١١١ ]
كانت صفراء، مولدة من مولدات المدينة، فاشتراها علي بن هشام، لما حج وقدم بها معه، فكانت تقول الشعر في معاني، فتوجه وتداني به ما يهز من مديحه وأفعاله المستحسنة وأطرابه ومجالسه، وتغنى في أشعارها بذل ومتيم وغيرهما من جواريه.
أخبرني أبو العباس الهشامي المعروف بالمسك، قال: إ، شاعرة علي بن هشام عليه، وهجرته، فكتب إليها:
فإن كان هذا منك حقًا فإنني مداو الذي بيني وبينك بالهجر
[ ١١٣ ]
ومنصرف عنك إنصراف إبن حرة طوى وده والطي أبقى على النشر
فكتبت إليه:
إذا كنت في رقى هوى وتملك فلابد من صبر على مضض الصبر
وإغضاء أجفان طوين على قذى وإذعان مملوك على الذل والقسر
وذلك خير من معاداة مالك صبور على الإعراض والصد والهجر
وهي القائلة ترثي مواليها:
هل مسعد لبكاء بعبرة أو دماء
وذاك مني قليل للسادة النجباء
أبكيهم في صباحي بلوعة ومسائي
حدثني الهشامي قال: كتبت متيم وبذل كتابًا إلى علي بن هشام وهو بالجبل يتشوقانه، فقالت لهما مراد: إتركا لي في آخره، موضعًا، فتركاه، فكتبت إليه:
نفسي الفداء وقلبي للذي رحلا عنا وفارقنا وإستوطن الجبلا
نأى السرور وولى يوم ودعنا وخلف الهم فينا بعده بدلا
فغنت فيه متيم لحنًا من خفيف الرمل. وقالت لمراد قولي أشعارًا ترثين فيها مولاي حتى ألحنها الحان النوح، وأندبه بها فقالت عدة أشعار في مراثيه وناحت بها متيم.
[ ١١٤ ]
منها:
عين جودي بعبرة وعويل للرزيئات، لا لعافي الطلول
لعلي وأحمد وحسين ثم نصر وبعده للخليل
وصنعت فيها متيم الحانًا، لم تزل جواريها ونساء آل هشام ينحن بها، عليهم.
فحدثني بعض عجائز أهلها، قالت: إني لأذكر - وقد توفي بعض آل هشام - فجاء أهله بنوائح فنحن عليه نوحًا لم يبلغن ما أراد، وقام جواري متيم فنحن بشعر مراد وألحان متيم في النوح، فاشتغل المأتم وإرتفع البكاء والصراخ، وكانت ريق - جارية إبراهيم بن المهدي - قد جاءتنا قاضية للحق، فإني لأذكر من ترخص قولها:
لعلي وأحمد وحسين ثم نصر وقلبه للخليل
فبكت ريق بكاء شديدًا، ثم قالت: رضي الله عنك يا متيم، فقد كنت علمًا في السرور وأنت الآن علم في المصائب!
[ ١١٥ ]