١ سلا، عن تذكره، تكتما
وكان، قديمًا، بها مغرما
يقال: "سلا عن" كذا وكذا، يسلو سلوًا. وبعض العرب يقول: سليت أسلى. قال رؤبة:
لو أشرب السلوان ما سليت
ورواها الأصمعي: "صحا عن تذكره". و"تكتم" امرأةٌ. يقال: صحا القلب، إذا انكشف عنه غيه. وأصحت السماء إذا انكشف غيمها.
٢ وأقصر، عنها، وآياتها
يذكرنه داءه، الأقدما
"آياتها": علامات منزلها، وآثارها. و"داؤه" ههنا: حبه إياها.
[ ٢٧٦ ]
٣ وأوصي الفتى، بابتناء العلا
ء: ألا يخون، ولا يأثما
٤ ويلبس، للدهر، أجلاله
فلن يبني الناس ما هدما
"أجلاله" يريد: ثيابه. هذا مثل قولهم:
البس، لكل حالةٍ، لبوسها إما نعيمها، وإما بوسها
يقول: إذا وضع كل شيء موضعه لم يبرم الناس ما ينقض. وقال أبو بشر: يريد: أنه إن ضيع لم يكن الناس يبنون شرفه، إذا كان هو يهدمه.
٥ وأحبب حبيبك، حبًا، رويدًا
لئلا يعولك أن تصرما
قوله: "يعولك" يريد: يشق عليك، ويغلبك. يقول: لا تفرط في حب، ولا بغض. ويروى عن أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب،
[ ٢٧٧ ]
صلوات الله عليه، أنه قال: "أحبب حبيبك هونًا ما، عسى أن يكون عدوك يومًا ما. وأبغض بغيضك هونًا ما، عسى أن يكون حبيبًا يومًا ما".
٦ وأبغض بغيضك بغضًا، رويدًا
إذ أنت حاولت أن تحكما
"تحكم" أي: تكون حكيمًا. وقوله "بغضًا رويدًا" أي: في رفق، أي: لا تفرط، وتتجاوز.
٧ وإن أنت لاقيت في نجدةٍ
فلا يتهيبك أن تقدما
قال أبو بشر: "نجدة": قتال. قال طرفة:
تحسب الطرف عليها نجدةً يا لقومي، للشباب، المسبكر
يقول: من لينها، وتخاذل أوصالها، ورخوصتها، إذا أرادت أن تطرف كان الطرف عندها قتالًا، أي: كأنها تعالج منه قتالًا، أو شدةً. والمعنى: أنها تطرف بمشقةٍ. يقول: لا يمنعك هول الشدة من أن تقوم بما يجب عليك. ومعنى "فلا يتهيبك أن تقدم" أي: فلا تتهيب أن تقدم.
[ ٢٧٨ ]
قال أبو عبيدة: هذا من المقلوب. تقول: عرضت الناقة على الحوض، أي: عرضت الحوض على الناقة. وهذا ثوب لا يقطعني أي: لا أقطعه أنا. وأنشد:
وتشقى الرماح، بالضباطرة، الحمر
أي: وتشقى الضباطرة الحمر بالرماح.
٨ فإن المنية من يخشها
فسوف تصادفه، أينما
قال الأصمعي: "المنية": القدر. قال الهذلي:
حتى تلاقي ما يمني، لك، الماني
أي: يقدر لك المقدر. قال أبو بشر. وقوله "أينما" يريد: أينما ذهب.
[ ٢٧٩ ]
٩ وإن تتخطأك أسبابها
فإن قصاراك أن تهرما
قال الأصمعي: "تتخطاك": تجوزك إلى غيرك. و"أسبابها": التي تفلت من مثلها. وقول آخر: أسبابها: حبائلها. واحدها سبب، وجمع سبب: أسباب. جعل للمنية حبائل كحبائل الصائد، التي تكون في الشرك، كما قال لبيد:
حبائلها مبثوثة، بسبيله ويفنى، إذا ما أخطأته الحبائل
أي: وإن لم يمت هرم، ففني. وقال الأصمعي "فإن قصاراك" أي: فإنك مقصور على الهرم، فهو أكبر الغم، يزهد في العيش. ومثله قول حميد بن ثور:
وحسبك داء أن تصح، وتسلما
يريد: وحسبك بما يؤدي إلى الهرم، والخرف، داءً.
١٠ ولو أن من حتفه ناجيًا
لألفيته الصدع، الأعصما
[ ٢٨٠ ]
يريد: فلو أن أحدًا يفلت من حتفه - و"الحتف": الأجل - "لألفيته" أي: لأصبته "الصدع". وهو الوعل الخفيف اللحم. ومثله رجل ضرب أي: ممشوق مخفف. و"الأعصم": الذي في يده بياضٌ. وجمعه عصم.
١١ بإسبيل، ألقت به أمه
على رأس ذي حبك، أيهما
يروى: "ذي حبك، أقتما" من القتمة. وقوله "إسبيل" قال خلف الأحمر: قال اليماني:
لا أرض إلا إسبيل وكل أرض تضليل
أي: إسبيل خير الأرضين. "ألقت به" الباء زائدة، يريد: ألقته. قال الله ﷿: (فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون) أي: أيكم. وأنشد لأوس:
وألقى بأسبابٍ، له، وتوكلا
قال: و"الحبك" طرائق فيه.
[ ٢٨١ ]
١٢ إذا شاء طاله مسجورةً
ترى حولها النبع، والسأسما
"مسجورة": عين مملوءة. وقوله: "تكون لأعدائه مجهلا" يعني: العين. يقول: من كان يطلبه فهو يجهلها. وأراد بقوله "وكانت له معلما" ل"الصدع" أي: هو يعلمها. قال: يريد: ارتفع في الجبل، حتى صار النبع وسأسم ينبتان تحته. وأنشد:
من فوقه أنسرٌ، سودٌ، وأغربةٌ وتحته أعنز كلفٌ، وأتياس
١٣ تكون، لأعدائه، مجهلًا
مضلًا، وكانت له معلما
١٤ سقتها رواعد، من صيف
وإن من خريفٍ فلت يعدما
"سقتها" أي: سقت هذه المسجورة. وإن يكن مطر خريفٍ فلن يعدم الماء. يعني: الصدع.
[ ٢٨٢ ]
١٥ أتاح، له، الدهر ذا وفضةٍ
يقلب، في كفه، أسهما
قال الأصمعي: "أتاح له الدهر": قدر له، وبعث الله، تعالى، عليه من رماه، فلم يغن عنه موضعه شيئًا. و"الوفضة": الجعبة. وجمعها: وفاضٌ. قال عوج: "يقلب في كفه أسهما" أي: يروزها، أيها يضعه في قوسه؟
١٦ فأرسل أهزع، من كفه
وما كان يرهب أن يكلما
"أهزع": سهم يقال: ما في كنانته أهزع، أي: سهم واحد. وقوله "وما كان يحذر" يعني: الوعل. أي: كان آمنًا. ويرهب": يخاف. و"يكلم" يجرح. يقال: كلمه يكلمه كلمًا، إذا جرحه.
١٧ فريغ الغرور، على قدرةٍ
فشك نواهقه، والفما
[ ٢٨٣ ]
قوله "فريغ الغرور" أي: سهمًا، فريغ الغرور أي: مفرغ. والغرور: الحدود. واحدها: غر، وهو حد النصل. وقوله "على قدرةٍ" أي: اقتدار. و"الناهقان": عظمان، يبدوان من الدابة، إذا كان عتيقًا. وهما أسفل من عينيه، بين العينين والأنف. وروى الأصمعي "فشك شواربه" وهي: العروق التي في حلقه، يشرب فيهن الماء.
١٨ فظل شبيبًا، كأن الولو
ع كان، بصحته، مرغما
"شبيبًا": يشب، وينزو في السماء، حين أصابه السهم. وروى أبو عبيدة:
فظل الشبوب كأن الولو ع كان، بصحته، مغرما
قال: و"الولوع": اسم من أسماء الدهر: ومعنى قوله في الرواية الأخرى، التي تقدمت قبل رواية أبي عبيدة: أن الدهر أولع به، حتى صابه. وقوله "مرغم" أي: كأنه كان يعيش على رغم أنفه. ومعنى أرغم الله أنف فلانٍ، أي: أعثره الله، حتى يصير أنفه في التراب. والتراب: الرغام.
١٩ وأدركه ما أتى تبعًا
وأبرهة، الملك، الأعظما
أي: وأدركه الموت الذي أدرك تبعًا قال: وكان تبع في الجاهلية
[ ٢٨٤ ]
مثل الخليفة في الإسلام. وإنما اشتقوا له اسمًا من تبع يتبع، فقالوا له: تبع. وقوله "وأبرهة" يعني: أبرهة الأشرم.
٢٠ لقيم بن لقمان من أخته
فكان ابن أخت، له، وابنما
قال: كان لقمان، أبو لقيم، رجلًا عاديًا شديدًا، وكانت له أخت مثله في الشدة. فقالت أخته لامرأته: إنك تضوين فقفليني له الليلة - أي أرسليني منا تفعل الجند من المغزى - بهيئتك، وتغيبي أنت عنه. ففعلت، فجاءته في هيئة امرأته، ليلًا، فوقع بها فأحبلها. فلما كان الليلة الأخرى أتى امرأته فقال: "هذا الليلة حر معروف". فأرسلها مثلًا. وقد كان أنكر ليلته الأولى. وولدت أخته لقيمًا. وكان مثله في الشدة. وإنما ضربه النمر مثلًا.
٢١ ليالي حمق، فاستحصنت
إليه، فغر بها، مظلما
٢٢ فأحبلها رجلٌ نابهٌ
فجاءت به، رجلًا، محكما
قوله: "نابهٌ" أي: ذو صيتٍ. ونباهة: رفعة. و"محكم": حكيم. يقول: أحبلها لقمان، فجاءت بلقيمٍ.