أما الرسالة الأولى:
بسم الله الرحمن الرّحيم: اللهمّ حلّني بالتوفيق، وأيّدني بالنّصرة، واقرن منطقي بالسّداد، واجعل لي من الوزير وزير الممالك عقبى فارجة من الغمم، وخاتمة موصولة بالنجاح، فإنك على ذلك قدير، وبالإجابة جدير.
كنت وصلت إلى مجلس الوزير، وفزت بالشّرف منه، وخدمت دولته، وعلاه من صدري بخبيئته، ومن فؤادي بمحيضته، وتصرفت من الحديث بإذنه في شجونه وفنونه، كلّ ذلك آملا في جدوى آخذها، وحظوة أحظى بها، وزلفى أميس معها، ومثالة أحسد عليها، فتقبّل ذلك كلّه، ووعد عليه خيرا ولم يزل أهله، وانقلبت إلى أهلي مسرورا بوجه مسفر، ومحيّا طلق، وطرف عازم، وأمل قد سدّ ما بين أفق العراق إلى صنعاء اليمن، حتّى إذا قلت للنفس: هذا معان الوزير ومعمره، وجنابه ومحضره، فانشرحي مستفتحة، وتيمّني مقترحة، واطمئنّي راضية مرضيّة، لا كدرة الشّرب، ولا مذعورة السّرب، حصلت من ذلك الوعد والضمان، على بعض فعلات الزمان، ولا عجب في ذلك من الزمان فهو بمثله مليء، وله فعول. وبقيت محمولا بيني وبين إذكاره- قرن الله ساعاته بسعاداته، ووصل عزّ يومه بسعادة غده، وغده بامتداد يده- حيران لا أريش ولا أبري، ثمّ رفعت ناظري، وسدّدت خاطري، وفصّلت الحساب لي وعليّ، فوضح العذر المبين، المانع من استزادة المستزيدين، وذلك أني رأيت أعباء الوزارة تؤود سرّه، وتتعب باله، والمملكة تفزع ولهى عليه، وتلقي بجرانها له بين يديه، والدولة تستمدّه التدبير الثاقب، والرأي الصائب، سوى أمور في خلاف ذلك لا يحرّرها رسم راسم، ولا يقرّرها قسم قاسم، ولا يحويها وهم واهم، ولا يفوز بها سهم مساهم، وهو يخطر في حواشي هذه الأحوال، متأبّطا بواهظ الأثقال، مفتتحا عويص الأقفال، سامي الطّرف، فسيح الصّدر، بسّاما على العلّات، غير مكترث بهاك وهات، يتلقّى ما أعيا من ذلك باللّيّ، وما أشكل بالإيضاح، وما عسر بالتّدبير، وما فسد بالإصلاح، وما أرقّ بالعتق، وما خرق بالرّتق، وما خفي بالتكشيف، وما بدا بالتصريف، وما أود بالتثقيف، وما لبس
[ ١ / ٤٠٤ ]
بالتعريف، حتى أجمع على هواه قاصيها ودانيها، وجرى على مراده خافيها وباديها، واستجاب لأمره أبيّها ومنقادها، وأتلف بلفظه نادرها ومعتادها، فلمّا تيقّنت ذلك كلّه وقتلته خبرا، أمسكت عن إذكاره- نفّس الله مدّته- سالف عهده، ومتقدّم وعده، عالما بأنّ أسرّهما مرعيّ عنده في صدر الكرم، ومكتوب لديه في صحيفة المجد، وثابت قبله في ديوان الحسنى.
ولكن كان ذلك الامتنان على رغم منّي، لأني قتلت في أثنائه بين جنبيّ قلبا مغرور الرّجاء، ومنزور العزاء، على عوارض لم تسنح في خلدي، ولم أعقد على شيء منها يدي.
فالحمد لله الذي جعل معاذي إلى الوزير الكريم، البرّ الرّحيم، والمنّة لله الذي جعلني من عفاة جوده، وناشئة عرفه، ووارد عدّه، وقادحي زنده، ومقتبسي نوره، ومصطلي ناره، وحاملي نعمته، وطالبي خدمته، وجعل خاصّتي وخالصتي من بينهم راوية مناقبه باللّسان الأبين، ونشر فضائله بالثّناء الأحسن، وذكر آلائه باللّفظ الأفصح، والاحتياج لسداد آرائه بالمعنى الأوضح، فلا زال الوزير- وزير الممالك- ممدوحا في أطوار الأرض على ألسنة الأدباء والحكماء، وفي نوادي الرّؤساء والعظماء، ما آب آئب، وغاب غائب، بمنّه ولطفه.
قد ناديت الوزير حيّا سامعا، وخيرا جامعا، وهززت منه صارما قاطعا وشهابا ساطعا، واستسقيت من كرمه سحابا هاطلا، ونقاخا سائلا، وأسأله أن يجنّبني مرارة الخيبة، وحسرة الإخفاق، وعذاب التّسويف، فقد تلطّفت بالسّحر الحلال، والعذب الزّلال، جهد المقلّ المحتال، وهو أولى بمجده، في تدبير عبده، إن شاء الله تعالى.
هذا آخر الرّسالة الأولى.
وحضر وصولها إليه بهرام- لعنه الله- وتكلّم بما يشبه نذالته وخسّته ونتن نيّته، فما كنت آمنه، وما أشدّ إشفاقي على هذا الوزير الخطير من شؤم ناصية بهرام، وغلّ صدره، وقلّة نصيحته، ولؤم طبعه، وخبث أصله، وسقوط فرعه، ودمامة منظره، ولآمة مخبره، حرس الله العباد من شرّه، وطهّر البلاد من عرّه وضرّه.
وأما الرسالة الثانية فهي التي كانت في هذه الأيام بعد استئذاني إيّاه في المخاطبة بالكاف، حتّى يجري الكلام على سنن الاسترسال، ولا يعثر في طريق الكتابة بما يزاحم عليه من اللّفظ واللّفظ، وهي:
بسم الله الرحمن الرحيم. أيّها الوزير، جعل الله أقدار دهرك جارية على تحكّم آمالك، ووصل توفيقه بمبالغ مرادك في أقوالك وأفعالك، ومكّنك من نواصي أعدائك، وثبّت أواخي دولتك على ما في نفوس أوليائك.
[ ١ / ٤٠٥ ]
يجب على كلّ من آتاه الله رأيا ثاقبا، ونصحا حاضرا، وتنبّها نافعا، أن يخدمك متحرّيا لرسوخ دعائم المملكة بسياستك وريادتك، قاضيا بذلك حقّ الله عليه في تقويتك وحياطتك. وإني أرى على بابك جماعة ليس بالكثيرة- ولعلّها دون العشرة- يؤثرون لقاءك والوصول إليك لما تجنّ صدورهم من النصائح النافعة، والبلاغات المجدية، والدّلالات المفيدة، ويرون أنّهم إذا أهلّوا لذلك فقد قضوا حقّك، وأدّوا ما وجب عليهم من حرمتك، وبلغوا بذلك مرادهم من تفضّلك واصطناعك، وتقديمك وتكريمك، والحجاب قد حال بينهم وبينك، ولكلّ منهم وسيلة شافعة، وخدمة للخيرات جامعة، منهم- وهو أهل الوفاء- ذوو كفاية وأمانة، ونباهة ولباقة، ومنهم من يصلح للعمل الجليل، ولرتق الفتق العظيم، ومنهم من يمتع إذا نادم، ويشكر إذا اصطنع، ويبذل المجهود إذا رفع، ومنهم من ينظم الدّرّ إذا مدح، ويضحك الثّغر إذا مزح، ومنهم من قعد به الدّهر لسنّه العالية، وجلابيبه البالية، فهو موضع الأجر المذخور، وناطق بالشّكر المنظوم والمنثور، ومنهم طائفة أخرى قد عكفوا في بيوتهم على ما يعنيهم من أحوال أنفسهم، في تزجية عيشهم، وعمارة آخرتهم، وهم مع ذلك من وراء خصاصة مرّة، ومؤن غليظة، وحاجات متوالية، ولهم العلم والحكمة والبيان والتّجربة، ولو وثقوا بأنّهم إذا عرضوا أنفسهم عليك، وجهّزوا ما معهم من الأدب والفضل إليك حظوا منك، واعتزّوا بك، لحضروا بابك، وجشموا المشقّة إليك، لكنّ اليأس قد غلب عليهم، وضعفت منّتهم، وعكس أملهم، ورأوا أنّ سفّ التراب، أخفّ من الوقوف على الأبواب، إذا دنوا منها دفعوا عنها، فلو لحظت هؤلاء كلّهم بفضلك، وأدنيتهم بسعة ذرعك وكرم خيمك، وأصغيت إلى مقالتهم بسمعك، وقابلتهم بملء عينك، كان في ذلك بقاء للنّعمة عليك، وصيت فاش بذكرك، وثواب مؤجّل في صحيفتك، وثناء معجّل عند قريبك وبعيدك، والأيام معروفة بالتقلّب، واللّيالي ماخضة بما يتعجّب منه ذو اللّبّ، والمجدود من جدّ في جدّه، أعني من كان جدّه في الدّنيا موصولا بحظّه من الآخرة، ولأن يوكل العاقل بالاعتبار بغيره، خير من أن يوكل غيره بالاعتبار به.
أيّها الوزير، اصطناع الرّجال صناعة قائمة برأسها، قلّ من يفي بربّها «١»، أو يتأتّى لها، أو يعرف حلاوتها، وهي غير الكتابة التي تتعلّق بالبلاغة والحساب.
وسمعت ابن سورين يقول: آخر من شاهدنا ممّن عرف الاصطناع، واستحلى الصّنائع، وارتاح للذّكر الطّيّب، واهتزّ للمديح، وطرب على نغمة السائل، واغتنم خلّة المحتاج، وانتهب الكرم انتهابا، والتهب في عشق الثّناء التهابا، أبو محمد
[ ١ / ٤٠٦ ]
المهلّبي، فإنّه قدّم قوما ونوّه بهم، ونبّه على فضلهم وأحوج الناظرين في أمر الملك إليهم، وإلى كفايتهم، منهم أبو الفضل العبّاس بن الحسين، ومنهم ابن معروف القاضي، ومنهم أبو عبد الله اليفرنيّ، ومنهم أبو إسحاق الصابئ، وأبو الخطّاب الصابئ، ومنهم أحمد الطّويل، ومنهم أبو العلاء صاعد، ومنهم أبو أحمد ابن الهيثم، وابن حفص صاحب الديوان، وفلان وفلان، هؤلاء إلى غير هؤلاء، كأبي تمّام الزّينبيّ، وأبي بكر الزهريّ، وابن قريعة، وأبي حامد المرورّوذيّ، وأبي عبد الله البصري، وأبي سعيد السّيرافي، وأبي محمد الفارسي، وابن درستويه، وابن البقّال، والسّريّ، ومن لا يحصى كثرة من التّجار والعدول.
وقال لي ابن سورين: كان أبو محمد يطرب على اصطناع الرّجال كما يطرب سامع الغناء على الشّبابير، ويرتاح كما يرتاح مدير الكأس على العشائر. وقال عنه:
إنّه قال: والله لأكوننّ في دولة الدّيلم، أول من يذكر، إن فاتني أن كنت في دولة بني العبّاس آخر من يذكر.
فلولا أنّك- أدام الله دولتك- أذنت لي أن أكتب إليك كلّ ما هجس في النفس، وطلع به الرّأي ممّا فيه مردّ على ما أنت فيه من هذا الثّقل الباهظ، وتنبيه على ما تباشره بكاهلك الضّخم، لم يكن خطري يبلغ مواجهتك بلفظ يثقل، وإشارة تغلظ، وكناية تخدش، لكنّك- والله يأخذ بيدك، ويقرن الصنع الجميل بظاهرك وباطنك- قد رخّصت لي في ذلك، وخصصتني به من بين غاشية بابك، وخدم دولتك، فلذلك أقول ما أقول معتمدا على حسن تقبّلك، وجميل تكفّلك، ومنتظر تفضّلك، وليس في أبواب السّياسة شيء أجدى وأنفع، وأنفى للفساد وأقمع، من الاعتبار الموقظ للنفس، الباعث على أخذ الحزم، وتجريد العزم، فإنّ الوكال والهوينا قلّما يفضيان بصاحبهما إلى درك مأمول، ونيل مراد، وإصابة متمنّي. وقد قال رجل كبير الحكمة، معروف الحنكة: المعتبر كثير، والمعتبر قليل. وصدق هذا الرّجل الصالح، وهو الحسن البصريّ.
لو اعتبر من تأخّر بمن تقدّم، لم يكن من يتحسّر في الناس ويندم، ولكنّ الله بنى هذه الدار على أن يكون أهلها بين يقظة ونوم، وبين فرح وترح، وبين حيطة وورطة، وبين حزم وغفلة، وبين نزاع وسلوة، لكنّ الآخذ بالحزم- وإن جرى عليه مكروه- أعذر عند نفسه وعند كلّ من كان في مسكه، من الملقي بيده، والمتدلّي بغروره، الساعي في ثبوره، وما وهب الله العقل لأحد إلّا وقد عرّضه للنّجاة، ولا حلّاه بالعلم إلّا وقد دعاه إلى العمل بشرائطه، ولا هداه الطريقين (أعني الغيّ والرّشد) إلّا ليزحف إلى أحدهما بحسن الاختيار.
[ ١ / ٤٠٧ ]
هذا بالأمس أبو الفضل العبّاس بن الحسين الوزير- وهو في وزارته وبسطة أمره ونهيه- قيل له ذات يوم: هذا التركي ساسنكر تفيّأ بظلّه، واعتصم بحبله، واستسق بسجله، وارتو من سؤره، ولا يبلغه عنك، ما يوحشه منك، ويجفيه عليك. وقد قيل:
اسجد لقرد السوء في زمانه
وإذا لم تقدر على قطع يد جائرة، فقبّلها متهمة منجدة غائرة. فلم يفعل، حتى وجد أعداؤه طريقا إليه، فسلكوه وأوقعوه.
ثم قيل له في الوزارة الثانية: قد ذقت مرارة النّكبة، وتحرّقت بنار الشماتة، وتأرّقت على فرطات العجز والفسالة، وقد كان من ذلك كلّه ما كان، ودار لك بما تمنّيت الزّمان، فانظر أين تضع الآن قدمك، وبأيّ شيء تدير لسانك وقلمك، فإنّ مخلّصك من ورطتك بالمرصاد، وقد وعدت من نفسك إن أعاد الله يدك إلى البسطة، وردّ حالك إلى السرور والغبطة، أنّك تجمل المعاملة، وتنسى المقابلة، وتلقى وليّك وعدوّك بالإحسان إلى هذا، والكفّ عن هذا، حتى يتساويا بنظرك، ويتعبّدا لك بتفضّلك.
فكان من جوابه ما دلّ على عتوّه وثباته، لأنّه قال: أما سمعتم الله تعالى حيث يقول: وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
[الأنعام: ٢٨] .
وقال لي القومسيّ- ولم يعلم ما في فحوى هذا الكلام-: ما ذاك؟ قلت:
فحواه ولو عادوا إلى ما نهوا عنه لعدنا إلى مقابلتهم بما استحقّوا عليه.
وصدق ما قال الله ﷿، ما لبث ذلك الإنسان بعد هذا الكلام إلّا قليلا حتى أورده ولم يصدره، وأعثره ولم ينعشه، وسلّم إلى عدوّه حتّى استلّ روحه من بين جنبيه، شافيا به ومشتفيا منه، وكان عاقبة أمره خسرا، ولو اتقى الله لكان آخر أمره يسرا. والله المستعان.
وهذا بعده محمد بن بقيّة طغى وبغى، واقتحم ظلمات الظلم والعسف، وطار بجناح اللهو والعزف، والشّرب والقصف، وملّ نعمة الله عليه، وضلّ بين إمهال الله وإملائه، فحاق به ما ذهبت عليه نفسه وماله، وخرّب بيته، وافتضح أهله، وكيف كان يسلم؟ أم كيف كان ينجو وقد قتل ابن السّرّاج بلا ذنب، والجرجرائيّ بلا حجّة، وضرب ابن معروف بالسّياط وأبا القاسم- أخا لأبي محمد القاضي- وشهّره على جمل في الجانب الشرقيّ؟! والتّشفّي حلو العلانية، ولكنّه مرّ العاقبة، وكأنّ الحفيظة إنما خلقت لتعتقد، والحقد إنما وجد ليبلغ به ما يسرّ الشيطان.
[ ١ / ٤٠٨ ]
وكأنّ العفو حرام، والكظم محظور، والمكافأة مأمور بها.
وهذا بالأمس عليّ بن محمد ذو الكفايتين، اغترّ بشبابه، ولها عن الحزم والأخذ به فيما كان أولى به، وظنّ أنّ كفايته تحفظه، ونسبه من أبيه يكنفه، وبراءته تحتجّ له، وذنوبه الصغيرة تغتفر، لبلائه المذكور، وغنائه المشهور، ومشى فعثر، وراب فخثر، والأوّل يقول:
من سابق الدّهر كبا كبوة لم يستقلها آخر الدّهر
فاخط مع الدّهر إذا ما خطا واجر مع الدّهر كما يجري
وقال لي الخليل- وكان لطيف المحلّ عنده، لما كان يرى من اختصاص أبيه له، ولما يظهر من فضله عنده- قلت له يوما: يا هذا، في أيّ شيء أنت؟! وبأيّ شيء تعلّل؟! وقد شحذت المواسي، وحدّدت الأنياب، وفتلت المرائر، ونصبت الفخاخ، والعيون محدّقة نحو القطيعة، والأعناق صور إلى الفظيعة، وأنت لاه ساه عمّا يراد بك بعد، يسبيك هذا المزرفن وهذا المرخي وهذا المعرّض «١»، وهذا الحليق، وهذا النّتيف، وهذا المعقرب الصّدغ، وهذا المصفوف الطّرّة، وبالكاس والطاس، والغناء والقصف، والناي والعود، والصّبوح والغبوق، والشراب المروّق العتيق، والله ما أدري ما أصنع، إن سكتّ عنك كمدت، وإن نصحتك خفت منك، ونعوذ بالله من اشتباه الرأي، واشتباك الأمر، وقلّة الاحتراس، والإعراض عمّا يجري من أفواه الناس.
يا هذا، سوء الاستمساك خير من حسن الصّرعة، وتلقّي الأمر بالحزم والشهامة أولى من استدباره بالحسرة والنّدامة، ومن لا تجربة له يقتبس ممّن له تجربة، فإذا نقب الخفّ دمي الأظلّ.
فقال: قد فرغ الله ممّا هو كائن، وإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون.
قال: قلت له: ما أطلعك الله على كائنات الأمور، ولا أعلمك بعواقب الأحوال، وإنما عرّفك حظّك بعد أن وفّر عقلك، وأحضرك استطاعتك، وأوضح لقلبك ما عليك ولك، حتّى يستشفّ ويستكشف، وملّكك النّواصي حتّى تمنّ وترسل، وما طالبك إلّا بعد أن أزاح علّتك، ولا عاقبك إلّا بعد أن أنذرك وأنظرك، وبمثل هذا تطالب أنت من هو دونك من خدمك وحشمك، وأوليائك وأعدائك، وهذا الّذي أعذلك عليه هو الذي به تعذل غيرك وتراه ضالّا في مسلكه، متعرّضا لمهلكه.
[ ١ / ٤٠٩ ]
فقال: أيظلمني وليّ نعمتي صراحا بلا ذنب، ويجتاحني بلا جريمة، ويثلم دولته بلا حجّة؟
قلت: الله يقيك ويكفيك، نراك بلا ذنب، ونجدك بريئا من كلّ عيب، وغيرك لا يراك بهذه العين، ولا يحكم لك بهذا الحكم، فإن كنت ترى فرصة فانتهزها، وإن كنت تحلم بغصّة فاحترز منها، فأبواب النّجاة مفتّحة، وطرق الأمان متوجّهة، والأخذ بالاحتياط واجب، قد قرب الشّاخص من هذا المكان، والقيامة قد قامت بالإرجاف، والطّيرة قشعريرة النّفس، كما أنّ القشعريرة طيرة البدن، والاسترسال كلال الحسّ، والفأل لسان الزمان، وعنوان الحدثان، ولا يقع في الأفواه إلّا ما يوجب الحذر، ويبعث على الرّأي والنّظر، واستقراء الأثر والخبر.
قال: أمّا أنّا بعد التّوكّل على الله فقد استظهرت بمحمد بن إبراهيم صاحب نيسابور، وبفخر الدّولة وهو بهمذان على ثلاثة أيام، وبعزّ الدّولة وهو بمدينة السّلام، ومتى حرب حارب، وراب رائب، أويت إلى واحد من هؤلاء.
قال: قلت: هاهنا ما هو أسهل من هذا وإن كان أهول، وأنجى وإن كان أشجى، وأقرب وإن كان أعزب.
قال ما هو؟ فرّج عنّي واهدني.
قلت: لمّا يدخل هذا الوارد الدّار، ويدنو من طرف البساط، تندر رأسه عن كاهله، وتلقي شلوه في مزبلة، فإنّ الهيبة تقع، والنّائرة تخبو، والعجب يغمر، والظّنّة تزول، والصّدر يشتفي، والاعتذار ينتفي، ويكتب إلى موفده بأنّ الرّأي أوجب هذا الفعل، لأنّه غلب على الظّنّ أنّه وافى لكيد يوصله إليّ، وبلاء يفرغه عليّ، فأزلت هذا الظّنّ باليقين، ودفعت الشّبهة بالجلاء، واستخلصت النور من الظّلام، ولأن تبعد ساقطا من خدمك، يسوء ظني به من جهتك، ويقدح في طاعتي لك، ويضرم فيّ نار التّهمة بيني وبينك، خير لي في نصيحتي لدولتك، وخير لك في بقائي على أمرك ونهيك، من أن يلتاث ضميري في سياسة دولتك، وتحول نيّتي عمّا عهدت من القيام بحقّ جندك ورعيّتك، وحفظ قاصيتك ودانيتك.
فقال: هذا أعظم، والله المستعان.
وليتني أصبت بهذا الرّأي امرأ علا عقله، فيقبله ببيان، أو يردّه ببرهان، فكان يقوى أو يضعف، ويقدم عليه أو يحجم عنه، فإنّ المبرم أقوى من السّحيل، والسمين أحمد من النّحيل، ثم كان ما كان. وكان مشايخ العراق والجبل يرون ما حدث بذلك الفتى أمرا فريّا، وظلما عبقريّا.
وحدّثني القومسيّ أنّه لم يتقدّم بذلك أمر، ولا سبق به إذن، ولكن لمّا حدث ما حدث، وقع عنه إمساك، وسترت الكراهية والإنكار.
[ ١ / ٤١٠ ]
وللأمور أيّها الوزير ظهور وبطون، وهواد وأعجاز، وأوائل وأواخر، وليس على الإنسان أن يدرك النجاح في العواقب، وإنّما عليه أن يتحرّز في المبادئ، ولهذا قال القائل:
لأمر عليهم أن تتمّ صدوره وليس عليهم أن تتمّ عواقبه
وقال سليمان بن عبد الملك أو غيره من أهل بيته: ما لمت نفسي على فوت أمر بدأته بحزم، ولا حمدتها على درك أمر بدأته بعجز.
هاهنا ناس إذا تلاقوا ينفث بعضهم إلى بعض بما هو صريح وكناية، ويحتاج الأمر إلى ابن يوسف، ويستملي الخبيث من الجالس فوق مشرعة مكان الرّوايا.
وليس يصحّ كلّ ما يقال فيروى على وجهه، وليس يخفى أيضا كلّ ما يجري فيمسك عنه، والأمور مرجة، والصدور حرجة، والاحتراس واجب، النصح مقبول، والرّأي مشترك، والثقة بالله من اللّوازم على من عرفه وآمن به، وليس من الله ﷿ بدّ على كلّ حال.
والله أسأل الدفاع عنك، والوقاية لك، في مصبحك وممساك، وفي مبيتك ومقيلك، وشهادتك وغيبتك، ولذوي مليحا في هذا الباب نفخ وإيقاد، وتناقل وائتمار، ومسألة وجواب.
وعند الشيخ أبي الوفاء من هذا الحديث ومن غيره ممّا يتّصل به من ناحية ابن اليزيديّ ما يجب أن يصاخ له بالأذن الواعية، ويقابل بالنّفس الراعية، ويداوى بالدّواء الناجع، وتحسم مادّته من الأصل، فإنّ الفساد إذا زال حصل مكانه الصلاح. وليس بعد المرض إلّا الإفراق، ولا بعد النّزع إلّا الإغراق.
إلى هاهنا انتهى نفسي بالنّصح وإن كانت شفقتي تتجاوزه، وحرصي يستعلي عليه، لكنّي خادم، وكما يجب عليّ أن أخدم بنيّات الصدر، فينبغي أن ألزم الحدّ بحسن الأدب.
والله إني لوادّ مخلص، وعبد طائع، ورجائي اليوم أقوى من رجائي أمس، وأملي غدا أبسط من أملي اليوم، أشكو إليك الأرق باللّيل فكرا فيما يقال، وتحفّظا ممّا ينال، وتوهّما لما لا يكون إن كان، وشرّ العدا، الذين يتمنّون لأولي نعمتهم الرّدى، ويبيّتون النّكائث، ويكسرون الأجفان، ويتخازرون بالأعين، ويتجاهرون بالأذى إذا تلاقوا، ويتهامسون بالألسن إذا تدانوا، والله يصرع خدودهم، ويضرع خدودهم بين يديك، وهذه الرّقّة منّي والحفاوة، وهذه الرّعشة والقلق، وهذا التّقبّع والتفزّع كلّه، لأني ما رأيت مثلك، ولا شاهدت شبهك، كرم خيم، ولين عريكة، وجود بنان، وحضور بشر، وتهلّل وجه، وحسن وعد، وقرب إنجاز، وبذل مال، وحبّ حكمة.
[ ١ / ٤١١ ]
قد شاهدت ناسا في السّفر والحضر، صغارا وكبارا وأوساطا، فما شاهدت من يدين بالمجد، ويتحلّى بالجود، ويرتدي بالعفو، ويتأزّر بالحلم، ويعطي بالجزاف، ويفرح بالأضياف، ويصل الإسعاف بالإسعاف، والإتحاف بالإتحاف، غيرك.
والله إنّك لتهب الدرهم والدينار وكأنّك غضبان عليهما، وتطعم الصادر والوارد كأنّ الله قد استخلفك على رزقهما، ثم تتجاوز الذهب والفضّة إلى الثياب العزيزة، والخلع النفيسة، والخيل العتاق، والمراكب الثقال، والغلمان والجواري، حتّى الكتب والدفاتر وما يضنّ به كلّ جواد، وما هذا من سجايا البشر إلّا أن يكون فاعل هذا نبيّا صادقا، ووليّا لله مجتبى، فإنّ الله قد أمّن هذا الصنف من الفقر، ورفع من قلوبهم عزّ المال، وهوّن عليهم الإفراج عن كلّ منفس، ياقوتا كان أو درّا ذهبا كان أو فضّة، كفاك الله عين الحاسدين، ووقاك كيد المفسدين، الّذين أنعمت عليهم بالأمس على رؤوس الأشهاد، وكانوا كحصى فجعلتهم كالأطواد، وهم يكفرون أياديك، ويوالون أعاديك، ويتمنّون لك ما أرجو أنّ الله يعصبه برؤوسهم، وينزله على أرواحهم، ويذيقهم وبال أمرهم، ويجعلهم عبرة لكلّ من يراهم ويسمع بهم، كان الله لك ومعك، وحافظك وناصرك.
أطلت الحديث تلذّذا بمواجهتك، ووصلته خدمة لدولتك، وكرّرته توقّعا لحسن موقعه عندك، وأعدته وأبديته طلبا للمكانة في نفسك.
وأرجو إن شاء الله ألّا أحرم هبّة من ريحك، ونسيما من سحرك، وخيرة بنظرك. لم أوفّق في هذه الكلمة الأخيرة، والله ما يمرّ بي يأس من إنعامك فأقوّيه بالرّجاء، ولا يعتريني وهم في الخيبة لديك فأتلافاه بالأمل. إنّما قصارى أمنيّتي إذا حكّمت أن أعطى فيك سؤلي بالبقاء المديد، والأمر الرّشيد، والعدوّ الصريع، والوليّ الرّفيع، والدّولة المستتبّة، والأحوال المستحبّة، والآمال المبلوغة، والأمانيّ المدركة، مع الأمر والنّهي النّافذين، بين أهل الخافقين، والله يبلغني ذلك بطوله ومنّه.
وآخر ما أقول، أيّها الوزير: مر بالصّدقات، فإنّها مجلبة السلامات والكرامات، مدفعة للمكاره والآفات، واهجر الشراب، وأدم النظر في المصحف، وافزع إلى الله في الاستخارة، وإلى الثّقات بالاستشارة، ولا تبخل على نفسك برأي غيرك، وإن كان خاملا في نفسك، قليلا في عينك، فإنّ الرّأي كالدّرّة التي ربّما وجدت في الطّريق وفي المزبلة، وقلّ من فزع إلى الله بالتوكّل عليه، وإلى الصّديق بالإسعاد منه، إلّا أراه الله النّجاح في مسألته، والقضاء لحاجته، والسلام.
فقال لي الوزير بعد ما قرأ الرّسالة: يا أبا مزيد، بيّضتها، وعجبت من تشقيق القول فيها، ومن لطف إيرادك لها، ومن بلّة ريقك بها.
[ ١ / ٤١٢ ]
والله يحقّق ما نأمله له، ونرجوه لأنفسنا، وينحسر عنّا هذا الضّباب الّذي ركد علينا، ويزول الغيم الّذي استعرض في أمرنا، وعلى الله توكّلنا، وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ
[الطلاق: ٣] .