ومرّ بعد ذلك في عرض السّمر: ما تقلّد امرؤ قلادة أفضل من سكينة. فقال:
ذكّرتني شيئا كنت مهتمّا به قديما، والآن قرعت إليّ بابه، ما السكينة؟ فإني أرى أصحابنا يردّدون هذا الاسم ولا يبسطون القول فيه.
فكان من الجواب:
سألت أبا سليمان عن السكينة ما هي؟ فقال: السكائن كثيرة: طبيعيّة، ونفسيّة وعقليّة، وإلهيّة. ومجموعة من هذه بأنصباء مختلفة، ومقادير متفاوتة ومتباعدة.
والسكينة الطبيعيّة اعتدال المزاج بتصالح الأسطقسّات، تحدث به لصاحبه شارة تسمّى الوقار، ويكون للعقل فيها أثر باد، وهو زينة الرّواء المقبول.
والسكينة النفسية مماثلة الرّويّة للبديهة، ومواطأة البديهة للرويّة، وقصد الغاية بالهيئة المتناسبة، يحدث بها لصاحبها سمت ظاهر ورنوّ دائم وإطراق لا وجوم معه، وغيبة لا غفلة معها، وشهامة لا طيش فيها.
والسكينة العقليّة حسن قبول الاستفاضة بنسبة تامة إلى الإفاضة، ومعنى هذا أن القابل مستغرق بقوّة المقبول منه، وبهذه الحال يحدث لصاحبها هدى يشتمل على وزن الفكر في طلب الحقّ مع سكون الأطراف في أنواع الحركات.
والسكينة الإلهية لا عبارة عنها على التحديد، لأنها كالحلم في الانتباه وكالإشارة في الحلم، وليست حلما ولا انتباها في الحقيقة، لأن هذين نعتان محمودان في عالم السيلان والتبدّل، جاريان على التخيل والتجوّز بزوائد لا ثبات لها ونواقص لا مبالاة بها، روحانيّة في روحانيّة، كما يقال: «هذا صفو هذا»، و«هذا صفو الصّفو» ومن لحظ هذه الكيفية وبوشر صدره بهذه الحقيقة استغنى عن رسوم محدودة بألف ولام، وحقائق مكنونة في عرض الكلام، وإذا جهلنا أشياء هي لأهل الأنس بلغات قد فطروا عليها، وعبارات أنسوا بها، كيف نجد السّبيل إلى الإفصاح والإشارة إليها.
فهذا باب واضح، والطمع في نيله نازح، وإذا كان المنال صعبا في الموضع الذي عمدنا إليه، فكيف يكون حالنا في البحث عما في حيّز الألوهيّة وبحبوحة الرّبوبيّة، ولا كون هناك ولا ما نسبته للكون، وأقوى ما في أيدينا أن نتعلّل بالوجود،
[ ١ / ١٤٤ ]
فالموجود والوجدان والجود، وهذه كلّها غليظة بالإضافة إلينا وفوق الدقيقة بالإضافة إلى أعيانها.
فعلى هذا: الصمت أوجد للمراد من النّطق، والتسليم أظفر بالبغية من البحث.
قال البخاريّ: فشيء كهذا بدقيقه وإشكاله، وغموضه وخفائه، كيف يظهر على جبلّة بشريّة وبنية طينيّة وكمّيّة مادّيّة وكيفيّة عنصريّة؟
فقال: يا هذا، إنما يشعّ من هذه السكينة على قدر ما استودع صاحبها من نور العقل، وقبس النفس، وهبة الطبيعة، وصحّة المزاج، وحسن الاختيار واعتدال الأفعال، وصلاح العادة، وصحة الفكرة، وصواب القول، وطهارة السرّ ومساواته للعلانية، وغلبته بالتوحّد، وانتظام كلّ صادر منه ووارد عليه.
وهاهنا تمّحى الجبلّة البشريّة، وتتبدّد الجبلّة الطّينيّة، وتبيد الكميّة المادّيّة وتعفو الكيفيّة العنصريّة، ويكون السلطان والولاية والتصريف والسياسة كلّها لتلك السكينة التي قدّمنا وصفنا لها، واشتدّ وجدنا بها، وطال شوقنا إليها ودام تحديقنا نحوها، واتصل رنوّنا إليها، وتناهت نجوانا بذكرها.
وهذا هو الخلع الّذي سمعت بذكره، واللّباس الذي سألت عنه، أعني خلع ما أنت منه إنسان، ولبس ما أنت به ملك. الله المستغاث منكم، ما أشدّ بلواي بكم، لم [لا] تتحرّكون إلا إلى ما لا سكون لكم فيه؟ ولم تسألون عمّا لا اطلاع لكم عليه؟
سلوا ربّكم أعينا بصيرة، وآذانا واعية، وصدورا طاهرة، وقوّة متتابعة، فإنكم إذا منحتموها هديتم لها، وإذا حرمتموها قطعتم دونها، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله.
قال البخاريّ: وقد تركنا يا سيّدنا حديث السكينة المجموعة من هذه الجملة بأنصباء مختلفة.
فقال: لا عجب أن ينشأ العالم بكلّ ما فيه في هذه الحومة التي لذنا بها وحاولنا الوصول إليها، وأيّ شيء أعجب في هذا المقام، ورسم أو قوام، أو ثبات أو دوام، إلّا له نصيب من عناية الله تعالى الكريم.
نعم، والسكينة المجموعة من كلّ ما سلف القول فيه تقاسمها نوع الإنسان بالزيادة والنقصان، والغموض والبيان، والقلّة والكثرة، والضّعف والقوّة، وهذا يتبيّن بأن تقسم الطيش والحدّة والعجلة والخفّة على أصحابها، فتجد التفاوت ظاهرا.
وكذلك إذا قسمت الهدوء والقرار والسكون والوقار على أهلها، فإنك تجد التباين مكشوفا والاختلاف ظاهرا.
ثم قال: أما السكينة الّتي هي في أعلى المراتب فهي لأشخاص هم فوق البشر،
[ ١ / ١٤٥ ]
وليس لهم نسبة من الخلق إلا الخلقة الحسّيّة والعشرة البشريّة، وإلّا فهم في ذروة عالية، ومحلّة إلهيّة.
قال: وأمّا السكينة التي تلي هذه فهي للأنبياء على اختلاف حظوظهم منها لأنّها مرتبات تنقسم بين المنام واليقظة انقساما متفاوتا بالعرض الحامل للصّدق وللشبيه بالصدق، وللحقّ وللقرب من الحق، وللصحيح والتالي للصحيح، ثم يختلف بيانهم عن ذلك بالتعريض والإيضاح، والكناية والإفصاح، والتشبيه والاستعارة.
قال: فأمّا السكينة التي تتلو هذه فهي التي تظهر على طائفة تخلف الأنبياء، وذلك أنّ بقايا قواهم يرثها الّذين صحبوهم، واستضاءوا بنورهم، وفهموا عنهم، ولقّنوا منهم، ودخلوا في زمرتهم، وحاكوهم في الشّمائل والأخلاق، وسلكوا منهاجهم في القياد والسياق، وصلحوا سفراء بين الأبعدين، كما كانوا سجراء «١» للأقربين، وهم الذين يفسرون الغامض، ويوضحون المشكل، ويبسطون المطويّ، ويشرحون المكنيّ، ويبرزون المراد والمعنى، ويوطّدون الأساس، ويرفعون الالتباس، وينفون الوحشة ويحدثون الإيناس.
وأما السكينة الباقية فهي مفضوضة على أتباع هؤلاء بالسّهام العلويّة، والمقادير العدليّة، والمناسيب العقليّة، من غير جور ولا حيف، ولا انحراف ولا ميل.
فقال البخاريّ: أهي- أعني السكينة- في معنى فاعلة أو مفعولة؟
فقال: الفضاء أعرض مما تظن، وإن كان في غاية العرض، والذّروة أعلى من أن ترام وإن كان الإنسان يطلبها بالبسط والقبض.
هي بوجه في معنى فاعلة إذا شعرت بتأثيرها، وبوجه آخر في معنى مفعولة إذا شعرت بتأثرها. وبوجه آخر، ليست من هذين القبيلين في شيء إذا لحظتها في معانيها قبل تأثيرها وتأثرها، وأنت تعتبر حد الفاعل والمفعول من شكل اللفظ ووزن الترتيب، بشائع العادة وقائم العرف، والسكينة وراء هذا كلّه بالحق والواجب والصحة والتمام فإنها صراط الله للمخصوصين بالاستقامة عليه، فإذا شهدت المخصوص بها كانت عبارتك عن الملحوظ منها مشاكلة لعبارتك عن أخلاق رضيّة وأحوال مرضيّة، وإذا شهدت ذلك المعنى من معاني الحق كانت عبارتك متلجلجة لا نظام لها ولا تعادل ولا اتساق على العادة الجارية والحال الطارئة، فأحقّ ما ينبغي لطالب الحكمة واللائذ بهذه الحومة أن يبحث وينظر، ويكشف وينقّر، ويستقصي ويسبر ويسأل ويستبصر، حتى إذا بلغ هذه الآفاق، وشهد هذه الأعلام، ووجد الصّواب الذي لا شوب فيه، وصادف اليقين الذي لا ريب معه، وعرف الاستنابة التي تغني عن البيان، وذاق
[ ١ / ١٤٦ ]
المعنى الذي هو فوق العيان، أمسك وانتهى، ووقف واستغنى لا لعرض ظلام غشيه، ولكن لسلطان شعاع ملكه، لأن ذلك النور محيط بكل شيء دونه، ومستول على كلّ شيء تحته.
وكان يقول في هذا الفنّ إذا جدّ به الكلام وبدا منه المكتوم وشرد عنه الخاطر، ما لا يوعى بحفظ، ولا يروى بلفظ.
وإنما كان أصحابنا ينتظرون منثوره بهذه الحروف لفظا لينظموا منه شذرا وعقدا، وكانوا إذا تلاقوا اشتركوا في تقويم ذلك كلّه، وتعاونوا على تحبيره، وتصادقوا على مفهومهم منه، وتجنّبوا المنازعة والشغب عليه، وأخذوا بالعفو والممكن منه، لئلّا يفوتهم المعنى، ولا يتحيّرون في المنتهى.
وسأله الأندلسي في هذا المجلس عن الأمم وأحوالها، ونقصها وكمالها.
فقال: اشتركت الأمم في جميع الخيرات والشرور، وفي جميع المعاني والأمور، اشتراكا أتى على أول التفاوت ووسطه وآخره، ثم استبدّت كلّ أمة بقوالب ليست لأختها، واشتراكهم فيها كالأصول واستبدادهم كالفروع، وفيما اشتركوا فيه المحمود والمذموم.
ولم يجز في الحكمة الإلهية غير هذه القسمة، لأن الاشتراك لو سبق بلا تفاوت لم يكن اشتراكا، والتقاسم لو عري من الاتفاق لم يكن تقاسما، فصار ما من أجله يفترقون، به يجتمعون، وما من أجله ينتظمون، به ينتثرون.
فعلى هذا اشتركوا في الأخلاق واللّغات، والعقائد والصناعات، وجرّ المنافع ودفع المضارّ، مع اختلافهم فيها بنوع ونوع.
ألا ترى أنّ لغة الهند غير لغة الروم، وكذلك الصناعة والعقيدة وما يجري مجراهما، إلا أنّهم مع هذه الأصول والقواعد تقاسموا أشياء بين الفطرة والتنبيه، وبين الاختيار والتقدمة، فصار الاستنباط والغوص والتنقير والبحث والاستكشاف والاستقصاء والفكر ليونان. والوهم والحدس والظن والحيلة والتحيّل والشعبذة للهند.
والحصافة واللفظ والاستعارة والإيجاز والاتساع والتصريف والسّحر باللسان للعرب، والرويّة والأدب والسياسة والأمن والترتيب والرسوم والعبوديّة والرّبوبيّة للفرس.
فأمّا التّرك فلها الشجاعة. والعرب تشاركها إما بالزيادة وإما بالمساواة، وليس للترك بعد هذا حظّ ولا دراية إلّا بقسط من الظلّ من الشخص.
والعرب مع منطقها البارع لها المزيّة المعروفة على الترك بعد في السياسة وإن كانت قاصرة، وأمّا الزّنج والسودان فغلبت عليها الفسولة وشاكلت البهائم الضعيفة، كما شاكلت الترك السّباع القويّة.
[ ١ / ١٤٧ ]
قيل له: إن أبا زيد قد عمل كتابا في أخلاق الأمم. قال: قد رأيته وقرأته وقد أفاد، وكلّ من تكلم على طريقة الحكماء الّذين يتوخّون من الأمور لبابها، ويصرفون عنها قشورها، فله السابقة والتقدّم على من يخبط كفلان وفلان.
ومن جحد بلاغة العرب في الخطابة وجولانها كلّ مجال وتميّزها باللسان فقد كابر.
ومن أنكر تقدّم يونان في إثارة المعاني من أماكنها وإقامة الصناعات بأسرها، وبحثها عن العالم الأعلى والأوسط والأسفل فقد بهت.
ومن دفع مزيّة الفرس في سياستها وتدبيراتها وترتيب الخاصّة والعامّة بحقّ ما لها وعليها فقد عاند.
وهكذا من دفع ما للهند.
فليس من شخص وإن كان زريّا قميئا إلّا وفيه سرّ كامن لا يشركه فيه أحد، وإذا كان هذا في شخص على ما قلنا، فكيف إذا نظرت إلى ما يحويه النوع. وهكذا إذا ارتقيت إلى الجنس، وهذا لأن عرض الجنس أوسع من عرض النوع، كما أن عرض النوع أوسع من عرض الشخص، وليس دون الشخص تحت، كما أنه ليس فوق الجنس فوق. وأما انقسام هذه الثلاثة على هذا فليكون فضاء العالم غاصّا بالطّرف والوسط والأفق وليكون سحّا بالغا من المصدر إلى المورد.
وعلى هذا لولا الجنس لم يوجد نوع، ولولا النوع لم يوجد شخص.
وكذلك العكس.
قال أبو سعيد الطبيب: أللعالم العلويّ أجناس وأنواع وأشخاص؟
قال: كيف يخلو العالم العلويّ من هذا التقسيم، وإنما هذا الذي لحقنا في العالم السّفلي حكاية ذلك العالم العلويّ حذو النعل بالنعل والقذّة بالقذّة.
فقال له مستزيدا: فهل في البسائط الإلهيّة أجناس وأنواع وأشخاص؟
فقال: لا، إلا أنّ يتخذ شيء من هنالك قراره في معارض العالم السّفليّ بقوّة العالم العلويّ، وذلك كالبرق إذا خطف، والنسيم إذا لطف.
قال: فهل ينال البسائط نقص بالإخبار بالأجزاء المركبة عنها كما ينال المركّبات كمال بالأجزاء البسيطة عنها؟
فقال، لا، لأنّ ما علا يؤثّر ولا يقبل التأثير، وما سفل يتأثّر. ألا ترى أنّ ما علا من الكواكب لا يتّصل بشيء دونه، وما سفل منها يتصل بما علا عنه.
وقال له أيضا: إذا قلنا: الرّوحانيّات، فماذا ينبغي أن يلحظ منها؟
فقال: الروحانيات على أقسام، فقسم منها متبدّد في المركّبات من الحيوان والجماد، وقسم منها مكتنف للحيوان والجماد، وبحسب هذا الاكتناف هو أبسط وألطف من القسم الأوّل المتبدّد، وقسم منها فوق القسم المكتنف، وهو الّذي منه
[ ١ / ١٤٨ ]
مادّة المحيط، وقسم آخر فوق هذا الممتدّ، ثم فوق هذا ما لا يملكه وهم، ولا يدركه فهم، وذلك أنه في جناب القدس وحيث لا مرام لشيء من قوى الجنّ والإنس.
وسألت أبا سليمان فقلت: إنّ عليّ بن عيسى الرمّانيّ ذكر أن التمكين من القبيح قبيح، لأن التمكين من الحسن حسن. فلو كان التمكين من القبيح قبيحا مع كونه من الحسن حسنا كان حسنا قبيحا، وهذا تناقض، كيف صحّة هذا الّذي أومأ إليه؟
فقال: أخطأت، لأن التمكين وحده اسم مجرّد لشيء محدّد، والأسماء المحدّدة دلالتها على الأعيان لا على صفات الأعيان أو ما يكون من الأعيان أو ما يكون في الأعيان.
والتمكين معتبر بما يضاف إليه ويناط به، فإن كان من القبيح فهو قبيح لأنّه علّة القبيح، وإن كان من الحسن فهو حسن لأنه سبب الحسن.
وهذا كما تقول: هذا الدرهم نافع أو ضارّ؟ فيقال: إن صرفته فيما ينبغي فهو نافع، وإن أنفقته فيما لا ينبغي فهو ضارّ، وكذلك السّيف في الآلات، وكذلك اللّفظ في الكلمات، والإضافة قوّة إلهيّة سرت في الأشياء سريانا غريزيا قاهرا متملكا قاسرا، فلاجرم لا ترى حسيّا أو عقليّا أو وهميّا أو ظنيّا أو علميّا أو عرفيّا أو عمليّا أو حلميا أو يقظيا إلا والتصاريف سارية فيها، والإضافة حاكمة عليها.
وهذا لأن الأشياء بأسرها مصيرها إلى الله الحقّ، لأنّ مصدرها من الله الحقّ، فالإضافة لازمة، والنسبة قائمة، والمشابهة موجودة. ولولا إضافة بعضنا إلى بعض ما اجتمعنا ولا افترقنا، ولولا الإضافة بيننا الغالبة علينا ما تفاهمنا ولا تعاونّا.
قال: إذا كنّا بالتضايف نتوالى، فبأيّ شيء بعده نتعادى؟
قال: هذا أيضا بالإضافة، لأن الإضافة ظلّ، والشخص بالظلّ يأتلف، وبالظلّ يختلف.
وقال: ويزيدك بيانا أنّ العدم والوجود شاملان لنا، سائران فينا فبالوجود نتصادق، وبالعدم نتفارق.
وسأل «١» مرّة عن الطّرب على الغناء والضرب وما أشبههما.
فكان من الجواب: قيل لسقراط فيما ترجمه أبو عثمان الدمشقيّ: لم طرب الإنسان على الغناء والضرب؟ فقال: لأنّ نفسه مشغولة بتدبير الزمان من داخل ومن خارج، وبهذا الشغل هي محجوبة عن خاصّ ما لها.
فإذا سمعت الغناء انكشفت عنها بعض ذلك الحجاب، فحنّت إلى خاصّ ما لها من
[ ١ / ١٤٩ ]
المثالات الشريفة والسعادات الرّوحانيّة من بعد ذلك العالم، لأن ذلك وطنها بالحقّ.
فأمّا هذا العالم فإنّها غريبة فيه، والإنسان تابع لنفسه، وليست النفس تابعة للإنسان، لأنّ الإنسان بالنفس إنسان، وليست النفس نفسا بالإنسان، فإذا طربت النفس- أعني حنّت ولحظت الرّوح الّذي لها- تحرّكت وخفّت فارتاحت واهتزّت.
ولهذا يطرح الإنسان ثوبه عنه، وربّما مزّقه كأنّه يريد أن ينسلّ من إهابه الذي لصق به، أو يفلت من حصاره الّذي حبس فيه، ويهرول إلى حبيبه الّذي قد تجلّى له وبرز إليه.
إلّا أنّ هذا المعنى على هذا التنضيد إنّما هو للفلاسفة الّذين لهم عناية بالنفس والإنسان وأحوالهما.
وأمّا غيرهم فطربهم شبيه بما يعتري الطير وغيرها، وانصرفت.
[ ١ / ١٥٠ ]