ولما عدت في الليلة الأخرى ونعمت بهذه الفضيلة، تفضّل وقال: ما في العلم شيء إلّا إذا بدئ بالكلام فيه اتّصل وتسلسل حتّى لا يوجد له مقطع ولا منفذ. ثم قرأت عليه نوادر الحيوان، وغرائب ما كنت سمعته ووجدته، فزاد عجبا وأنا أرويه في هذا المكان حتى يكون تذكرة وفائدة- إن شاء الله تعالى.
يقال: إن أسنان الرجل اثنتان وثلاثون سنا.
وأسنان المرأة ثلاثون سنا.
وأسنان الخصيّ ثمان وعشرون سنّا.
وأسنان البقر أربع وعشرون سنا.
وأسنان الشاة إحدى وعشرون سنا.
وأسنان التّيس ثلاث وعشرون.
وأسنان العنز تسع عشرة سنا.
الذي ذكر من أصناف الحيوان أنه يكتسب معاشه ليلا: البومة والوطواط.
ومن الحيوان الوحشيّ ما يستأنس سريعا: الفيل.
ويحكى أن الحيوان الذي أسنانه قليلة عمره قصير، والذي أسنانه كثيرة عمره طويل.
الفيل إذا ولد نبتت أسنانه في الحال، فأمّا أسنانه الكبار وأنيابه الكبار فتظهر إذا شبّ وكبر.
قلب جميع الحيوان موضوع في الوسط من الصدر ما خلا الإنسان، فإن قلبه مائل إلى الجانب الأيسر.
الأفعى تبيض في رحمها، ثم يصير هناك حيوانا.
الشعر المولود مع الإنسان شعر الرأس والأشفار والحاجبين.
وأول ما ينبت بعد ذلك شعر العانة وشعر الإبطين وشعر اللحية:
(إن خصي الإنسان قبل احتلامه لم ينبت في جسده الشعر الذي يتأخّر نباته، وإن خصي بعد احتلامه فإن ذلك الشعر يزول، ما خلا شعر العانة فإنّه يبقى) .
[ ١ / ١١٨ ]
المرأة إذا احتبس طمثها ربما خرج لها شعر يسير في موضع اللّحية.
شعر الحاجبين ربما طال عند الكبر.
وشعر الأشفار لا يطول.
للأرانب في داخل أشداقها شعر، وكذلك تحت أرجلها.
القنفذ في فيه خمس أسنان في عمقه.
والبرّيّة منها تسفد قائمة وظهر الأنثى لاصق بظهر الذكر.
الرجال يشتاقون إلى الجماع في الشتاء، والنساء في الصيف.
الخنزير إذا تمت له من ولادته ثمانية أشهر ينزو على الأنثى.
الكلبة تحمل وتبقى ستين يوما ويوما، وهذا أطول ما يكون، ولا تضع قبل أن يتم حملها ستين يوما، فإن وضعت قبل ذلك فإنها لا تربّي ولا يبقى لها ولد.
الفيل الذكر ينزو إذا تمت له خمس سنين، وزمان هياجه ونزوه أيام الربيع والأنثى تحمل سنتين، ولا تضع إلا واحدا.
إذا باض الطائر وما كان من أصنافه يخرج من البيضة الطرف العريض ثم يرق بعد ذلك.
كل ما كان من البيض مستطيلا محدّد الطرف فهو يفرخ الإناث وما كان مستديرا عريض الأطراف يفرخ الذكور.
وجرّب من إناث الطير أنها إذا لم تجلس على البيض تمرض.
القبج إذا هاج ووقفت الأنثى قبالة الذكر، وهبت الريح من ناحية الذكر مقبلة إلى ناحيتها حملت من ساعتها.
الحمامة إذا نتفت ريشة من ريشها احتبس بيضها أكثر مما لها بالطبع.
مبدأ خلق الفرخ من بياض البيضة، وغذاؤه من الصّفرة، فإذا خرج فرخان كان أحدهما أكبر جثّة من الآخر، والذكر منهما من البيضة الأولى ومن الثانية الأنثى.
الفاختة تعيش أربعين عاما.
والحجل يعيش عشرين عاما.
الرخمة تفرخ على صخور مشرفة عالية لا ينالها أحد، ولا توجد رخمة وفراخها إلا في الفرط «١» .
العقاب يجلس على البيض ثلاثين يوما، وكذلك كلّ طائر عظيم الجثّة مثل الإوزّ وما أشبهه، والمتوسط الجثّة يجلس على البيض عشرين يوما، كالحدأة والبزاة وما أشبه ذلك.
[ ١ / ١١٩ ]
إناث الغربان تجلس على البيض جلوسا دائما، والذكر يأتيها بالطعم حينئذ.
الحجل تعمل عشّين يجلس الذّكر على واحد، والأنثى على واحد.
الطاوس يعيش خمسا وعشرين سنة، وفي هذه المدة تنتهي ألوان ريشه.
ويحضن بيضه ثلاثين يوما. قيل: وربّما أكثر قليلا، ويبيض في كلّ سنة مرّة واحدة، وعدد بيضة اثنتي عشرة بيضة، ويلقي ريشه في زمن الخريف وبعده قليلا، وذلك حين يلقي الشجر ورقه، فإذا بدا أوّل الشجر وظهرت فروعه، ونبت ورقه بدأ ريشه ينبت.
الدّلفين له لبن، ويرضع، ويحمل عشرة أشهر، وتلد في الصّيف ولا تلد في زمان آخر البتّة، وربّما غاب تحت الموج في الماء ثلاثين يوما لا يظهر، وهو محبّ لخرئه يأكله.
الجمل الذّكر يكره قرب الفرس ويقاتله إذا تمكّن منه.
الشاة إن مطرت بعد نزوها انتقض حملها.
الغنم إذا أنزيت والريح جنوب تضع أولادها إناثا، وإن كانت العروق الّتي تحت ألسن الكباش الفحول بيضا فإنّ إناث الغنم تضع حملانا بيضا، وإن كانت العروق سودا فإنها تضع حملانا سودا. وإن كانت لونين تكون مختلفة، وإن كانت شقرا خرجت شقرا.
الغنم إذا هاجت المسنّة منها أوّلا فالسنة ذات خصب، وإن هاجت الفتيّة أوّلا فالسنة رديئة على الغنم.
الكلب السّلوقيّ ينزو إذا تم له ثمانية أشهر، والأنثى منها تحمل ستين يوما، وربما زادت يوما أو يومين، وجراؤها عميّ اثنين وعشرين يوما. ومنها ما تحمل ثلاثة أشهر وتكون جراؤها عميا سبعة عشر يوما.
إناث الكلاب تطمث في كلّ سبعة أيام وتبول جالسة، ومنها ما ترفع رجلها عند البول.
ذكور الكلاب ترفع أرجلها للبول إذا تمت لها من ولادتها ثمانية أشهر وبعضها في ستة أشهر.
ذكور الكلاب السّلوقيّة تعيش عشر سنين، وإناثها اثنتي عشرة سنة، ومن أجناسها ما تعيش عشرين سنة، وإناثها كلّها أطول أعمارا من الذكور.
قال أوميروس الشاعر: إن كلب أديسوس هلك وهو ابن عشرين سنة.
وليس تلقى الكلاب شيئا من أسنانها سوى النابين، فإذا تمّ للكلب أربعة أشهر أبقاهما.
[ ١ / ١٢٠ ]
البقر تلقي أسنانها لسنتين، وإذا كثر نزو الذكور منها وحمل الإناث يكون ذلك علامة شتاء وجود أمطار وخصب، وإناثها تطمث.
إناث الخيل تضع أولادها في أحد عشر شهرا، أو في الثاني عشر.
الحيّات رغبة نهمة، قليلة شرب الماء، لأنها لا تضبط أنفسها، وإذا شمت الشراب فإنها تشتاق إليه جدّا.
الأسد إذا بال رفع رجله كما يرفع الكلب.
البقر تشتهي شرب الماء الصافي النقي، والخيل على الضد فإنها تشرب مثل الجمال الماء الكدر الغليظ.
الغنم في الخريف تشرب الماء الذي تصيبه ريح الشمال، وذلك الوقت أوفق لها.
الدّرّاج إذا هبّت الريح شمالا تتزاوج وتخصب، وإن كانت جنوبا ساءت حالها ومرضت.
السمك الذي يأوي إلى الشطوط من ناحية البرّ ألذّ من الذي يأوي اللّجج وما كان منها مستطيل الجثة فهو يخصب في الصّيف وهبوب الشمال، والعريض الجثة على ضد ذلك، وأكثر ما يصاد السمك قبل طلوع الشمس لكلبه على الرعي، وطلب الطّعم.
والسمك الجاسي الجلد يخصب في السنة المطيرة، لأن ماء البحر يحلو فيها.
الكلب له ثلاثة أمراض: الكلب، والذّبحة- وهو القاتل لها- والنّقرس.
والداء الذي يقال له الكلب يعرض للجمال أيضا، فإذا كلب الجمل بخر ولم يؤكل لحمه.
الخيل إذا ألقت حوافرها وقت تنصل نبت لها حافر آخر عاجلا، لأن نباته يطلع مع نصول الحافر. وعلامة ذلك اختلاج الخصية اليمنى.
ويعرض للخيل داء شبيه بالكلب، وعلامته استرخاء آذانها إلى ناحية أعرافها، وامتناعها من العلف، وليس لهذا الداء علاج إلا التسكين.
لا يكون في بلد الهند خنزير. لا أنيس ولا بريّ، وفي أرض تعرف بكذا يجزّ البقر كما يجز الغنم، وفي أرض النّوبة تولد الكباش نابتة القرون.
وإناث الكلاب السّلوقيّة أسرع إلى الأدب من الذكور.
جميع أجناس الحيوان إناثها أقل جرأة وأجزع، ما خلا الذئبة، فإنها أصعب خلقا وأجرأ من الذكور.
العقاب والتّنّين يتقاتلان، والعقاب تأكل الحيّات حيثما وجدتها.
[ ١ / ١٢١ ]
الغداف يخطف بيض البومة نصف النهار فيأكله، لأنّ البومة لا تبصر بصرا حادّا في ذلك الوقت. فإذا كان الليل شدّت البومة على بيض الغداف فأكلته.
بين العنكبوت وبين الحرذون شرّ، لأن الحرذون يأكل العنكبوت.
عصفور الشّوك يقاتل الحمار، لأن الحمار إذا مرّ بالشوك أفسد عشه، فإذا نهق بالقرب منه وقع بيضه، وإن كان فيه فراخ خرجت منه، فلهذه العلة يطير هذا العصفور حول الحمار وينقره.
والغراب يعادي الثور والحمار وينقرهما.
والحيّة تعادي الخنزير وابن عرس، لأنهما يأكلان الحيّة حيث وجداها.
الغداف مصادق للثعلب، والثعلب مصادق للحيّة، «والسبب في عداوة العصفور للحمار أن معاش العصفور من بزر الشوك وفيه يبيض، وهو وكره، والحمار يرعى ذلك الشوك إذا كان رطبا» .
البقر يكون في الجبال إذا ضلّت بقرة تبعتها الأخرى، ولذلك الرعاة إذا لم يجدوا بقرة واحدة وعدموها طلبوا سائر البقر وفقدوها من ساعتهم.
الخيل إذا ضلت الأنثى منها أو هلكت ولها ولد فإن إناث الخيل ترضعه وتربّيه، وذلك أن جنس الخيل في طباعها حبّ أولادها.
الأيايل تلقي قرونها في أماكن عسرة صعبة، لا ترتقى لئلا تؤخذ، ولذلك قيل في المثل: حيث تلقي الأيايل قرونها، فإذا ألقتها توقّت أن تظهر إلى أن تنبت، كأنها قد ألقت سلاحها. وقيل: إنه لم يعاين أحد القرن الأيسر من قرنيها، لأن فيه منفعة عظيمة.
وإذا وضعت أولادها أكلت مشائمها من ساعتها، ولا يمكن أخذها لأنها تأكل من قبل أن تقع على الأرض.
والأيّلة تصاد بالصّفير والغناء، ويفعل ذلك رجلان أحدهما يغنّي ويصفّر، والآخر يرشقها بالسهام، فلإصغائها إلى الصفير والغناء لا تحذر السهام.
ويقال إن الأيّل إذا كانت أذناه قائمتين فهو يسمع كل شيء ولا يخفى عليه ما يراد به، وإن كانتا مسترخيتين خفي ذلك عليه.
الفهد إذا أكل العشبة التي تسمى خانقة الفهود يطلب زبل الإنسان فيأكله ويتعالج به.
ابن عرس إذا قاتل الحيّة أكل السّذاب مخالفة للحيّة.
اللقالق إذا خرجت من قتال بعضها بعضا تضع على الجرح صعترا بريا.
يقال إن ذكور العصافير تبقى سنة فقط، والدليل على ذلك- أنها من قبل أطواقها
[ ١ / ١٢٢ ]
التي في أعناقها- لا تظهر في الربيع، بل بعد ذلك بأيام، لأنها لا تبقي شيئا من الذكور التي كانت من العام الماضي، فأما إناثها فهي أطول أعمارا.
إذا دنا الصيّاد من عش القبج تخرج الأنثى من بين يديه وتطمعه في صيدها حتى تهرب فراخها، ثم تطير وتدعو فراخها إليها.
وإناث القبج تبيض خمس عشرة بيضة، والذكر منها يطلب موضع بيض أنثاه فيدحرجه- مخافة أن تقعد عليه وتشتغل عنه- فيفسده، وهي تحتال أبدا في الهرب منه وتخفي موضع عشها، فتبيض في أماكن خفيّة، ومتى قصدها قامت عنه وأطمعت في نفسها حتى تبعد عن أماكن بيضها، فإذا بعد طارت ثم احتالت في الرجوع إليه.
الهدهد يعمل عشه من زبل الإنسان، فلذلك رائحته كريهة.
العقاب تصيد منذ حين الغداة إلى وقت الرواح، فأما من أوان الرّواح إلى أن يترحل النهار فهي قاعدة في مكانها لا تتحرك.
ومنقار العقاب الأعلى ينشأ ويعظم ويتعقّف حتى يكون ذلك سبب هلاكها لأنّها لا تنال به الطّعم، فإذا فضلت للعقاب فضلة من طعمه وضعها في عشّه لحاجة فراخه إليها.
أصناف الطير المعقّفة المخالب لا تجلس على الصخر إلا في الفرط، لأنّ خشونة الصخر مخالفة لتعقّف مخالبها.
النحل تعمل عشّها في زمانين: في الربيع والخريف. والعسل الذي تعمله في الربيع أشدّ بياضا وأجود من الذي تعمله في الخريف.
وأضعف العسل يكون أبدا في أعلى الإناء، والنقيّ الطيّب في أسفله.
الأسد عظامه جاسية جدا، وإن دلكت بعض عظامه ببعض خرجت منها نار كما تخرج من الحجارة.
الحيوان الذي له شعر في أشفار عينيه ليس في أشفار عينيه شعر إلا الشعر الأعلى.
والنعامة لها أشفار في الجفنين الأعلى والأسفل.
القنفذ تبيض خمس بيضات، وليس هو بيضا بالحقيقة، بل هو على صورة البيض، يشبه الشحم.
قلب كلّ حيوان طرفه حادّ، وهو أصلب من سائر جسده، وهو موضوع في وسط الصدر سوى الإنسان، فإنه مائل فيه إلى الناحية اليسرى، لأنه يكون بإزاء الجانب الأيسر فيعادل الناحية اليمنى، فإن اليسرى من الإنسان أكثر بردا.
وليس في قلوب جميع الحيوان عظم إلّا في الخيل، وفي جنس من البقر، فإن في قلب هذين عظما دون غيرهما من الحيوان.
[ ١ / ١٢٣ ]
وكلّ حيوان له قلب كبير يكون جزوعا.
الكلاب الهنديّة تتولّد من كلب وسبع شبيه بالكلب.
والحمار حيوان بارد، ولذلك لا يكون الوحشيّ منها إلّا في المكان البارد.
ذكور البغال لا تشمّ أبوال إناثها كسائر ذوات الحافر.
بيض الطير فيه لونان: بياض وصفرة.
وبيض السمك فيه لون واحد.
إذا كانت الريح جنوبا كان المولود أنثى، لأن الجنوب إذا هبّت رطّبت وإذا أشملت كان المولود ذكرا.
عيون جميع الصبيان ساعة ولادتهم شهل «١»، ثم تنتقل إلى الطباع الغالبة عليها.
وعيون جميع الحيوان لون واحد، كالبقر فإن عيونها سود. وعيون البشر ألوان كثيرة.
صاحب العين الناتئة لا يبصر ما بعد عنه بصرا جيّدا، والغائرة تبصر ما بعد عنها، لأنّ حركتها لا تتفرّق ولا تتبدّد.
الفهد ربما نكح الدّبّ فيتولّد بينهما سبع مختلف المنظر، لا يتناول الناس ويصيد الكلاب ويأكلها ويستخفي في الشجر، فإذا مرّ به أيّل مفاجأة وثب عليه وأنشب مخالبه في أكتافه ومصّ دمه حتى يضعف الأيّل ويسقط فيجتمع عليه هذا الصنف من السباع فيأكله، فإن اجتاز بها أسد نهضت عنه وتركت الفريسة له تقرّبا إليه.
بأرض يونان معزى جعدة الصوف، يقال لها: المعزى البريّة، فإذا أصابت قرونها شيئا من قضبان الكرم لم ينبت ورقه ولا ثمره، بل يجفّ مكانه ويسقط ما عليه من الورق والثمر.
السّلحفاة تخرج من البحر إلى الرمل فتبيض فيه، حتى إذا بلغ أوانه وخرج أولادها، فما كان ناظرا إلى ناحية البحر كان بحريا، وما كان وجهه إلى ناحية البرّ كان برّيا.
والسّلاحف تمتنع من الذّكران، فيأتيها بعود يحمله في فمه، ويدنو منها، فإذا رأت ذلك العود سكنت له.
وما كان من السلاحف بحريّا فخرج إلى البر وأصابه حرّ الشمس لم يستطع الرجوع إلى البحر وبقي حتى هلك. وما كان بريّا فوقع إلى ناحية البحر تلف ولم يستطع الرجوع إلى البرّ وهلك.
الثعلب يهيئ عشّه ووكره ذا سبعة أجحرة، فإذا طرقته الكلاب وغيرها مما يتخوّف في جحر خرج من غيره.
[ ١ / ١٢٤ ]
وإذا قارب الزرع أن يسنبل دخل الثعلب فيه وتمعّك فرحا به، فيفسد ذلك الزرع، ولذلك سمّى احتراق الشعر: داء الثعلب، لأنه يسقطه كما يذهب ورق السنبلة والشوكة.
القنفذ يعمد إلى الكرمة فيحرّكها فيقع منها العنب، فيتمرّغ فيه حتى يملأ شوكه ويعود إلى عشه، فإذا بصرت به جراؤه أطافت به تلتقط ذلك الحب من شوكه وتأكله.
الذئب إذا هيّئ من معاه وتر وهيّئ من معى الشاة وتر، ثم علّقا بآلات الملاهي، ثم ضرب بهما، صوّت المعمول من الذئب، وخرس الوتر المعمول من الشاة.
وكلّ شاة يتناول الذئب من لحمها يكون لحمها لذيذا، وكل جزّة صوف تهيّأ من الشاة التي قد تناول الذئب منها قمل الثوب المعمول منها من قبل سمّ أسنانه.
الكلب إذا مرض أكل حلفاء رطبة.
والأيّل إذا مرض أكل حيّة.
والضّبع إذا مرض أكل كلبا.
الأسد إذا أكل كلبا فإنه يكون قد ضرس فيزول ذلك.
الرخمة إذا ضعف بصرها بقرت مرارة إنسان.
الأعنز البريّة تألف حيتانا بحريّة، وتدع الجبال وتسلك طريقا بعيدا حتى تأتي البحر لمكان تلك الحيتان، فلما عرف ذلك الملّاحون سلخوا جلود تلك الأعنز، ودنوا بها من شاطئ البحر على ظهورهم، فإذا نظرت تلك الحيتان إليها فيصيدها الملاحون.
ليس من السباع شيء صلبه عظم واحد بلا خرز إلا الأسد والضبع.
من ربط على بدنه سنّا من أسنان الذئب ولبسه لم يخف الذئاب.
والفرس الذي يعلّق عليه شيء من أسنان الذئب يكون سريع الجري.
المعزى البرّية تكون صلبة القرون، تأوي أطراف الجبال وما كان مشرفا من الصخور على أودية، فإن بصرت بالصياد ألقت أنفسها من تلك الصخور لتقيها بقرونها، فإن سقطت على غيرها هلكت، وفي قرونها خرزات مستديرات على قدر ما يكون عدد سنيها.
والعجب أنها تحفظ إناثها عند الكبر وتتعهّدها بالمطعم والمشرب تحمله على أفواهها.
المعزى البرّيّة إذا صيد شيء من سخالها تبعته ورضيت بالعبودية مع ولدها وفي أطراف قرونها جحرة تتنفّس منها، فإن سدّت هلكت مكانها.
الورشان يحترّز بأن يضع ورق الغار في عشّه.
[ ١ / ١٢٥ ]
والحدأة تضع في عشها ورق العليق تتحرّز به.
الخطّاب يضع في عشه قضيب كرفس.
التّدرج يضع في عشه سرطانا نهريّا.
جميع السباع والدوابّ عند المشي تقدّم اليد اليمنى والرجل اليسرى.
لا تكون الزرافة إلّا في أرض قليلة الماء.
إذا همّ أصحاب الخيل أن ينزو حمارا على فرس جزّوا عرفها فتقرّ حينئذ وتذلّ لكدم الحمار لها.
بيونان ثيران لها أربعة قرون لا ترضى بمجامعة البقر، بل تجامع إناث الخيل، ويتولد بينهما خيول عجيبة المنظر.
الجاموس لا ينام أصلا وإن أرخى عينيه إرخاء يسيرا، لكنّه ساهر الليل والنهار.
الجمل إذا وقع على الناقة وقع الضراب ستر عن الرجال، فإن نظر إليه رجل غضب.
قالت الروم: إن السّنّور يتولّد من مجامعة الفهد لبعض السباع.
لا ينام البوم إلا إغفاءة.
ومن العجب أن السّنّور يكون صافي العين كثير البريق عند امتلاء الهلال وينقص ذلك الصفاء والبريق عند نقصان الهلال.
الأفعي إذا جامعها الذكر واسمه الأفعوان تحوّلت إليه، فإن ظفرت به أكلت رأسه من شدّة عشقها له.
ذكر العقرب اسمه عقربان، أسود صغير، سريع المشي، جادّ الذهاب، الحرذون تفسيره بالعربية الذي يخرج من الزعفران.
التمساح لا يكون إلا في النيل ونهر بأرض الهند يقال له: الرّسيس ويبيض كبيض الإوزّ، وربما يولد منه حراذين صغار، ثم يكبر حتى يبلغ طوله عشر أذرع، ويزداد طولا كلما ازدادت سنو حياته.
وسنّه اليسرى نافعة لحمى النافض.
وذكر أنّه يجامع ستّين مرّة في حركة واحدة ومحلّ واحد.
الحمار الوحشيّ يتولد بين الفرس والفيل، وله قرن ينبت من أنفه كأنّه سيف، وإن ضرب شجرة قطعها وبه يقاتل الفيل ويبعج بطنه بقرنه، ولم يعاين من هذا الجنس أنثى قط.
في البحر حوت يقال له: البوس، يتولّد من الصاعقة إذا كانت في البحر وإن
[ ١ / ١٢٦ ]
وضع ذلك الحوت بين اثنين فأكلا منه تحابّا ولا يحقد أحد على صاحبه، ويتآخيان أحسن الإخاء.
كلب الماء أبدا ذنبه على ظهره واقع مع انطباق والتواء، يرعى نبات الأرض، وهو شديد الجزع من النار، فإذا كان الليل خرج الصيادون بأيديهم شعل النار، فيأتون مجثمها، وتلك لا تتحرّك لجزعها من النار حتى تؤخذ، وإن كان منها ذكر لم يجامع أنثى قطّ، وإذا أرادت المجامعة فإنها تجتمع وتجلد فتفرخ.
وإن أخذ منها صياد بشبكة واحدا وثبت كلّها حتى تدخل الشبكة آبية فراق بعضها بعضا.
ومن لبس جوربا من جلودها وبه نقرس انتفع به جدا.
وإذا ابتلي إنسان برعاف ثم أخذ قطعة من جلدها، ثم انقعه في لبن واشتمّه انقطع ذلك الرّعاف.
اليرابيع إذا اجتمعت في موضع ارتفع رئيس لها حتى يكون في موضع مشرف أو على صخرة أو تلّ ينظر منه إلى الطريق من كل ناحية، فإن رأى أحدا مقبلا أو سبعا صرّ بأسنانه وصوّت، فإنه سمعته انصرفت عن الموضع إلى جحرتها فإذا أغفل ذلك وعاينت البقية سبعا أو راجلا قبل أن يراه ذلك الرئيس انصرفت إليه وقتلته لتضييعه أو غفلته.
وإذا كان حسن الرّصد مضت اليرابيع فقطعت أطرأ ما يكون من الخضرة وأطيب العشب فحملته بأفواهها حتى تأتيه تحية وتكرمة.
وإذا كانت في جحرتها خرج الرئيس أوّلا فيبصر الطريق، فإن لم ير أحدا صرّ بأسنانه وصوت لها لتخرج فترعى.
في البحر حوت يقال له: موفى، ضعيف الجسد، قليل القوة، إذا جاع خرج إلى الشاطئ فاستلقى على الرمل فأقام شوكة في رأسه، فإذا نظر إليه حوت آخر جاء مسرعا ليأكله يظن أنه ميت، فيدخل بطنه تلك الشوكة فيقتله بها ويأكله.
وإذا ألقى الملّاح صنارته ولقيت ذلك الحوت رمى مكانه بتلك الشوكة الحادّة يد الملّاح فتخدر ويطرح أداة صيده.
فإذا رأى الحوت أن الصّنارة داخلت أضلاعه غلبت الظلمة على بصره ومات من ساعته.
وفي جلد هذا الحوت عجب، وهو أن الصاعقة لا تدنو من جلده، والملّاحون يغطّون سفنهم به عند ما يتبيّنون الصواعق ووقوع المطر، ويدنو هذا الحوت إلى طرف مقدّم السفينة فيمسك بطرفه اللطيف، فلو اجتمعت الرياح كلها بأشد هبوبها لم تستطع تحريك تلك السفينة، فمن أخذ من جلدها وسمّر به شراع السفينة لم يخف على سفينته غرقا.
[ ١ / ١٢٧ ]
السريع الحضر أربعة: النّمر والحريش وعنز الجبل وكباشها.
عدوّ الحيات أربعة: القنفذ والفيل والأيّل والعقعق.
الجبان اثنان: الأرنب والأيّل.
ذو الزهو ثلاثة: الفرس والديك والطاوس.
ذو حدّة السمع ثلاثة: الذئب والحمار والخلد.
القادر في التزاوج ثلاثة: العصفور والحمام والعقعق.
ذو الشهوة ثلاثة: العصفور والثور والباشق.
المتحارس بالليل اثنان: الكركيّ والبط.
نافي فراخه ثلاثة: النعام والغداف والعقاب.
محب الظلمة ثلاثة: البوم والخفّاش والخلد.
ذو حدّة البصر ثلاثة: العقاب والظبي والباشق.
من أخذ لسان ضبع ومر به بين الكلاب لم تكلب عليه.
من مر بمكان كثير الضباع فأخذ بيده أصلا من أصول عنب الحيّة هربت منه.
وعنب الحيّة هو الحنظل.
وذكر الحبارى يقال له: الخرب.
إذا أراد إنسان أن يتزوج امرأة فلينظر إلى أبيها وأخيها فإنها بعيانه وبين يديه أحدهما.
من الحيوان ما لا يشبه الولد الوالد كالدببة والنحل والدّبر.
أما الدببة فتضع أولادها توائم لا صور لها حين تولد، غير أن أمّها تهيئ صورها، وتسوّيها بلحسها إيّاها بألسنتها
وأما الدّبر فإنها تلد دودا يتصوّر بعد ذلك.
الضفادع والغيالم والسرطانات لا ضرر عليها في ماء ولا يبس، لكنهما عندها سيّان لا تهلك في برّ ولا تخنق في بحر.
كلّ ما أكل اللحم فهو ذو أسنان قواطع صلاب، وأعناق قصار شداد، ومخالب وأظفار حداد، ومناقير معقّفة جذّابة.
للأسد ثلاث طبائع: الأولى منها أنه إذا مشي فشمّ ريح الصّيادين عفّى على آثاره بذنبه لكيلا يتبعه الصّيادون ويقفوا عليه في عرينه فيتصيّدوه.
والثانية أن اللبؤة تلد شبلها ميّتا، فلا تزال تحرسه حتى يأتي أبوه في اليوم الثالث فينفخ في منخره فيبعثه.
والثالثة أنه يفتح عينيه إذا نام وهما يقظتان.
[ ١ / ١٢٨ ]
ومن تمسّح بشحم كلى الأسد ومشى بين السباع لم يخفها ولم تقربه، وإن افترس الأسد الفريسة ولم يأكلها ميّز أن ريحها منتنة جدا.
وأصناف الحيوان التي تلغ الدم بألسنتها: الكلاب والسنانير.
الأسد: تضع أولادها غير منفتحة العيون، وإنما تنفتح بعد ذلك.
وأما الأسد خاصّة فليس له من جنسه قرين، ولا يرى شيئا من السّباع كفؤا له فيصحبه، ولا يقرب شيئا من بقايا فريسته بالأمس ولو جهده الجوع ويهرّ زئيره كثيرا من الحيوان الذي هو أعظم منه جسما وقوّة.
وإنما تلد اللّبؤة واحدا ويخرق بطن أمّه بأظفاره ويخرج منه.
الثعلب إذا جاع فلم يقدر على صيد عمد إلى أرض شديدة الحرّ وإلى موضع الطير إذا حمي، فاستلقى على ظهره ونظر إلى فوق، ثم اختلس نفسه وأخذ به داخلا حتى ينتفخ انتفاخا شديدا فيحسبه الطير قد مات، فيقع عليه ليأكل منه كما يأكل الجيفة، فإذا اجتمع الطير انتفض سريعا وقبض على ما وجد فأكله، لأنه ذو خبّ ومكر، كذلك طبيعته إن أصابه ضرر فأثّر فيه آثارا وكلم فيه كلوما أخذ من صمغ شجرة تدعى قنطوريا فأبرأها به.
القرد أهيأ الحيوان لقبول التعليم، وهو لعوب غضوب سريع الحسّ، لا يكون في بلد كثير السباع، عدوّ لجميع الحيوان، مليح الإهاب، نهوش خطوف، إلا أنه إذا شبع نام في غاره ثلاثة أيّام، فإذا خرج صاح بصوت عال تخرج منه رائحة طيّبة، فيجتمع إليه الحيوان لحسن صوته.
ومن أراد ختله فليتمسّح بشحم الضبع ويدخل عليه في غاره، فإنه لا يمتنع، خفيف الجرم، حديد الشدّ يقظان.
دابة يقال لها بالفارسية (بادستر) إذا طلبه القانص استلقى لظهره وأراه أنه لا خصية له، كأنه قد علم ما يطلب منه.
خلق الجبان من الحيوان الخائف سريع الحضر سريع الحركة، وجعل الصّنف الجريء العادي بطيء الحضر مبلّدا.
الضبع مخالفة لجميع أجناس الحيوان، وذلك أنها تصير مرّة ضبعا ذكرا ومرّة أنثى، تلقّح أحيانا كالذكر، وتقبل اللّقاح أحيانا كالأنثى.
وطبيعتها أنّها إذا رأت الكلب في ليلة مقمرة مشت على الآثار ووطئت ظلّه فوقع.
«ومن قتل ضبعا وأخذ لسانه ومرّ بين الكلاب لم تكلب عليه، ولم تعرض له.
ومن مرّ بمكان كثير الضباع فأخذ بيده أصلا من حنظل، أسكتها عنه وهربت منه» .
[ ١ / ١٢٩ ]
القنفذ عدوّ الحيّات، إذا قبض على حيّة تركها تضطرب على شوكه حتى تموت، فإذا ماتت قطّعها قطعا.
الدبّ يقتل الثور، والغالب عليه الانجحار في مغارته.
الفيل ليس له شهوة السّفاد، فإذا أراد الولد أتى رياضا وجنانا فيها اللّفاح هو وإناثه فهيّج له اللفّاح برائحته وقوّة حرارته شهوته فتسافدت، فإذا ولدت ولدت قائمة، لأنّ أوصالها ليست مواتية كأوصال الّتي تلد باركة ورابضة غير أنّها تلد في الماء حذرا على دغفلها أن يموت إذا وقع على الأرض، فلذلك تدخل ساحل البحر حتى يبلغ الماء بطنها فتضع ولدها على الماء كالفراش الوثير والذّكر في ذلك يحرسها وولدها من الحيّة.
ما أشدّ عداوة الفيل للحيّة، حيثما أصاب الفيل الحيّة وطئها وقتلها.
وإن هو سقط على جنبه لم يستطع القيام، إنما نومه إذا اتكأ على شجرة.
ومن هناك- لمّا عرف أهل تلك البلاد كيف نومه- يأتون الشجرة فينشرونها بالمنشار، فإذا أتاها الفيل واتكأ عليها وقعا على الأرض معا، وحينئذ يشتدّ صياحه بصوت رفيع، ويجتمع إليه لذلك فيلة كثيرة تحاول معاونته على النهوض والانبعاث، فلا تقدر على ذلك، فتصيح جماعتها بصوت واحد جزعا من ضعف حيلتها وعجزها حتى يأتي الفيل الذي هو في الجسم أصغر، وفي الحيلة أكبر منها، فيدخل مشفره تحت الفيل الساقط، وتفعل كفعله جميعا في إدخال مشافيرها تحته حتى تدعمه فينبعث، وإنما كوّن رأس الفيل في عنق قصير، وكوّن له بدل العنق الطويل المشفر الطويل ليكتفي به من الضيق، وبه يتناول طعامه وشرابه.
وخلقت قوائمه غير منفصلة، لكنّها كالأساطين المصمتة والسّواري الوثيقة لتحمل الكثير الثقيل، وربطت بعراقيب صغار غير منحنية ولا منثنية على الأوصال، لكنّ عظامه مفرغة إفراغا.
تطول أعمارها إلى ثلاثمائة سنة، غير أنّ القردان والبقّ تعلق بالفيلة فتؤذيها.
السّمندل: دابّة لا تخاف النار، لأنّها لا تحرقها، وإن دخلت أخدودا متأجّجا مضطرما بالنار لم تحفل بذلك، وصارت النار الّتي تبيد الأجسام مبعثا لهذه الدابّة المهينة الحقيرة، تستلذّ التقلّب فيها استلذاذ القلب بالهواء البسيط وهبوب أرواحه الطيّبة، ونضارة جلدها وتنقيته بالنار، فيزداد بالنار حسن لون.
الأرنب من طباعها الجبن والخوف، وهي كثيرة الولادة.
الكلب ذو فحص واقتفاء للأثر، وبشمّه يسترشد ويهتدي ويستدلّ إذا شمّ المولى عرفه إن كان له أو لغيره.
[ ١ / ١٣٠ ]
ومن طباعه الترضّي والبصبصة والهشاشة لمن عرفه.
ليس في الحيوان أشدّ حبا لصاحبه منه، فإن أشار له على صيد وثب ناصبا رأسه رافعا ذنبه مستعدّا كالفارس البطل والشجاع النّجد، مع نشاطه في الطلب وهو يعلم أن الصيد ليس بحاضر، لكنّ ذلك منه حسن طاعة.
فأما حب بعض جراء الكلاب لبعض إذا كان أخاه لأمّ ولأب فمما قد عهد وشوهد، وذلك أنه حيث كان يطرح لها الطعام في الوسط، فلا يخطف واحد منها ذلك، لكنها تتعاطاه بينها بسكون وتمكين بعضها لبعض، غير مستأثرة به ولا محاربة عليه.
الفرس من طباعه الزّهو والحرارة وشهوة الإناث للسّفاد. وإن وطيء الفرس أثر وطء الذئب ارتعد وخرج الدخان من جسده كلّه.
الذئب إذا رأى الإنسان مبطئا خطوه وهو ساكن سكت عنه، فإن رآه خاف وجبن اجترأ وحمل عليه وكبسه.
وليس كلّ ذئب يعدو، ولكن هو الذي يكون ضاريا، وفيه خلّتان: إحداهما أن يكون منفردا يمشي وحده، والأخرى حدّة سمعه، إن خفي عليه مكان الغنم أتى مكانا وعوى صوتين أو ثلاثة، ثم سكت منصتا لأصوات الكلاب الّتي مع الغنم ونباحها حين سمعت عواءه، فإذا سمع نباح الكلاب شدّ مسرعا نحوها، قاصدا إليها، فإذا قرب من الغنم مال إلى ناحية أخرى خالية من حرس الكلاب فاختطف ما أمكنه خطفه من الغنم.
حمار الوحش إذا ولدت الأنثى الأولاد الذكور جاء الفحل فانتزع خصي تلك الذكور وقطعها بأسنانه لكيلا تصاد أو تشاركه في طروقة، إلّا أنّ الأنثى ربّما وضعت ولدها في مكان غامض حتى يشتدّ جسمه وتصلب حوافره، ويقوى بالشدّ على النّجاة من الفحل، ولهذا السّبب يقلّ منها الفحول.
الحريش دابّة صغيرة في جرم الجدي ساكنة جدا، غير أن لها من قوّة الجسم وسرعة الحضر ما يعجز القنّاص عنها، ثم لها في وسط رأسها قرن واحد منتصب مستقيم، به تناطح جميع الحيوان فلا يغلبها شيء.
احتل لصيدها بأن تعرض لها فتاة عذراء وضيئة، فإذا رأتها وثبت إلى حجرها كأنّها تريد الرضاع، وهذه محبّة فيها طبيعية ثابتة، فإذا هي صارت في حجر الفتاة أرضعتها من ثديها على غير حضور اللّبن فيها حتى تصير كالنّشوان من الخمر والوسنان من النوم، فيأتيها القنّاص على تلك الحال فيشدّ من وثاقها على سكون منها بهذه الحيلة.
الأيّل عدوّ الحيّات إن قربت منه حيّة فانجحرت في صدع صفا ملاء الأيّل فاه من الغدير أو من حيث وجد فدفعه في ذلك الصّدع، ثم اجتذب الحيّة إليه بالقوّة حتى
[ ١ / ١٣١ ]
يقتلها، وإن كانت فوق أنزلها، وكذلك إن كانت أسفل، فإن كان جائعا أكل ما أصاب منها، وإن لم يكن به جوع قتلها وتركها فصارت الحيّات ذوات السّم الزّعاف المميت لكل من أصابه أو خالط بدنه غذاء هذه الأيايل، ويكون ملائما لها لذيذا عندها.
وإن دخّن البيت الّذي فيه الحيّات بدخان حريق قرن الأيّل فرّت منه كلّها خوفا.
على أن الأيّل نفسه جبان شديد الرعب، إذا أكل الحية بدأ بذنبها حتى ينتهي إلى رأسها، ثم يقطعه بأسنانه، وأكبر من ذلك أنه يتعلّق برؤوسها وتبقى في الهواء. وتكثر فيه المرّة ويعطش عطشا شديدا فيعوج إلى غدير الماء.
الغزال، يقال: ليس في الحيوان أبصر من الظّباء، ويقال لها باليونانية النّظّارة والمبصرة.
الثور دابّة عمول كدود مقدّر جسمه بقدر قوّته. من طبيعته كثرة المنيّ وتوقّد شهوة السّفاد، إن لم يخص لم يذلّل للعمل ولم يسكن ولم يصحّ جسمه لأنّ الغلمة تحلّ جسمه وتنحله، والخصاء يقطع ذلك كلّه. وبينه وبين الدّبّ عداوة شديدة.
أعنز الجبل وكباشه وهي الأرواء والتّيايل هذا جنس متمرّد في الجبال سريع الحضر في الشواهق والتوقّل «١» فيها وطبيعتها أن تلد توائم.
قد يوجد من البهائم ما لا يحمل، فأما أنثى الخيل إذا كانت حاملا فوطئت أثر الذئب بحافرها أجهضت حملها.
الحمار في طبيعته معرفة صوت الإنسان الذي اعتاد استماعه وإيناسه، لا يضلّ عن طريق سلكه مرّة ولا يخطئه، إذا ضلّ راكبه الطريق هداه وحمله على المحجّة.
وأمّا حدّة السمع، فليس في البهائم فيما يذكر أحدّ سمعا منه.
اليامورة دابّة وحشية نافرة، لها قرنان طويلان، كأنّهما منشاران تنشر بهما الشجر، إذا عطشت وردت الفرات وعليه غياطل»
وغياض ملتفّة أشجارها تفرّعت من أغصانها غصون طوال دقاق مشبّكة، فإذا شربت ريّها وأرادت الصّدر اشتهت الاستتار والعدو بين تلك الأشجار «ولجّت هناك» فعلق قرناها بتلك الغصون اللّدنة المتينة، وكلّما عالجتها لتفلت ازدادت ارتباطا فإذا ضجرت مما وقعت فيه عجّت جزعا، وسمع القنّاص صوتها فأتوها فقتلوها.
الجمل: حقود، يرتصد من ضاربه الفرصة والخلوة لينتقم منه، فإذا أصاب ذلك لم يستبق صاحبه، فأما ظهره فذو سنام مقبّب يكون لكثرة الحمل واحتمال الثّقل،
[ ١ / ١٣٢ ]
وأوصال ركبته وعراقيبه كبار صلاب، وأوتارها وعروقها متينة شديدة، وعصبه وثيق لم يشتد بضغط التحام مفاصله واتصالها ولم يسترخ مطويّا، لكنها هيّئت على الاعتدال ليهون عليه بذلك البروك والنهوض بحمله، مع تسهيل الارتقاء عليه في ذلك.
البغال: نوع هجين قد أنبئنا أنه لا يلد، إلّا أنّه أهدى للطريق للناس وأثبت حفظا.
الثيران وكلّ ذي قرن لا يأخذه الفؤاق.
وأما سباع الطير وآكلات اللحم منها فصلاب الأظفار، حجن «١» المناقير ذات حدّة وقوّة، قويّة الأجنحة.
والنواهض «٢» التي فيها القوادم أكثر طيرا.
الديك صلف في طبيعته، غير أنّ له مع ذلك إيقاظا للنائم بصياحه في آناء الليل، والتبشير بإقبال الصبح وطلوع الشمس، يؤنس السيارات في السّفر بصياحه في الليل، ويحرّضهم على السير، مع إيقظاه الفلّاحين لعملهم، والصّنّاع لصناعتهم، وإذا سمع المرضى صوته داخلهم من ذلك روح وخفّة من مرضهم.
الطاوس يحبّ الزينة، غير عفيف الطبيعة، يدعوه زهوه وحرصه على التزيّن إلى نشر ذنبه وعقده كالطاق لتراه الأنثى بحسن زينته.
الكراكيّ تتحارس باللّيل، ويجعل الحارس منها يتردد في المحلة ويهتف بصوت يسمع محذّرا، فإذا قضى نوبته استراح وأعقبه الذي كان مستريحا نائبا عنه حتى تقضي كلّها ما يلزمها من الحراسة، فإذا طارت لم تطر متقطعة، لكنّها تطير نسقا غير مشتّتة، يقدمها واحد منها كالرأس والهادي لها حتى تتلوه كلّها لازمة صفّها، ثم يعقبه بعده آخر متقدّم حتى يصير المتقدم الأوّل متأخرا في آخرها، وتقتسم كرامة المتقدم كلّها بالسويّة، وفيها ما يبعد سفره وينتقل عن مصيفه إذا هجم الشتاء.
البط له يقظة حارسة تدل على حدة حسّه.
الجراد معروف الحال.
العقاب تطلب عين الماء، فإذا أصابتها تحلّق طائرة إلى حر الشمس وهو موضوع دورانها فيحترق ريشها وما كان من جناح، ثم تغوص في تلك العين فإذا هي قد عادت شابّة «وتذهب ظلمة عينيها» .
وأما الطريح فيقيّض الله له طائرا يقال له: قاس، فيضمّه إليه ولا يدعه يهلك، ولكنّه يقوّيه ويربّيه مع أفراخه.
[ ١ / ١٣٣ ]
وأجنحة العقبان مفصّلة شبه ريشها.
وبصرها قويّ بعيد تحت الشّعاع المستنير.
ويقال: إنها أبصر الطير.
الحجل يأتي أعشاش نظرائه فيسرق بيضها ثم يحضنها، فإذا تحرّكت الفراخ وطارت لحقت بأمّهاتها.
البوم مأواه ومحلّه الخراب، يوافقه اللّيل، لأنّه باللّيل بصير وبالنهار كليل، مع حبّه التوحّد والخلوة بنفسه، وبينه وبين الغربان عداوة ما تنقضي.
النّسر يتّخذ وكره في المكان العالي المرتفع، وعليه يقع وفيه ينام كالراصد، إما في ذروة الجبل أو في وسطه من شظاياه وثناياه وموضع المنعة.
وإذا حملت زوجته مضى إلى الهند فأخذ من هناك حجرا كهيئة الجوزة إذا حرّك سمع به صوت حجر آخر- يتحرّك في وسطه- كصوت الجرس، فإن عسرت على زوجته الولادة جعلت ذلك الحجر تحتها وعلت عليه فيذهب عنها العسر.
قال: ورأيت مرّة أنثى من جنس الطير مات زوجها فامتنعت من الطعام والنوم ليالي كثيرة صارت فيها كالنائحة الباكية على زوجها بتنفّس الصعداء وزفرات الحزن لا تلقط أيّاما متتابعة شيئا.
البزاة من طبيعتها أن تداوي أنفسها وفراخها فلا تموت، لأنّها تستعمل في بعض المرض والداء نبتة تعرفها وتعرف طبّها «ومنه ما ينقص ويزيد»؟.
النعام: لا يعول أفراخه إلا أيّاما يسيرة، ثم يدحضها ويطردها من عنده إنكار لها.
الغداف لا يبيض ولا يفرخ من سفاد، فإذا أفرخت أنثاه فراخا لم يزقّها ولم يطعمها، إلا أنّ البقّ والبعوض يقع عليها لزهومتها ونتن لحمها، فتفتح أفواهها وتبلغ ما دخل فيها من ذلك البقّ، فهو يمسكها ويقوّيها.
أنحاء طيران الطير مختلفة كاختلاف الطير، بعضها يطير قريبا من الأرض كالبط وما أشبهه، وبعضها يرتفع، غير أنّه لا يبعد، كالحمام والغربان، وبعضها يحلّق تحليقا، كالعقاب والصّقور والأجادل والبزاة.
وما كان من الطير بدنه أعظم من جناحه فهو قريب الطيران من الأرض، لسرعة إعياء أجنحته واضطراره إلى الوقوع على الأرض.
البيضانيّ والأبغث: هذا طائر يحبّ ولده، فإذا تحرّكت فراخه ودرجت ضربت وجهه بأجنحتها فيدعوه المحك والغضب المطبوعان فيه إلى قتلها، فإذا ماتت اكتأب عليها الأبوان وأقاما عليها شبه المأتم ثلاثة أيّام، ثم إن الأمّ في اليوم الثالث تشقّ جنبها حتّى يقطر دمها على تلك الفراخ، فيصير ذلك نشورا لها بعد موتها.
[ ١ / ١٣٤ ]
مالك الحزين ينشل الحيتان من الماء فيأكلها وهي طعامه، لا يحسن السباحة، فإن أخطأه انتشال فجاع طرح نفسه على شاطئ النهر في بعض ضحضاحه، فإذا اجتمعت إليه السمك الصغار لتأكله أسرع لأكل ما يؤكل منه.
من الطير ما يلقح من هبوب الريح، لا يحتاج إلى تزاوج ولا إلى سفاد.
والخفّاش له خصيتان كخصى الحيوان، وله أربع قوائم وأسنان حداد كأسنان ذوات الأربع، يرضع ولده من اللبن إرضاعا، وجلده أملس.
العقعق لا يأوي تحت سقف ولا يستظلّ به، ولكنه يهيّئ وكره في المواضع المشرفة العالية والعراء الكاشف وجه الهواء الفسيح، وطبيعته الزّنا وخيانة الزوج، فإذا باضت الأنثى بيضها حصّنته بورق الدّلب وغطّته كيلا يقربه الخفّاش، فإن مسّه مرق البيض من ساعته وفسد.
النحل يلد من غير لقاح الذكور.
الحية إذا هرمت وكلّ بصرها واسترخى جلدها دخلت في صدع صفاة ضيّق أو جحر ضاغط يعسر عليها النفوذ فيه حتى ينسلخ عنها جلدها فتأتي عين الماء فتنغمس فيها حتى يقوى لحمها وينعصب، فإذا هي فعلت ذلك عادت شابّة كما كانت. فإذا أرادت أن تضيء عينها أكلت الرازيانج الرطب فاشتفت عيناها واحتد بصرها، وإن ضربت ضربة بقصبة استرخت فلم تستطع الفرار، فإن ثنيتها وثبت وسعت هاربة.
إن أنقع الحسك «١» في الماء ثم نضح ذلك الماء بين يدي جحر الحيّة فرت من هناك.
وإن وضع في جحرها أصل حمّص رطب فرّت أيضا.
وإن رأت الحيّة إنسانا عريانا استحيت منه ولم تقربه.
وإن رأته كاسيا حملت عليه بجرأة شديدة، وما أشدّ طلبها لثأرها، وإن شدخ رأسها ماتت من ساعتها.
السّمسمة، وهي حيّة حمراء برّاقة، إذا كبرت وأصابها وجع العين وكمدت «٢» التمست حائطا مقابل المشرق، فإذا تبدّت الشمس أحدّت إليها بصرها قدر ساعة فإذا دخل شعاع الشمس عينها كشط عنها العمى والإظلام، ولا تزال تفعل ذلك سبعة أيّام حتّى يتجدّد بصرها تاما.
[ ١ / ١٣٥ ]
الأفعى تزاوج دابّة بحريّة، تأتي الأفعى شفير البحر فتصوّت، وصوتها مهيّج لتلك الدابّة البحريّة.
من أحرق عقربا طرد برائحة حريقها عقارب ذلك البيت.
فأما حمة العقرب فهي جوفاء كهيئة المزمار معقّفة الرأس مكوّنة للدّغ، فإذا ضربت شيئا تحركت فخرج سمها وجرى في حمتها وسرى في الملدوغ.
الإناث من بنات عرس إنما تلقح من أفواهها وتلد من آذانها.
من عادة هذا الجنس أن يسرق ما وجد من حليّ الذهب والفضة، ويخبؤه في جحرته، فإن وجد أيضا في البيت حبوبا خلط بعضها ببعض، كأنّ عمله عمل الطباخين في خلط التوابل.
الفار الفارسيّ أطيب ريحا من كلّ طيب.
وإن أخذ إنسان جرذا فربطه في بيت فرّت منه الجرذان كلّها.
وإن وضع في جحر الجرذ البريّ ورق الدّفلى ماتت الجرذان.
الدودة الهنديّة هي دودة القزّ، لها في رأسها قرنان، ثم تتحوّل بيضة ثم تتصوّر في هيئة أخرى، ذات جناحين عريضين منتصبين، وصناعتها دمقس الحرير.
النمل عمول مواظب، فإذا جمع الحبّ قطّعه كيلا ينبت إذا أصابه النّدى والبلّة، ويخرجه ويبسطه عند فم الجحر، فإذا يبس أدخله.
ومن جرّب طبائع النمل أدرك علم أزمان المطر والصّحو.
ومن أراد أن يقتل النمل فليدقّ الكبريت والحبق ويذرّهما في جحرته. ولا يولد من تزاوج، ولكنه يخرج منه شيء قليل صغير فيقع في الأرض فيصير بيضا، ثم يتصوّر من البيض بالهيئة التي ترى، وإذا شمّت الورد موّتت وأجنحتها مدمجة لاصقة بها.
البقّ والبعوض لا نتاج لهما، وإنما تنجل «١» من عفن الماء ووسخه ونتنه.
ومن وضع غصن العنب في موضع تحت سريره لم يقربه بقّ ولا بعوض.
ومن أراد ألّا يتأذّى بالبراغيث فليحفر في وسط البيت حفرة ويملأها دم تيس فإن البراغيث تجتمع هناك.
وإن وضع في الحفرة ورق دفلى ماتت البراغيث.
الخلد غير ذي عينين، دائم الحفر في غير نفع، وطعامه من أصول النبت وعروقه الذاهبة في الأرض، فهو يصيب ذلك في خلال حفره.
[ ١ / ١٣٦ ]
يقال: إنّ في بلد كذا نهرا ماؤه في البحر منحدرا إليه على حال طبيعته ستّ ساعات، وفي الستّ الثاني يحتبس ماؤه في ينبوعه ويرى جوفه ناضبا قد يبس.
ونهر آخر يجري في كلّ سبع سنين نهر كبريت، ولا يكون فيه سمك، لأن ماءه يتغيّر في كلّ يوم ثلاث مرّات، وينبعث منه شبه ثور ليس له رأس.
وأهل الشأم إذا أرادوا أخذه ألقوه في سفينة، ولا يستطيعون قطعه بفأس ولا كسره بحجر، إنما يؤتى بالماء المنتن ودم الحيض فيخلطان جميعا ثم ينضحان عليه، فإذا وقعا عليه تحلّل وتكتّل كتلا صغارا، وتستعمل في أشياء ينتفع بها.
عين النار تنبع منها نار تضيء بالليل للسيّارات فلا تطفأ ولا تحتاج إلى شيء يمسكها، لكنّها محفوظة بالحجارة، إن حمل إنسان منها شعلة قبس إلى موضع لم توقد.
البحر الميّت يقال له ذلك لأنه يموت فيه كلّ حيّ.
السّرطان ينسلخ جلده في السنة سبع مرّات، ويتّخذ بجحره بابين: أحدهما شارع إلى الماء، والآخر إلى اليبس، وإذا سلخ جلده سدّ عليه الشارع إلى الماء لكيلا يدخل السمك فيأكله، إلا أنّه يدع الّذي إلى اليبس مفتوحا فتصيبه الريح وما ينفع لحمه ويعصمه، فإذا اشتدّ لحمه وعاد إلى حاله فتح ذلك المسدود وسلك في الماء وطلب طعمه وما يقيم حياته.
الزامور حوت صغير الجسم إلف لأصوات الناس، مستأنس باستماعها ولذلك يصحب السفن متلذذا بأصوات الناس، فإذا رأى الحوت الأعظم يريد الاحتكاك بها وكسرها، وثب الزامور ودخل أذنه، فلا يزال زامرا فيها حتى يفرّ الحوت إلى الساحل يطلب خزفا أو صخرة، فإذا أصاب ذلك لا يزال يضرب به رأسه حتى يموت.
وركّاب السفينة يحبّونه ويطعمونه ويتفقّدونه، ليدوم إلفه لهم وصحبته لسفينتهم، ويسلموا به من ضرر السّمك العادي.
وإذا ألقوا شبكة ليصطادوا السمك فوقع فيها الزامور خلّوه حيّا وأخذوه وأعتقوا لكرامته أصناف السمك الواقع في الشبكة أحياء.
وإني قرأت هذا الفصل على الوزير- كبت الله كلّ شانئ له- في ليلتين، فتعجّب وقال: ما أوسع رحمة الله، وما أكثر جند الله، وما أغرب صنع الله. قلت:
نعم، وما أغفل الإنسان عن حقّ الله الّذي له هذا الملك المبسوط، وهذا الفلك المربوط، وهذه العجائب التي تصعد فوق العقول التامّة بالاعتبار والاختبار بعد الاختبار، وإنما بثّ الله تعالى هذا الخلق في عالمه على هذه الأخلاق المختلفة والخلق المتباينة، ليكون للإنسان المشرّف بالعقل طريق إلى تعرّف خالقها، وبيان
[ ١ / ١٣٧ ]
لصحّة توحيده له بما يشهد من أعاجيبها، ونيل لرضوانه بما يتزوّد من عبره الّتي يجد فيها، وليكون له موقظ منها وداع حاد إلى طاعة من أبداها وأبرزها، وخلطها وأفردها.
فقال: قد كنت قلت: إنّه يجري كلام في النّفس منذ ليال، فهل لك في ذلك؟
قلت: أشدّ الميل وأوحاه، لكن بشرط أن أحكي ما عندي، وأروي ما حصّلت من هذه العصابة بسماعي وسؤالي. فقال: نستأنف الخوض في ذلك- إن شاء الله- فإن النّعسة قد جذبت العين، فأنا كما قال:
قد جعل النّعاس يغرنديني «١» أدفعه عنّي ويسرنديني «٢»
أنشدني أبياتا ودّعني بها، ولتكن من سراة نجد، ليشتمّ منها ريح الشّيح والقيصوم.
فأنشدته لأعرابيّ قديم:
مطرنا فلمّا أن روينا تهادرت شقاشق منها رائب وحليب
ورامت رجال من رجال ظلامة وعادت ذخول بيننا وذنوب
ونصّت ركاب للصّبا فتروّحت لهنّ كما هاج الحبيب حبيب
وطئن فناء الحيّ حتّى كأنّه رجا منهل من كرّهنّ نخيب
بني عمّنا لا تعجلوا ينضب الثّرى غليلا ويشفي المسرفين طبيب
فلو قد تولّى النبت وامتيرت القرى وحثّت ركاب الحيّ حين تؤوب
وصار عيوف الخود وهي كريمة على أهلها- ذو جدّتين قشيب
وصار الذي في أنفه خنزوانة ينادي إلى داعي الرّدى فيجيب
أولئك أيّام تبيّن ما الفتى أكاب سكيت أم أشمّ نجيب
فعجب وقال: هذا جنى غرس قد جذّ أصله، ونزيح قليب قد غار مدّه وجزره، وانصرفت.
[ ١ / ١٣٨ ]