ابن سعد بن مالك:
١ أرى جارتي خفت، وخف نصيحها
وحب بها، لولا النوى، وطموحها!
"النصيح": جارها الذي ينصح لها. وقوله "وحب بها" أي: ما أحبها إلي! وأنشد للحارث بن وعلة:
ولحب بالآيات، والرسم!
٢ فبيني على نجمٍ، سجيسٍ نحوسه
وأشأم طير الزاجرين سنيحها
[ ٤٤٠ ]
يقال: لا آتيك "سجيس" الدهر، أي: مستمره.
٣ فإن تشغبي فالشغب، مني، سجيةٌ
إذا شيمتي لم يؤت، منها، سجيحها
يقول: أنا [أشغب] على من يشغب علي. ومثله:
فإن تقصدي فالقصد، مني، سجيةٌ وإن تجمحي تلقي لجام الجوامح
و"السجيح": الطريقة، من الخير، والشر.
٤ أقارض أقوامًا، فأوفي بقرضهم
وعف، إذا أردى، النفوس، شحيحها
٥ على أن قومي أشقذوني، فأصبحت
دياري بأرضٍ، غير دانٍ، نبوحها
"أشقذوني": طردوني، وباعدوني. و"النبوح": ضجة الناس، وصياحهم.
٦ تنفذ منهم نافذاتٌ، فسؤنني
وأضمر أضغانًان علي، كشوحها
[ ٤٤١ ]
أي: مرت بي أشياء منهم ظهرت، وأضمروا أشياء.
٧ فقلت: فراق الدار أجمل، بيننا
وقد ينتئي، عن دار سوءٍ، نزيحها
"النزيح": المتباعد. يقول: من تباعد عنها لم يصبه منها شيءٌ، يؤذيه.
٨ على أنني قد أنتمي، لأبيهم
إذا عمت الدعوى، وثاب صريحها
٩ وأني أرى ديني يوافق دينهم
إذا نسكوا، أفراعها وذبيحها
"الفرع" ضرب من الشاء، يذبح، ويؤخذ جلده، فيجعل على شيء آخر. و"الذبيح": نسكٌ.
١٠ بودك ما قومي، على أن تركتهم،
سليمى، إذا هبت شمالٌ، وريحها
[ ٤٤٢ ]
يقول: بودك مجاورة قومي، إذا كان الزمان هكذا، أي: في هذه الحال.
١١ إذا النجم أمسى، مغرب الشمس، رابئًا
ولم يك برق في السماء، يلحيها
"يلحيها" أي: يدعها تلوح. ومعنى لاح: ظهر.
١٢ وغاب شعاع الشمس، في غير جلبةٍ
ولا غمرةٍ، إلا وشيكا مصوحها
"في غير جلبة" أي: يغيب في هقب غيمٍ. وقوله "غمرة" يريد: شدة "مصوحها": ذهابها.
١٣ وهاج غمام، مقشعر، كأنه
نقيلة نعلٍ، بان منها سريحها
"النقيلة": نعل قد تقطع خصافها، وذهبت. و"السريح": السيور. شبه السحاب بذلك، لأنها يابسة، لا ماء فيها.
[ ٤٤٣ ]
١٤ إذا عدم المحلوب عادت عليهم
قدور كبير، في القصاع، قديحها
"عدم المحلوب": لم يوجد. و"القديح": المغروف.
١٥ يثوب عليهم كل ضيفٍ، وجانبٍ
كما رد، دهداه القلاصِ، نضيحها
"الجانب": الغريب. [ومثله الجُنُبُ] . و"دهداه القلاص": صغارها. و"النضيح": الحوض. أي: هم يصيرون إلى ذلك، كما تصير هذه الإبل إلى الحوض.
١٦ بآيهم مقرومةٌ، ومغالقٌ
يعود، بأرزاق العيال، منيحها
"بآيهم": بعلاماتهم. و"المغالق": السهام. واحدها مغلقٌ. و"المقرومة" منها: المعلمة، لأن تعرف. و"المنيح": سهم يستعار، يدخل في القداح. يقول: يخرج كثيرًا، فيخرج معه سهمًا.
[ ٤٤٤ ]
١٧ وملمومةٍ، لا يخرق الطرف عرضها
لها كوكبٌ ضخمٌ، شديد وضوحها
"ملمومة": كتيبة مجتمعةٌ، لا ينفذها الطرف، من كثرتها. و"الكوكب": معظم الشيء.
١٨ تسير، وتزجي السم، تحت نحورها،
كريهٌ، إلى من فاجأته، صبوحها
يريد: تقدم السم بين أيديها.
١٩ على مقذحراتٍ، وهن عوابسٌ
صبائر موتٍ، لا يراح مريحها
"المقذحر": الذي تهيأ للشد. "صبائر موت": حبائس موتٍ. "لا يراح مريحها" يقول: لا يعاد عليها، فهو [يتعب] أبدًا.
٢٠ تبذنا، إليهم، دعوةً: يا لمالكٍ
لها إربةٌ، إن لم تجد من يريحها
"نبذنا إليهم": ألقينا إليهم. "لها إربةٌ": لها حاجةٌ. "من يريحها":
[ ٤٤٥ ]
يردها بفداء، وبما ترد به يقول: لما رأيناهم دعونا "يا لمالك" يعني قومه. إذا فتحت هذه اللام. من قولهم: يا لفلان، أي: اعجبوا لفلانٍ.
٢١ فسرنا إليهم، سورةً، أوهنتهم
وأسيافنا يجري، عليها، نضوحها
"فسرنا إليهم" أي: ارتفعنا إليهم، وسمونا بالسيوف، قال الراجز:
فرب ذي سرادقٍ محصور سرت إليه، في أعالي السورِ
أي: ارتفعت إليه، فقهرته. والنضح وجمعه "نضوحٌ": ما تطاير على صفائح السيوف، من الدم، والنضخ، بالخاء: أكثر من النضح. "أوهنتهم": أضعفتهم.
٢٢ وأرماحنا ينهزنهم، نهز جمةٍ
يعود عليهم وردنا، ونميحها
"الأرماح": جمع رمحٍ. يقال: [رمحٌ]، وأرماح للجمع القليل، فإذا كثرت قيل: رماحٌ قوله "يعود عليهم" أي: [نعود] بطعنٍ عليهم، مرة بعد مرة. وقوله "ونميحها" أي: نميح "الجمة"
[ ٤٤٦ ]
نستخرج ماءها. و"نهزها" أي: ينزعن ماءها.
٢٣ فدارت رحانا، ساعةً، ورحاهم
ودرت طباقًا، بعد بكءٍ، لقوحها
"فدارت رحانا" أي: جماعتنا. وإنما يصف اعتراكهم في الحرب. شبهه بدوران الرحى. و"البكء": قلة الدر، و"اللقوح": الناقة وإنما ضربه مثلًا.
٢٤ فما أتلفت أيديهم، من نفوسنا
وإن كرمت، فإننا لا ننوحها
يقول: من قتلوا، منا، فإنا لا ننوح عليه، لأنا صبرٌ على المصائب، لا نبكي على هالكٍ.
٢٥ فقلنا: هي النهبى، وحل حرامها
وكانت حمًى، ما قبلنا، فنبيحها
"النهبى" فعلى: من النهب. وقوله "وحل حرامها" يقول: ما كان يمنع خل لنا، فأبحناه، وقد كانت [حرامًا] . و"ما" ههنا صلة، معناها [التوكيد] .
٢٦
[ ٤٤٧ ]
فأبنا، وآبوا، كلنا [بمضيضةٍ]
مهملةً أجراحنا، وجروحها
"بمضيضةٍ": [حرقةٍ، تمضنا] . وتمضهم، "مهملة" أي: أهملن.
٢٧ وكنا، إذا أحلام قومٍ تغيبت
نشح، على أحلامنا، فنريحها
[أي]: نريها، كما يريح الراعي الغنم. أي: لا تغيب عنا وأنشد:
والأحلام غير عوازبِ
[ ٤٤٨ ]