واسمه، فيما زعم عاصم بن منظور، قطبة بن قيس بن الأعظم بن عبد العزى. والناس يقولون: اسمه قطبة بن أوس بن محصن بن جرول بن حبيب بن عبد العزى بن خزيمة بن رزام بن مازن بن ثعلبة بن سعد بن ذبيان. قال أبو سعيد: سمعت شيخًا، من أهل المدينة، من بني كنانة، قال: كان حسان بن ثابت إذا قيل له: أنشد، قال: هل أنشدت كلمة الحويدرة. يعني: هذه القصيدة:
١ بكرت سمية، بكرةً، فتمتعِ
وغدت، غدو مفارقٍ، لم يربعِ
أي: فأدركها، فتمتع منها بسلامٍ، أو حديثٍ. "لم يربع": لم يكف عن السير.
[ ٦٣ ]
٢ وتزودت عيني، غداة لقيتها
بلوى عنيزة، نظرةً، لم تنفع
٣ وتصدفت، حتى استبتك، بواضحٍ
صلتٍ، كمنصب الغزال، الأتلعِ
"تصدفت": أعرضت. و"استبتك" غلبتك على عقلك، صرت كأنك سبيٌّ في يديها. وقوله: "بواضحٍ" يعني وجهها. و"الصلت": الأجرد الأملس. و"الأتلع": الطويل العنق، من كل شيء.
٤ وبمقلتي حوراء، تحسب طرفها
وسنان، حرة مستهل الأدمعِ
"وسنان" يقول: كأن به سنة، يعني: فاترة، "والسنة": النعاس. "وحرةٌ": عتيقة كريمة، أي: هي عتيقة مجرى الدمع. و"استهلت" عينه: إذا اشتد قطرها.
٥ وإذا تنازعك الحديث رأيتها
حسنًا تبسمها، لذيذ المكرع
يقول: مقبلها يطيب، كما يطيب المكرع، في الماء العذب، ويلذ.
[ ٦٤ ]
٦ كغريض ساريةٍ، أدرته الصبا
من ماء أسجر، طيب المستنقع
"الغريض": الماء الطري من سارية سرت. و"السارية" وجمعها سوارٍ: سحائب، تمطر بالليل. قال الأصمعي: قيل لابنة الخس: أي شيء أحسن؟ قالت: أثر غادية في أثر سارية. قال: ومعنى استدرته و"أدرته" واحد، أي: استخرجت ماءه. و"أسجر": واد، لم يصف ماؤه. يقال لماء السماء قبل أن يصفو: إن فيه لسجرة، وإنه لأسجر. قال العجير:
غدت كالقطرة، السجراء، راحت أمام مزمزمٍ، لجبٍ، نفاها
أي: قذفها.
٧ ظلم البطاح، بهب، انهلال حريصةٍ
فصفا النطاف، له، بعيد المقلع
"ظلم البطاح": جاء في غير وقته. يقال: ظلم المطر الأرض يظلمها ظلمًا. وأرض مظلومةٌ، إذا أصابها المطر في غير وقته. ويقال: سقاء مظلوم. وهو الذي يشرب لبنه قبل أن يبلغ وقت روبه. قال: وأنشدني عيسى بن عمر:
وصاحب صدق، لم تنلني أذاته ظلمت وفي ظلمي له، عامدًا، أجر
[ ٦٥ ]
يقول: سقيته قبل أن يدرك، فأجرت في ذلك. ويقال: اليوم ظلم، أي: وضع الشيء في غير موضعه. وقال الشاعر:
قالت له سلمي، بأعلى ذي سلم: أما تزورنا، إن الشعب ألم
قال: بلى، يا ميُّ، واليوم ظلم
والظلم: ماء السن. وإنما هو بريق تراه، كما يقال: ماء السيف. والظلم: الاسم، والظلم: الفعل، وهو المصدر، مثل الدَّهن والدُّهن. و"البطاح": بطون الأودية. و"انهلالها": سيلانها. يقال: انهلت السماء، أي: سالت. و"الحريصة": السحابة، تقع على الأرض، شديدة الوقع، فتقشر وجه الأرض. "فصفا النطاف" أي: صفا ماء هذه السحابة، بعيد أن أقلعت. و"النطفة": الماء. يقال: أرض بني فلان أعذب أرض الله نطفة. قال: وزعموا أن خالد بن صفوان قال: ما رأينا أرضً أعذب نطفةً، ولا أقرب مسافةً، ولا أذل مطية، منها. يعني: الأبلة. قال: فقال أعرابي من بني نمير: فعلام تضرب أكباد الإبل إلى بيت الله الحرام؟ قال أبو عمرو: بهذا وأشباهه غلب هذا والنابغة الناس.
٨ لعب السيول، به، فأصبح ماؤه
غللًا، تقطع، في أصول الخروع
"لعب السيول به" أي: جاءته من كل وجهٍ، كأنهن يلعبن.
[ ٦٦ ]
و"الغلل": الماء الجاري في أصول الشجر. والغيل: الماء الجاري على وجه الأرض. والغيل: الشجر الملتف. و"الخروع": النبت الناعم.
٩ فسمي، ويحك، هل سمعت، بغدرةٍ
رفع اللواء، لنا بها، في مجمعِ؟
قال: يقال: لكل غادر لواء. فيقول هل كان منا ما يرفع للناس، ويشهر؟
١٠ إنا نعفُّ، فلا نريب حليفنا
ونكف شح نفوسنا، في المطمعِ
يقول: لا نأتيه بأمر، يريبه.
١١ ونقي، بآمن مالنا، أحسابنا
ونجر، في الهيجا، الرماح، وندعي
"ندعي": نقول: نحن بنو فلان. "بآمن": أي: بقوي مالنا، وأوثقه في أنفسنا. و"الإجرار": أن تطعن الرجل، وتدع الرمح فيه.
١٢ ونخوض غمرة كل يوم كريهةٍ
تردي النفوس، وغنمها للأشجع
"الغمرة": الشدة. "تردي": تهلك. يقول: هي ذات ردًى. وقوله: "للأشجع": لأهل الشجاعة والبأس. يقول: الغنيمة للذي هو أقوى.
[ ٦٧ ]
١٣ وتقيم، في دار الحفاظ، بيوتنا
زمنًا، ويظعن غيرنا، للأمرعِ
"دار الحفاظ": التي لا يقيم بها إلا من حافظ على حسبه. وذلك أنه لا يحافظ على حسبه إلا الشريف. و"الأمرع": الأرض الخصبة. ومثله قول سلامة:
يقال: محبسها أدنى لمرتعها ولو تعادى، ببكءٍ، كل محلوب
يقول: نحبسها في دار الحفاظ، ليهابنا عدونا. فهي أدنى لأن ترتع، بعد، حيث شئنا. والبكء: قلة اللبن. يقال: كانت غزيرة فبكؤت، إذا قل لبنها. ومثله قول عمرو بن كلثوم:
ونحن الحابسون، بذي أراطى تسف الجلة، الخور، الدرينا
فيقول: نحن نحبس إبلنا، في الرعي، حفاظًا على حسبنا، حتى تصير إلى أن تأكل هذا. ومثله قول الشاعر:
تقيم، على دار الحفاظ، بيوتهم فهم خير أيسارٍ، وخير فوارس
وقوله: تعادى: تتابع.
١٤ بسبيل ثغرٍ، لا يسرح أهله
سقمٍ، يشار لقاءه، بالإصبعِ
"
[ ٦٨ ]
الثغر": الموضع المخوف. والثغرة مثله. وقال الهذلي: السالك الثغرة اليقظان.
يقول: لا يسرح أهله، من الخوف، لقربهم من العدو. و"السقم": المخوف. "يشار لقاءه" أي: بلقائه، يقال: هذا أخبث بقعةٍ في الأرض.
١٥ فسمي، ما يدريك أن رب فتيةٍ
باكرت لذتهم، بأدكن، مترعِ؟
١٦ محمرةً، عقب الصبوح، عيونهم
بمرى هناك، من الحياة، ومسمعِ
"عقب الصبوح" أي: بعد الصبوح. وقوله: بمرى" أصله الهمز، فترك الهمز. يقول: بمنظر من الحياة، حسنٍ، ومسمعٍ حسنٍ، أي: يرون ما يشتهون، ويسمعونه.
١٧ بكروا علي، بسحرةٍ، فصبحتهم
من عاتقٍ، كدم الذبيح، مشعشعِ
"
[ ٦٩ ]
عاتق": خمر عتيقةٌ. "كدمِ الذبيح": دم دابة ذبح، فدمه طريٌّ.
١٨ ومغرضٍ، تغلي المراجل تحته
عجلت طبخته، لرهط، جوع
"المغرض": اللحم الذي لم يبلغ نضجه.
١٩ ولدي أشعث، باذل ليمينه
قسمًا، لقد أنضجت، لم يتورع
يقول: أشعث، من الفتيان. يبذل يمينه، يحلف. "لم يتورع": لم يكف عن اليمين، مضى عليها.
٢٠ ومسهدين، من الكلال، بعثتهم
بعد الرقاد، إلى سواهم، ظلعِ
"المسهد": الممنوع النوم. يقول: جاؤوا، كالين، فلم أدعهم أن يناموا، فبعثتهم إلى إبلٍ كالةٍ. و"الساهم": الضامر المتغير. و"الظلع": التي قد حفيت، من التعب. واحدها ظالع.
[ ٧٠ ]
٢١ أودى السفار، برمها، فتخالها
هيمًا، مقطعةً حبال الأذرعِ
"الرم": الشحم. و"أودى السفار به" أي: ذهب به. يقال: ثوب قد أودى، أي: تهيأ للذهاب. ومثل من الأمثال يضرب للشيء، قد ذهب، أو تهيأ للذهاب: "أودى درم". وأنشد:
كما قيل في الحرب أودى درم
و"الهيام": أن يأخذ الإبل شبيهٌ بالحمى، من شهوة الماء، تشرب، فلا تروى، حتى ترجع. فإذا أصابها ذلك فصد لها عرق، ليخف الداء عنها، ويذهب، ويبرد غليلها. ومثله:
ولم يق طع عبيدٌ عروقها، من خمال
وهام البعير يهيم هيامًا. وبعير أهيم وناقة هيمى وهيماء.
[ ٧١ ]
٢٢ تخد الفيافي، بالرحال، وكلها
يعدو، بمنخرق القميص، سميدع
٢٣ ومطيةٍ، حملت رحل مطيةٍ
حرجٍ، تتم من العثار، بدعدعِ
قوله: "ومطية حملت رحل مطيةٍ": يقول: سرت على إبلي. فكلما انحسر بعير، أو مات أو قام، حولت رحله على بعير آخر. و"الحرج": الطويلة على وجه الأرض. وقوله "تتم، من العثار، بدعدع" كانت الإبل إذا عثرت قيل لها: دعدع، لتتم وتنمي. وكره ذلك في الإسلام أن يقال، وقيل: اللهم ارفع، وانفع.
٢٤ ومناخ غير تئيةٍ، عرسته
قمنٍ، من الحدثان، نابي المضجعِ
يقال: ما لي في هذا المكان "تيئةٌ" أي: مكثٌ. "قمن": خليق أن يكون به الحدثان. وقوله "نابي المضجع": لا يطمأن فيه، ولا يقام به.
[ ٧٢ ]
٢٥ عرسته، ووساد رأسي ساعدٌ
خاظي البضيع، عروقه لم تدسعِ
"الخاظي": الممتلئ. و"البضيع": اللحم. وهو اسم وحده. كما يقال: دخيس. ويقال: "دسع" البعير بجرته، إذا دفع بها، وقد ملأ فمه. فيقول هذا: لا تمتلئ عروق يده من الدم. إنما تمتلئ عروق الشيخ وأنشد:
عروقه من
٢٦ فرفعت، عنه، وهو أحمر فاترٌ
قد بان مني، غير أن لم يقطع
"فاتر" أي: قد خدر. و"أحمر" يعني: ساعده. ومثل "قد بان مني، غير أن لم يقطع" يقال: قد انقطعت رجلي، غير أنها معي.
٢٧ فترى، بحيث توكأت ثقناتها،
أثرًا، كمفتحص القطا، للمهجعِ
يريد كأن موضع ثفناتها موضع قطًا، قد بات. يعني: ناقته.
[ ٧٣ ]