وهو خال الأعشى:
١ أرحلت، من أسما، بغير متاع
قبل العطاس، ورعتها بوداع؟
يقول: رحلت عنها "بغير العطاس" أي: من قبل أن أرى شيئًا، أتطير به. قال العجاج:
قطعتها، ولا أهاب العطسا
٢ من غير مقليةٍ، وأن حبالها
ليست بأرمامٍ، ولا أقطاعِ
"من غير مقلية": من غير بغضٍ. ويقال: حبل "أرمام وأقطاع" وأرماث، إذا كان قطعًا موصولةً. وواحدة الأرمام: رمةٌ. ويقال:
[ ٣١٧ ]
دفعه إليه برمته، أي: بحبله الذي في عنقه. وسمي ذو الرمة ذا الرمة، بقوله: في وصفه الوتد:
أشعث باقي رمة التقليد
٣ إذ تستبيك، بأصلتي، ناعمٍ
قامت لتفتنه، بغير قناعِ
"أصلتي": وجه، أجرد من الشعر، صلت. وقولهم: فلان صلت الجبين، إذا كان ليس فيه شعر، وكان منكشفًا، وسيف صلت: إذا كان منجردًا من غمده. والانصلات: الانجراد. ويقال: مر منصلتًا، إذا مر مرًا سريعًا.
٤ ومهًا يرف، كأنه، إذ ذقته،
عانية، شجت، بماء وفاعِ
"المها": البلور. شبه بياض ثناياها به. و"يرف": يكاد يقطر، من كثرة مائه. يقال: رف يرف. وبعضهم يقول: ورف يرف. وأنشد:
رفوف
[ ٣١٨ ]
وأنشد لذي الرمة:
وأحوى كأيم الضال أطرق بعدما حبا تحت فينانٍ من النبت وارف
ويروى: "بماء يراع". يريد: بماء القصب، الذي يجري بينه. والواحدة: يراعة. وكل أجوف: يراع. فأراد: ماء الأنهار، لا ماء البئر، لأن القصب إنما ينبت على الأنهار.
٥ أو صوب غاديةٍ، أدرته الصبا
ببزيل أزهر مدمجٍ بسياعِ
"أزهر": دن أبيض. و"صوبها": ما صاب منها، وتدلى. "غادية": سحابةٌ أمطرت بالغداة. ولم يخضها بالغدو، لأن الغادية والسارية سواء. "ببزيل" أي: ما بزل. "مدمج بسياع" أي: مطلي بسياع، أي بطينٍ. وكل مغطى: مدمج.
٦ فرأيت أن الحكم مجتنب الصبا
فصحوت، بعد تشوقٍ، ورواعِ
هذا كقولك: الكذب مجانب الإيمان. و"الصبا" والصبوة واحد.
[ ٣١٩ ]
وقول القائل: تصابيت: رققت، وفعلت ما يفعل الصبي. و"رواعٌ": روعٌ. ويروى: "بعد تشوقي، ورواعي".
٧ فتسل حاجتها، إذا هي أعرضت،
بخميصةٍ، سرح اليدين، وساع
"خميصة": منطوية البطن. ويستحب للنجائب انطواء البطون. و"سرح اليدين". منسرحة الضبعين بالمشي، ليست بكزة.
٨ صكاء ذعلبةٍ، إذا استدبرتها،
حرجٍ، إذا استقبلتها، هلواعِ
"صكاء": كأنها نعامة. والصكك: تقارب العرقوبين. وكل نعامةٍ يتقارب عرقوباها، إذا مشت. والصكك يعتري النجائب. و"الذعلبة": الخفيفة. وكل سريع ذعلب. و"الهلواع": المستخفة، كأنها تفزع، من النشاط. والهلع: الخفة.
٩ وكأن قنطرةً بموضع كورها،
ملساء، بين غوامض الأنساع
"
[ ٣٢٠ ]
موضع كورها": وسطها. وقوله "كلساء" رجع إلى صفة الناقة. أي: ليست بها آثار، في مواضع الأنساع. وقوله "غوامض الأنساع" يعني: أن النسع إذا استوفته فمض، أي: دخل في لحمها، من شدة ما تشد به.
١٠ وإذا تعاورت الحصا أخفافها
دوى نوادره، بظهر القاع
ويروى: "دوى نواديه". دوى: ذهب. ودوم: في السماء. فأراد أنها ترضخ الحصا، برجليها، لشدة رجمها. ومن روى: نواديه" فالنوادي: الأوائل من كل شيء، والسوابق. ومن ثم قيل: لا ينداك مني أمر تكرهه، أي: لا يسبق إليك. و"القاع": المكان الحر الطين، ليس فيه حصا، ولا حجارة.
١١ وكأن غاربها رباوة مخرمٍ
وتمد ثني جديلها، بشراعِ
ويروى: "حاركها". وهما: الكتفان، وما انضما عليه. و"الرباوة": الموضع المشرف من الأرض. وهي الربوة. و"المخرم:
[ ٣٢١ ]
منقطع أنف الجبل والغلظ. وإنما أراد أن يشبه حاركها، بمسترق الجبل خين رق. وقوله "وتمد ثنى جديلها بشراع" أي: لا تدع في جديلها فضلًا، عن عنقها، لطوله. و"الثني": ما انثنى في اليد. وقوله "بشراع" شبه عنقها بالدقل. وقد أفرط في نعتها.
١٢ وإذا أطفت بها أطفت، بكلكلٍ
نبض الفرائص، مجفر الأضلاع
"الكلكل": الصدر. "نبض الفرائص": تنبض فرائصها، من حدتها وشهومتها، كأنها مروعة الفؤاد. ويقال: نبض عرقه، ونبذ ينبذ. و"الفريصة": في مرجع الكتف، أسفل من الإبط، إذا فزعت الدابة ارتعدت. "مجفر": واسع، كأنه جفر. ويستحب انتفاخ الجنبين، واتساع الضلع.
١٣ مرحت يداها، للنجاء، كأنما
تكرو، بكفي لاعبٍ، في صاع
"الكرو": اللعب بالكرة. و"الصاع": مطمئن من الأرض،
[ ٣٢٢ ]
شبه الجفنة، يكرو فيه الغلمان. لأنهم إن ضربوا في أرض مستويةٍ نزت الكرة، فذهبت. يروى: "ماقط في صاع". والماقط: الضارب. يقال: مقطه مائة سوطٍ، أي: ضربه فشبه يديها بيدي غلامٍ، يضرب بكرة، في صاعٍ. وقد قيل: "تكرو": تخبط، كأنها تضرب بالكرة. ويقال: هذا خطأ، لأن الكرو لا يتسع في السير.
١٤ فعل السريعة، بادرت جدادها
قبل المساء، تهم، بالإسراع
"فعل السريعة بادرت" يعني: امرأة تنسج ثوبًا. فهي تسرع في عملها. "بادرت جدادها" أن تفرغ منه، من سدى الثوب. يقول: بادرت، تنسج ما بقي، قبل المساء. فهي لا تفتر عن ضرب الحف.
١٥ فلأهدين، مع الرياح، قصيدةً
مني، مغلغلةً، إلى القعقاعِ
"مغلغلة": أغلغلها، حتى تصل. ويقال: تغلغل فلان، حتى وصل
[ ٣٢٣ ]
إلى فلان، أي: أبعد في الذهاب والمجيء، ودخل كل مدخل.
١٦ ترد المياه، فلا تزال غريبةً
في القوم، بين تمثلٍ، وسماعِ
يقول: تبعد هذه القصيدة في الذهاب، تخرج من قومٍ إلى قوم، ويحملها آخرون. فهي غريبة أبدًا. وقوله "بين تمثل وسماع" أي: لا تزال يتمثل بها متمثل، ويتغنى بها متغنٍ. وإذا كانت كذلك كان أجدر ألا تنسى، ويحملها الناس. وهذا مثل قول الأعشى:
بها توضع الأحلاس، في كل منزلٍ وتعقد أطراف الحبال وتطلق
يقول: يتمثل بها، عند حلهم وارتحالهم.
١٧ وإذا الملوك تفاخرت، بهباتها
أفضلت، فوق أكفهم، بذراعِ
ويروى: "وإذا الملوك تدافعت أركانها". ويروى: "أوفيت" أي: أشرفت. "تدافعت": ازدحمت على الشرف. و"أفضلت" أي: أشرفت فوقهم، بذراعٍ، فتكون يدك أطول. أي: إذ أنت أكثرهم فضلًا.
[ ٣٢٤ ]
١٨ وإذا تهيج الريح، من صرادها
ثلجًا، ينيخ النيب، بالجعجاع
"النيب": المسان من الإبل. والواحد: ناب. و"الجعجاع": المحبس. وأنشد:
من يذق الحرب يجد طعمها مرًا، وتتركه بجعجاع
١٩ أحللت بيتك باليفاع وبعضهم
متفرد ليحل بالأوزاعِ
"الأوزاع": الفرق. ومنه: توزعوا المال: تفرقوه. وأراد أنه يحل بالجميع ليغشى ويؤتى، ولا يحل مع الفرق المتقطعة لئلا يقري ولا يعرف مكانه. ومثله:
ولا يحل إذا ما جاء منتبذًا يخشى الرزية بين الماء والنادي
٢٠ ولأنت أجود من خليجٍ مفعمٍ
متراكم الآذي ذي دفاع
[ ٣٢٥ ]
كل شيء كان من شيء أكثر منه فهو خليج. ويقال: خلجه، إذا جذبه. ويقال للناقة إذا ذبح ولدها، أو [ذهب به] عنها: خلوج. و"الآذي": الموج [و"الدفاع": الموج] يدفع بعضه بعضًا. والواحدة دفاعة.
٢١ وكأن بلق الخيل، في حافاته
يرمي بهن، دوالي الزراع
أراد بقوله "بلق الخيل": الموجة، إذا بلغت الشط وانقلبت، وابيض ما استرق منها، وكان أسفلها أخضر، لكثافة الماء، وكثرته. "يرمي بهن" يعني: النهر. وقوله "بهن" يعني "الخيل". وإنما يريد: الموج. فخرج اللفظ على الخيل، والمعنى على الموج.
٢٢ ولأنت أشجع، في الأعادي كلها
من مخدرٍ، ليث، معيد وقاع
يقال: اسد خادر و"مخدر". وقد أخدر وخدر، أي: اتخذ خدرًا. و"معيد": متعود. يقال: فحل معيد، إذا ضرب في الإبل مرة بعد مرة. "وقاع": مصدر واقع وقاعًا. أي: واقع غير مرة.
[ ٣٢٦ ]
٢٣ يأتي، على القوم، الكثير سلاحهم
فيبيت، منه، القوم في وعواع
"الوعواع": الجلبة والصوت. يقول: يبيت القوم، منه، في صياح.
٢٤ أنت الوفي، فلا تذم، وبعضهم
تودي، بذمته، عقاب ملاع
"عقاب ملاع" [عقاب] اختلاس. وهذا مثل. والملع: الاختلاس، والأخذ الخفيف. يقال: مر فامتلع ما في يده، أي: اختلسه. فأخرجه مخرج حذام، وقطام. و"ملاع": جبل، ذكره الجعدي.
٢٥ وإذا رماه الكاشحون رماهم
بمعابلٍ، مذروبةٍ، وقطاع
يقال: كشح يكشح كشحًا، إذا مضى مضيًا [شديدًا] . ويقال: [لما رآني] كشح، مدبرًا بوده. وأظن قولهم "عدو كاشح" من هذا قال: و"المعبلة": السهم الطويل النصل، العريضه. و"المذروبة":
[ ٣٢٧ ]
المحددة. ويقال: في لسانه ذرب، أي: حدة. و"القطع": النصل القصير العريض. ويقال: قصار نصال النبل: قطاعها.
٢٦ ولذاكم، زعمت تميم أنه
أهل السماحة، والندى، والباع
يقول: لما فيه من هذه [الفضائل] .
[ ٣٢٨ ]