يفتخر، ويذكر قومه:
١ ألا، بان الخليط، ولم يزاروا
وقلبك، في الظعائن، مستعارُ
"الخليط": من خالطهم. وهو يقع على الواحد، والجميع. وواحد "الظعائن": ظعينة. وهي المرأة في الهودج. وقوله "وقلبك في الظعائن مستعار" يقول: قد شغفنك، وذهبن بعقلك. جعل ذلك عاريةً.
٢ أسائل صاحبي، ولقد اراني
بصيرًا، بالظعائن، حيث صاروا
يقول: أسائل صاحبي عنهن، وأين سلكن وتوجهن؟ وأنا عالم بهن، اهتمامًا بأمرهن، وعناية به.
٣ يؤم، بها، الحداة مياه نخلٍ
وفيها، عن أبانين، ازورارُ
"
[ ٥٩٣ ]
أبانين": جبلين. قال الأصمعي: أبان الأسود، وأبان الأبيض. وواحد "الحداة": حادٍ.
٤ أحاذر أن تبين بنو عقيلٍ
بجارتنا، فقد حق الحذار
"عقيل": ابن كعب بن ربيعة بن عامر. "تبين": تنقطع وتفارق. يقال: بان الرجل يبين بينًا، إذا فارق وانقطع. والبين: الفراق.
٥ فلأيًا ما قصرت الطرف، عنهم
بقانيةٍ، وقد تلع النهار
"لأيًا": بطيئًا. يقال: التأت علي الحاجة، إذا أبطأت. والتوت: تعذرت. ويقال: التأت تلتئي التئاء. و"قانيةٌ": أكمةٌ. ويقال: "تلع النهار" إذا ارتفع. وكذلك متع.
٦ بليلٍ ما أتين، على أرومٍ
وشابة، عن شمائلها تعار
"أرومٌ وشابة وتعار": جبالٌ وراء الربذة، وأنت تريد مكة.
[ ٥٩٤ ]
٧ كأن ظباء أسنمةٍ عليها
كوانس، قالصًا عنها المغار
"أسنمة": مكان أو جبل. والألف من "أسنمة" تفتح وتضم. "كوانس": قد دخلت في الكناس. و"المغار": الذي تكون فيه. شبه الكناس بالمغار. ويقال: قد قلصت أغصان الشجر التي كنست تحتها. فهو أبين لها. شبههن بالظباء، وشبه الهوادج بالكناس.
٨ يفلجن الشفاه، عن اقحوانٍ
جلاه، غب ساريةٍ، قطار
"يفلجن الشفاه": يفتحنها عند التبسم. وقوله "عن اقحوان" يعني: أسنانهن. شبهها بالأقحوان. و"السارية": المطر، يكون ليلًا. ونصب "غب" على الحال. والغب: بعد يومٍ أو ليلةٍ.
٩ وفي الأظعان آنسةٌ، لعوبٌ
تيمم أهلها بلدًا، فساروا
"لعوب": مزاحة. و"الآنسة" جمعها أوانس: اللواتي يأنسن، ويتحدثن إلى الرجال، من غير ريبةٍ. و"تيمم": قصد.
[ ٥٩٥ ]
١٠ من اللائي، غذين، بغير بؤسٍ
مساكنها القصيبة، والأوار
ويروى: "من اللاتي". وكل صوابٌ. و"البؤس" الضر. و"القصيبة والأوار": مكانان.
١١ غذاها قارصٌ، يجري عليها
ومحضٌ، حين تبتعث العشار
"القارص": الذي قد أخذ طعمًا في السقاء، ولما يحمض. أي: حين تبتعث العشار للميرة، فلا يصاب اللبن. يقول: فلها المحض في الجدب، وفي الخصب ما أوعت. و"العشار": اللقاح. والعشار: التي قد دنا نتاجها. ويقال: هي التي أتت عليها، من لقاحها، عشرة أشهرٍ.
١٢ نبيلة موضع الحجلين، خودٌ
وفي الكشحين، والبطن، اضطمارُ
"الحجلان": الخلخالان. و"نبيلة": عظيمة. وقوله "وفي الكشحين والبطن اضطمار": أي ضمرٌ.
١٣ ثقالٌ، كلما رامت قيامًا
وفيها، حين تندفع، انبهار
"
[ ٥٩٦ ]
ثقال" يقال: امرأةٌ ثقالٌ، ورزانٌ، وحصانٌ، وحجر ثقيل، ورزين، وجمل ثقال. "انبهار" إذا مشت أخذها البهر، لأنها غير معتادةٍ للمشي. هي منعمةٌ. يقال: انبهرت انبهارًا.
١٤ فبت مسهدًا، أرقًا، كأني
تمشت، في مفاصلي، العقار
"المسهد": هو الأرق. فكرر لما اختلف اللفظان. و"العقار": الخمر. سميت بذلك، لمعاقرتها الدن، أي: ملازمتها إياه. "تمشت": دبت.
١٥ أراقب، في السماء، بنات نعشٍ
وقد عطفت، كما عطف الظؤار
ويروى: "وقد دارت كما". "بنات نعشٍ" لا تغيب مع النجوم، وهي تدور، وتنعطف في وسط السماء، حتى يبهرها ضوء الفجر، فلا ترى.
١٦ وعاندت الثريا، بعد هدءٍ
معاندةً، لها العيوق جار
"العيوق": نجم محاد الثريا. ومعنى "عاندت": عارضت.
[ ٥٩٧ ]
و"الثريا": مقصور، مصغر. وتكبيرها: الثروى. دخل قطرب على الرشيد فقال له: كيف تصغر الثريا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، هي مصغرة. قال: فما تكبيرها؟ قال: الثروى. قال: فهلا قلت: الثريا. قال: لأنها من ثروت من بنات الواو، قال: أصبت. قال: ويقال: ثرا الشيء، إذا كثر. وهذه كواكب ثرت أي: كثرت.
١٧ فيا للناس، للرجل، المعنَّى
يطول الدهر، إذ طال الحصار
قوله "للرجل المعنى" يريد نفسه.
١٨ فإن تكن العقيليات شطت
بهن، وبالرهينات، الديار
"شطت*بهن" أي: بعدت الديار بهن. وقوله "بالرهينات" يعني: القلوب، أي: ارتهن قلوبنا.
١٩ فقد كانت لنا، ولهن، حتى
زوتنا الحرب، أيام، قصار
[ ٥٩٨ ]
[ويروى]: "زوتها": صرفتها عنا. ومعنى قوله "أيام قصار" أي: يقصرها اللهو. قال الشاعر:
ويومٍ، كإبهام القطاة، محببٍ إلي صباه، معجبٌ لي باطله
أي: هو كإبهام القطاة، في قصره. وقال طرفة:
وتقصير يوم الدجن
أي: يقصره باللهو، والسرور:
٢٠ ولما أن رأيت الناس صاروا
أعادي، ليس بينهم ائتمار
"أعادي": جمع أعداء. يقال: عدو وأعداء وأعادٍ. وقد يكون العدو واحدًا، وجمعًا. وفي كتاب الله ﷿: (فإنهم عدو لي) . "ائتمار": مؤامرة.
٢١ مضى سلافنا، حتى نزلنا
بأرضٍ، قد تحامتها نزارُ
قوله: "سلافنا" أي: متقدموهم. "تحامتها": اجتنبتها. "نزار" يعني: ربيعة ومضر وإياد وأنمار.
[ ٥٩٩ ]
٢٢ وشبت طيئ الجبلين حربًا
تهر لشجوها، منها، صحار
"طيئ الجبلين" نسبهم إلى الجبلين. وطيئ لهم جبلان، وهما أجأ وسلمى. و"تهر": تبكي. و"صحار" قبيلة من جهينة. وقال أبو عبيدة: صحار: عمان. وقال ابن الكلبي: صحار: قوم من العرب، وهم أول من أصحر، فسموا بذلك.
٢٣ يسدون الشعاب، إذ رأونا
وليس معيذهم منا انجحار
"الشعاب": واحدها شعب. "يسدونها" لئلا ندخلها عليهم. أي: يصيرون فيها، من مخافتنا.
٢٤ وحل الحي، حي بني سبيعٍ،
قراضيةً، ونحن لهم إطار
"سبيع": ابن عمرو، من بني ذبيان، ثم من بني ثعلبة بن سعد. وقال أبو عبيدة "قراضية" بضم القاف. و"نحن لهم إطار" أي: محدقون بهم.
٢٥ وخذل، قومه، عمرو بن عمرو
كجادع أنفه، وله انتصار
"
[ ٦٠٠ ]
عمرو بن عمرو" بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارمٍ. وكان فارس بني دارم. ومعنى قوله "خذل قومه" قال: لا تقاتلوا.
٢٦ وأدنى عامرٍ، حيًا، جميعًا
عقيل، بالمرانة، والوبار
"عامر": ابن صعصعة. و"عقيل" وقشير هما ابنا كعب بن ربيعة ابن عامر بن صعصعة. و"الوبار" هم ولد وبر بن كلاب.
٢٧ يسومون الصلاح، بذات كهفٍ
وما فيها، لهم سلعٌ، وقار
ويروى: "يسومون الوسوق، بذات كهف". و"الوسوق": الأحمال. "يسومون": يطالبون. "الصلاح": المصالحة. و"ذات كهف": موضع. و"سلع وقار": شجرتان. وقال أبو عبيدة: وقار: تسويد لوجوههم، ومرارة.
٢٨ وأصعدت الرباب، فليس منها
بصاراتٍ، ولا بالحبس، نار
"أصعدت الرباب": تركت بلادها، وارتفعت. و"صارات والحبس": موضعان.
[ ٦٠١ ]
٢٩ فحاطونا القصا، ولقد رأونا
قريبًا، حيث يستمع السرارُ
"حاطونا القصا": تباعدوا عنا، وهم حولنا. وقال الشيباني: لم ينصرونا، وهم منا "حيث يستمع السرار" قربًا. ويروى: "فحاطونا القصاء، وقد رأونا". وهي رواية الحزنبل.
٣٠ وبدلت الأباطح، من نميرٍ،
سنابك، يستثار بها الغبار
وطئت الخيل منازلهم، فجلوا عنها. و"سنابك": واحدها سنبكٌ. وهو مقدم الحافر. وواحد "الأباطح": أبطح.
٣١ وليس الحي، حي بني كلابٍ،
بمنجيهم، ولو هربوا، الفرار
"كلاب" وكعبٌ: ابنا ربيعة بن عامر بن صعصعة. أي: ليس ينجيهم الهرب، وإن هربوا.
٣٢ وقد ضمزت، بحرتها سليمٌ
مخافتنا، كما ضمز الحمار
[ ٦٠٢ ]
"الحرة": الأرض ذات الحجارة السود. ومعنى "ضمزت" أي: سكتت. والضامز من الإبل: الذي لا يرغو. و"سليم" وهوزان: ابنا منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار. "مخافتنا" يريد: من مخافتنا.
٣٣ وأما أشجع، الخنثى، فولوا
تيوسًا، بالشظي، لها يعارُ
"الخنثى": الذي له ما للذكر، وما للمرأة. و"أشجع": ابن ريث ابن غطفان. "يعار": صوت المعزى. يقال: يعرت الشاة تيعر يعارًا.
٢٤ ولم نهلك، لمرة، إذ تولوا
صاروا، سير هاربةٍ، فغاروا
"
[ ٦٠٣ ]
لم نهلك لمرة": لم نستوحش لهم، ولم نفتقدهم. و"مرة" الذي عنى: مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان.
٣٥ كفينا من تغيب، فاستبحنا
سنام الأرض، إذ قحط القطار
"سنام الأرض": وسطها، وأكرمها، وأمنعها. وواحد "القطار": قطر. يقول: نزلنا حيث شئنا، إذ أمسكت السماء، وأجدبت البلاد، لعزنا.
٣٦ بكل قياد مسنفةٍ، عنودٍ
أضر بها المسالح، والغوار
"مسنفة" بكسر النون، وهي المتقدمة، في أوائل الخيل. والمسنفة، بفتح النون: التي قد شد حزامها بسنافٍ، إلى لببها، لئلا يتأخر السرج. "عنودٌ": تعند عن الطريق، لنشاطها. و"المسالح": المواضع التي يستعمل فيها السلاح. و"الغوار": مصدر غاور غوارًا، ومغاورة.
٣٧ مهارشة العنان، كأن فيها
جرادة هبوةٍ، فيها اصفرار
"مهارشة العنان": كأنها تتناول العنان، بجحافلها، كما قال:
مهارش العنان بالجحافل
[ ٦٠٤ ]
جعلها جرادة، وجعلها صفراء، لأن الصفر منها ذكرانٌ، وهي أخف، والإناث أثقل لحملها. وإنما أراد الخفة.
٣٨ كأني بين خافيتي عقابٍ
تقلبني، إذا ابتل العذار
شبه فرسه، بعد كلالها، وابتلال عذارها بالعرق، بالعرق، بعقاب انقضت على صيدٍ. وهكذا توصف الجودة، كما قال عمرو بن معديكرب:
إذا ما الركض أسهل جانبيه تهزم ركض مبتركٍ، جلاح
٣٩ نسوفٌ، للحزام، بمرفقيها
يسد، خواء طبيبها، الغبار
"نسوف للحزام" إذا لم تدع من مدى حلقها، وقبضها، شيئًا. وقال "سنوف" وذلك أنها تدفع الحزام، من شدة رجع يديها إذا أحضرت، كما قال:
ودافعة الحزام بمرفقيها كشاة الربل، أفلتت الكلابا
وقال: ما بين كل طبيين خواء. وهي أربع فُرجٍ.
٤٠ تراها، من يبيس الماء، شهبًا
مخالط درةٍ، منها، غرارُ
"
[ ٦٠٥ ]
يبيس الماء": العرق. وذلك أن العرق إذا جف ابيض. و"الدرة": العرق. يقول: لا يبطئ عرقها ولا يعجل. ويستحب ذلك من الفرس، ألا يكون هشًا، ولا صلدًا. وذلك قوله "مخالط درةٍ منها، غرار" يقول: مخالط درتها - وهو عرقها- غرار، أي: منع، وارتجاع للعرق، فلا تعرق. و"الغرار": أن تحلب الناقة، فتغار حالبها غرارًا، فترد اللبن في الضرة. وهي عروق الخلف. قال الراعي:
متى ما تجد نائله علينا فلا بخلًا نخاف، ولا غرارا
٤١ بكل قرارةٍ، من حيث جالت،
ركية سنبكٍ، فيها انهيار
شبه آثار الحوافر بالركايا، وواحدتها ركيةٌ. فإذا رفعت حوافرها جذب، فهدم. فكأنها ركية منهارةٌ. و"السنبك": مقدم الحافر. وجمعه سنابك.
٤٢ وخنذيذٍ، ترى الغرمول، منه
كطي الزق، علقه التجار
"الخنذيذ": الخصي. وهو الفحل أيضًا. هذا الحرف من الأضداد، كما قالوا: جون، للأبيض والأسود، وكما قالوا: السدف، للضوء والظلمة.
[ ٦٠٦ ]
قال: والخنذيذ أيضًا: الكريم الطويل، كما قال الشاعر:
وخناذيذ، خصيةً، وفحولا
"والغرمول": موضع الذكر. وقال أبو عبيدة، معمر بن المثنى التيمي: الغرمول: قنب الجردان. ويقال للجمل: ثيلٌ.
٤٣ يضمر بالأصائل، فهو نهدٌ
أقب، مقلص، فيه اقورارُ
"فهو نهد" يقول: طل موضع منه فهو ضخم، إلا موضعًا واحدًا، وهو البطن. وفيه يستحب الضمر. و"الأقب": اللاحق البطن بالظهر. قال: يقال: فرس أقب بين القبب. و"الاقورار": الضمر. يقال: خيل مقورةٌ، أي: ضامرةٌ.
٤٤ كأن سراته، والخيل شعثٌ
غداة وجيفها، مسدٌ، مغارُ
"سراته": ظهره. وسراة كل شيء: ظهره. "وجيفها": خببها. "مسدٌ": حبل من ليفٍ، "مغار": شديد الفتل. تقول: أغرت الحبل إغارة، إذا شددت فتله. وقال الأصمعي: يقال: لجاد ما أغير هذا!
[ ٦٠٧ ]
٤٥ يظل يعارض الركبان، يهفو
كأن بياض غرته خمار
٤٦ كأن حفيف منخره، إذا ما
كتمن الربو، كير، مستعار
هفا "يهفو": عجل وأسرع. وهفا قلبه: طار قلبه، يهفو فهو هافٍ. "كأن بياض غرته خمار" أي: بياض خمار. ويجوز أن يكون أراد أن الغرة سائلة، فشبهها بطول الخمار. وهو وجهٌ، ولكن التفسير الأول أجود.
٤٧ أرى أمرًا، له ذنبٌ طويلٌ
على مقراه كفلٌ، أو حصارُ
"الكفل": الكساء، يلف على السنام، ويركب.
٤٨ ولا ينجي، من الغمرات، إلا
براكاء القتال، أو الفرار
"براكاء القتال": شدته، يبركون، فلا يبرحون. و"الغمرات" يريد: غمرات الحرب. واحدتها غمرة.
[ ٦٠٨ ]