ليس غريبا على إنسان اتخذ من القلم حرفته، أن يجيء إنتاجه الفكري خصبا وافرا، خصوصا وأنه قد عاش أكثر من قرن بأكمله! ولكن الظاهر أن حادثة إحراق التوحيدي لكتبه في أواخر أيام حياته قد حالت دون وصول الكثير من مصنفاته إلينا، فضلا عن أن بعض هذه الكتب لم يكن من المرغوب فيه، فلم يكن من المستحسن اقتناؤها أو الاحتفاط بها! ومن المعروف عن أبي حيان أنه كان غزير الإنتاج، حريصا على النقل والرواية، محبا للبحث والجدل. ولئن كان موضوع هذه الكتب لم يقف عند الفلسفة والأدب، بل قد امتد أيضا إلى الكلام والفقه والشريعة والتصوف والنحو واللغة، إلا أن أبا حيان قد التزم في معظمها أسلوبا واحدا، ألا وهو أسلوب المحاورة والمسامرة، فجاءت كتبه «سهلة المأخذ، بعيدة عن التكلف والتعسف، بريئة من اللبس والغموض» .
ونتيجة للإهمال الذي عاش فيه أبو حيّان طوال العشرين عاما الأخيرة من حياته مستترا متخفيا، أحرق كتبه لقلة جدواها وضنا بها على من لا يعرف قدرها بعد موته.
يقول السيوطي قائلا: لعل النّسخ الموجودة الآن من تصانيفه كتبت عنه في حياته وخرجت عنه قبل حرقها، وربما كان لاشتغاله بالنّسخ وتأليفه كتبه وتقديمها إلى بعض رؤساء عصره أملا في مجازاته عليها سببا في بقاء العديد منها ونجاته من الحرق.
وعندما أقدم أبو حيان على ذلك نحو عام ٤٠٠ هـ ١٠٠٩ م كتب إليه القاضي أبو سهل علي بن محمد يعذله على صنيعه ويعرّفه قبح ما اعتمد من الفعل وشنيعه.
فكتب إليه أبو حيّان معتذرا عن ذلك بكتاب مؤرخ في شهر رمضان سنة أربعمائة. ونظرا لأهمية هذا الكتاب الذي يوضح فيه أبو حيّان الأسباب الّتي دعته إلى
[ ١ / ١٧ ]
ذلك وكيف سبقه إلى هذا الفعل علماء كبار، وتراجعه فيه عن بعض ما اعتقده من أمور جعلت المتأخرين يتهمونه بالإلحاد والزّندقة، حيث يقول: «أسأل الله رب الأولين أن يجعل اعترافي بما أعرفه موصولا بنزوعي عما اقترفته. إنه قريب مجيب» فيما يلي نصّ هذا الكتاب المهم:
قال يقوت الحموي في كتابه: معجم الأدباء (٢٩٤- ٢٩٩) .
وكان أبو حيّان قد أحرق كتبه في آخر عمره لقلّة جدواها، وضنّا بها على من لا يعرف قدرها بعد موته.
وكتب إليه القاضي أبو سهل عليّ بن محمّد يعذله على صنيعه، ويعرّفه قبح ما اعتمد من الفعل وشنيعه. فكتب إليه أبو حيّان يعتذر من ذلك: حرسك الله أيّها الشّيخ من سوء ظنّي بمودّتك وطول جفائك، وأعاذني من مكافأتك على ذلك، وأجارنا جميعا ممّا يسوّد وجه عهد إن رعيناه كنّا مستأنسين به، وإن أهملناه كنّا مستوحشين من أجله، وأدام الله نعمته عندك، وجعلني على الحالات كلّها فداك.
وافاني كتابك غير محتسب ولا متوقّع على ظمإ برّح بي إليه، وشكرت الله تعالى على النّعمة به عليّ، وسألته المزيد من أمثاله، الّذي وصفت فيه بعد ذكر الشّوق إليّ، والصّبابة نحوي، ما نال قلبك والتهب في صدرك من الخبر الّذي نمى إليك فيما كان منّي من إحراق كتبي النّفيسة بالنّار وغسلها بالماء، فعجبت من انزواء وجه العذر عنك في ذلك، كأنّك لم تقرأ قوله جلّ وعزّ: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
وكأنّك لم تأبه لقوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ
، وكأنّك لم تعلم أنّه لا ثبات لشيء من الدّنيا وإن كان شريف الجوهر كريم العنصر، ما دام مقلّبا بيد اللّيل والنّهار، معروضا على أحداث الدّهر وتعاود الأيّام. ثمّ إنّي أقول: إن كان- أيّدك الله- قد نقب خفّك ما سمعت، فقد أدمى أظلي «١» ما فعلت، فليهن عليك ذلك، فما انبريت له، ولا اجترأت عليه حتّى استخرت الله ﷿ فيه أيّاما وليالي، وحتّى أوحى إليّ في المنام بما بعث راقد العزم، وأجدّ فاتر النّيّة، وأحيا ميّت الرّأي، وحثّ على تنفيذ ما وقع في الرّوع وتريّع في الخاطر، وأنا أجود عليك الان بالحجّة في ذلك إن طالبت، أو بالعذر إن استوضحت، لتثق بي فيما كان منّي، وتعرف صنع الله تعالى في ثنيه لي: إنّ العلم- حاطك الله- يراد للعمل، كما أنّ العمل يراد للنّجاة، فإذا كان العمل قاصرا عن العلم، كان العلم كلّا على العالم، وأنا أعوذ بالله من علم عاد كلّا وأورث ذلّا، وصار في رقبة صاحبه غلّا- وهذا ضرب من الاحتجاج المخلوط بالاعتذار- ثمّ اعلم علّمك الله الخير أنّ هذه الكتب حوت من أصناف العلم سرّه وعلانيته، فأمّا ما كان
[ ١ / ١٨ ]
سرّا فلم أجد له من يتحلّى بحقيقته راغبا، وأمّا ما كان علانية فلم أصب من يحرص عليه طالبا، على أنّي جمعت أكثرها للنّاس ولطلب المثالة منهم ولعقد الرّياسة بينهم ولمدّ الجاه عندهم فحرمت ذلك كلّه،- ولا شكّ في حسن ما اختاره الله لي وناطه بناصيتي، وربطه بأمري- وكرهت مع هذا وغيره أن تكون حجّة عليّ لا لي، وممّا شحذ العزم على ذلك ورفع الحجاب عنه، أنّي فقدت ولدا نجيبا، وصديقا حبيبا، وصاحبا قريبا، وتابعا أديبا، ورئيسا منيبا، فشقّ عليّ أن أدعها لقوم يتلاعبون بها، ويدنّسون عرضي إذا نظروا فيها، ويشمتون بسهوي وغلطي إذا تصفّحوها، ويتراءون نقضي وعيبي من أجلها فإن قلت: ولم تسمهم بسوء الظن، وتقرع جماعتهم بهذا العيب؟ فجوابي لك أن عياني منهم في الحياة هو الذي يحقق ظني بهم بعد الممات، وكيف أتركها لأناس جاورتهم عشرين سنة فما صح لي من أحدهم وداد، ولا ظهر لي من إنسان منهم حفاظ؟ ولقد اضطررت بينهم بعد الشهرة والمعرفة في أوقات كثيرة إلى أكل الخضر في الصحراء، وإلى التكفف الفاضح عند الخاصة والعامة، وإلى بيع الدين والمروءة، وإلى تعاطي الرياء بالسمعة والنفاق، وإلى ما لا يحسن بالحر أن يرسمه بالقلم، ويطرح في قلب صاحبه الألم، وأحوال الزمان بادية لعينك، بارزة بين مسائك وصباحك، وليس ما قلته بخاف عليك مع معرفتك وفطنتك، وشدة تتبعك وتفرغك، وما كان يجب أن ترتاب في صواب ما فعلته وأتيته بما قدّمته ووصفته، وبما أمسكت عنه وطويته، إما هربا من التطويل، وإما خوفا من القال والقيل. وبعد، فقد أصبحت هامة اليوم أو غد فإني في عشر التسعين، وهل لي بعد الكبرة والعجز أمل في حياة لذيذة، أو رجاء لحال جديدة؟ ألست من زمرة من قال القائل فيهم:
[الطويل]
نروح ونغدو كل يوم وليلة وعما قليل لا نروح ولا نغدو
وكما قال الآخر:
[الطويل]
تفوّقت درّات الصبا في ظلاله إلى أن أتاني بالفطام مشيب
وهذا البيت للورد الجعدي وتمامه يضيق عنه هذا المكان، والله يا سيّدي لو لم أتعظ إلا بمن فقدته من الإخوان والأخدان في هذا الصقع من الغرباء والأدباء والأحباء لكفى، فكيف بمن كانت العين تقرّ بهم، والنفس تستنير بقربهم، فقدتهم بالعراق والحجاز والجبل والري، وما والى هذه المواضع، وتواتر إلي نعيهم، واشتدت الواعية بهم، فهل أنا إلا من عنصرهم؟ وهل لي محيد عن مصيرهم؟ أسأل الله تعالى رب الأولين أن يجعل اعترافي بما أعرفه موصولا بنزوعي عما أقترفه، إنه قريب مجيب.
وبعد، فلي في إحراق هذه الكتب أسوة بأئمة يقتدى بهم، ويؤخذ بهديهم،
[ ١ / ١٩ ]
ويعشى إلى نارهم، منهم: أبو عمرو بن العلاء، وكان من كبار العلماء مع زهد ظاهر وورع معروف، دفن كتبه في بطن الأرض فلم يوجد لها أثر.
وهذا داود الطائي، وكان من خيار عباد الله زهدا وفقها وعبادة، ويقال له تاج الأمة، طرح كتبه في البحر وقال يناجيها: نعم الدليل كنت، والوقوف مع الدليل بعد الوصول عناء وذهول، وبلاء وخمول.
وهذا يوسف بن أسباط: حمل كتبه إلى غار في جبل وطرحه فيه وسد بابه، فلما عوتب على ذلك قال: دلّنا العلم في الأول ثم كاد يضلنا في الثاني، فهجرناه لوجه من وصلناه، وكرهناه من أجل ما أردناه.
وهذا أبو سليمان الداراني جمع كتبه في تنور وسجرها بالنار ثم قال: والله ما أحرقتك حتى كدت أحترق بك.
وهذا سفيان الثوري: مزق ألف جزء وطيرها في الريح وقال: ليت يدي قطعت من هاهنا بل من هاهنا ولم أكتب حرفا.
وهذا شيخنا أبو سعيد السيرافي سيد العلماء قال لولده محمد: قد تركت لك هذه الكتب تكتسب بها خير الأجل، فإذا رأيتها تخونك فاجعلها طعمة للنار.
وماذا أقول وسامعي يصدّق أن زمانا أحوج مثلي إلى ما بلغك، لزمان تدمع له العين حزنا وأسى، ويتقطع عليه القلب غيظا وجوى وضنى وشجّى، وما يصنع بما كان وحدث وبان، إن احتجت إلى العلم في خاصة نفسي فقليل، والله تعالى شاف كاف، وإن احتجت إليه للناس ففي الصدر منه ما يملأ القرطاس بعد القرطاس، إلى أن تفي الأنفاس بعد الأنفاس، «ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون» . فلم تعنّى عيني- أيدك الله- بعد هذا بالحبر والورق والجلد والقراءة والمقابلة والتصحيح وبالسواد والبياض، وهل أدرك السلف الصالح في الدين الدرجات العلى إلا بالعمل الصالح، وإخلاص المعتقد والزهد الغالب في كل ما راق من الدنيا وخدع بالزبرج، وهوى بصاحبه إلى الهبوط؟ وهل وصل الحكماء القدماء إلى السعادة العظمى إلا بالاقتصاد في السعي، وإلا بالرضا بالميسور، وإلا ببذل ما فضل عن الحاجة للسائل والمحروم؟ فأين يذهب بنا وعلى أي باب نحط رحالنا؟؟ وهل جامع الكتب إلا كجامع الفضة والذهب؟ وهل المنهوم بها إلا كالحريص الجشع عليهما؟ وهل المغرم بحبها إلا كمكاثرهما؟ هيهات، الرحيل والله قريب، والثواء قليل، والمضجع مقض، والمقام ممض، والطريق مخوف والمعين ضعيف، والاغترار غالب، والله من وراء هذا كله طالب، نسأل الله تعالى رحمة يظلنا جناحها، ويسهل علينا في هذه العاجلة غدوها ورواحها، فالويل كل الويل لمن بعد عن رحمته بعد أن حصل تحت قدره. فهذا هذا.
[ ١ / ٢٠ ]
ثم إني- أيدك الله- ما أردت أن أجيبك عن كتابك لطول جفائك، وشدة التوائك عمن لم يزل على رأيك مجتهدا في محبتك على قربك ونأيك، مع ما أجده من انكسار النشاط وانطواء الانبساط لتعاود العلل علي وتخاذل الأعضاء مني، فقد كلّ البصر وانعقد اللسان وجمد الخاطر وذهب البيان، وملك الوسواس وغلب اليأس من جميع الناس، ولكني حرست منك ما أضعته مني، ووفيت لك بما لم تف به لي، ويعزّ علي أن يكون لي الفضل عليك، أو أحرز المزية دونك، وما حداني على مكاتبك إلا ما أتمثله من تشوقك إلي وتحرقك علي، وأن الحديث الذي بلغك قد بدد فكرك، وأعظم تعجبك، وحشد عليك جزعك، والأول يقول:
وقد يجزع المرء الجليد ويبتلي عزيمة رأي المرء نائبة الدهر
تعاوده الأيام فيما ينوبه فيقوى على أمر ويضعف عن أمر
على أني لو علمت في أي حال غلب علي ما فعلته، وعند أي مرض وعلى أية عسرة وفاقة لعرفت من عذري أضعاف ما أبديته، واحتججت لي بأكثر مما نشرته وطويته، وإذا أنعمت النظر تيقنت أن لله جلّ وعزّ في خلقه أحكاما لا يعازّ عليها ولا يغالب فيها، لأنه لا يبلغ كنهها ولا ينال غيبها، ولا يعرف قابها ولا يقرع بابها، وهو تعالى أملك لنواصينا، وأطلع على أدانينا وأقاصينا، له الخلق والأمر، وبيده الكسر والجبر، وعلينا الصمت والصبر إلى أن يوارينا اللحد والقبر، والسلام. إن سرّك- جعلني الله فداك- أن تواصلني بخبرك، وتعرفني مقر خطابي هذا من نفسك فافعل فإني لا أدع جوابك إلى أن يقضي الله تعالى تلاقيا يسر النفس، ويذكر حديثنا بالأمس، أو بفراق نصير به إلى الرمس، ونفقد معه رؤية هذه الشمس، والسلام عليك خاصّا بحقّ الصفاء الذي بيني وبينك، وعلى جميع إخوانك عاما بحق الوفاء الذي يجب عليّ وعليك، والسلام.
وكتب هذا الكتاب في شهر رمضان سنة أربعمائة «١» . [اهـ]