وقع في أكثر النسخ المسمين بالياءن ورأيت كثيرًا ممن يقرأ هذا الكتاب، ويُقرأ عليه يبشرون الواو ويردونها ياء، كأنهم يرون المسمين صفة للناس وذلك غلط. والصواب المسمون بالواو؛ لأن قوله أصول الناس، ترجمة يدخل تحتها جميع الأبواب التي ذكر فيها أسماء الناس المنقولة عن الأجناس والأنواع والصفات إلى العلمية، إلى آخر باب المسمين بالصفات وغيرها. ثم نوع ما أجمله في الترجمة وقسمه فقال المسمون بأسماء النبات، المسمون بأسماء الطير، المسمون بأسماء السباع إلى آخر ما تقتضيه الترجمة. فقوله: المسمون بأسماء النبات مرتفع على خبر مبتدأ مضمر، كأنه قال: هؤلاء المسمون، وكذلك سائرها.
[١] مسألة:
قال ابن قتيبة في هذا الباب: (حدثني زيد بن أخزم قال: حدثني أبو داود عن شعبة، عن جابر، عن أبي نضرة، عن أنس بن مالك قال: كناني رسول الله ﷺ ببقلة كنت أجتنيها، وكان يكنى أبا حمزة).
(قال المفسر): وقع في بعض النسخ، عن أبي نضرة. في بعضها عن أبي نصر. وروى عن أبي علي البغدادي أنه قال: الصواب عن أبي نضرة (بضاد معجمة، وتاء التأنيث). قال: واسمه المنذر
[ ٢ / ٣٧ ]
ابن مالك بن قطعة. وهذا الذي قاله أبو علي غير صحيح، لأن أبا نضرة لم يرو عن أنس بن مالك شيئا، إنما روى عن أبي سعيد الخدري. والصواب: عن أبي نصر، واسمه حميد بن هلال العدوي البصري. وقد روى هذا الحديث أيضا ًعن أبي نصر: خيثمة البصري عن أنس، ولعلهما قد اشتركا في سماعه منه.
المسمون بأسماء الهوام
قال ابن قتيبة في هذا الباب: (العلس: القراد، ومنه المسيب بن علس الشاعر).
(قال المفسر) هكذا رويناهعن أبي نصر عن أبي علي (بن علس) مصروفًا وكذا قرأته في غير هذا الكتاب وذكر كراع أن (علس) اسم أمه. فيجب على هذا ألا يصرف.
المسمون بالصفات وغيرها
[١] مسألة:
قال في هذا الباب: (سلم: الدلو لها عروة واحدة).
(قال المفسر) كذا قال يعقوب بن السكيت. ورده عليه على
[ ٢ / ٣٨ ]
ابن حمزة، وقال: الصواب عرقوة واحدة، وهي الخشبة التي يضع السقاء فيها يده إذا استقى بالدلو، والدلو الكبيرة لها عرقوتان. ولا يمكن أن يكون دلو بعرقوة واحدة.
[٢] مسألة:
وقال في هذا الباب: (الحوافزان: فوعلان، من حفزه بالرمح يقال: إنما سُمي بذلك لأن بسطام بن قيس حفزه بالرمح حين خاف أن يفوته فسمي بتلك الحفزة: الحوفزان، قال الشاعر:
ونحن حفزنا الحوفزان بطعنة سقته نجيعًا من دم الجوف أشكلا
(قال المفسر): كذا وقع في النسخ. ولا مدخل لبسطام ابن قيس هنا. وإنما الحافز له قيس بن عاصم المنقري، طعنه في
[ ٢ / ٣٩ ]
خرابة وركه يوم جدود. والذي قاله من تسميته الحوفزان بحفز الطاعن له حين خاف أن يفوته صحيح. غير أنه سُمي بذلك لقول الشاعر فيه: (ونحن حفزنا الحوفزان
فالشاعر هو الذي لقبه بهذا اللقب، فجرى عليه. واسمه: الحارث ابن شريك، واسم الشاعر سوار بن حبان المنقري، بحاء مكسورة غير معجمة. وباء معجمة بواحدة.
[٣] مسألة:
وقال في هذا الباب: (عامر بن فهيرة تصغير فهر. والفهر مؤنثة، يقال هذا فهر).
(قال المفسر): قد ذكر بعد هذا في الكتاب، أن الفهر يذكر ويؤنث وهو خلاف قوله هاهنا.
[٤] مسألة:
وقال في هذا الباب: وقرأت بخط الأصمعي عن عيسى بن عمر أنه قال: شرحبيل: أعجمي، وكذلك شراحبيل، وأحسبهما منسوبين إلى (إيل). مثل جبرائيل وميكائيل.
(قال المفسر): هذا الذي حكاه ابن قتيبة عن الأصمعي عن
[ ٢ / ٤٠ ]
عيسى، هو قول ابن الكلبي: كل اسم في كلام العرب آخره (إل) أو (إيل) فهو مضاف على الله ﷿، مثل شرحبيل وعبد يا ليل وشراحيل وشهميل. ويلزمه على هذا الرأي أن يقول: إن أصل هذه الأسماء كلها الهمزة، وأنه ترك همزها استخفافًا، حين ركبت وطالت، كما تحذف الهمزة في قولهم ويلمه وأيشٍ لك. ونحو ذلك.
وليس هذا رأي أكثر البصريين. وإنما شُرحبيل عندهم بمنزلة قُذعميل وخُزعبيل، ويا ليل بمنزلة هابيل، وشراحيل بمنزلة سراويل وقناديل، ونحو ذلك من الجموع التي سمي بها. والأسماء المعروفة التي جاءت على صورة الجموع، وشهميل: بمنزلة زحليل وبرطيل، وليست هذه الأسماء كجبرائيل وميكائيل في أنهما مضافان إلى (إيل)، لأنه قد ورد في التفسير عن علي وابن عباس ﵄: أن جبرائيل وميكائيل ونحوهما كقولك: عبد الله وعبد الرحمن.
[ ٢ / ٤١ ]
وقيل: إن جبرًا بمعنى: عبد. وميكا: نحوه ولم يرد في شرحبيل وشراحيل ونحوهما شيء يجب التسليم له، ولا دليل قاطع يقطع بما قاله ابن الكلبي ومن رأى رأيه. فحمل هذه السماءعلى ما قاله البصريون أولى. وإن كان ما قاله ابن الكلبي ومن نحا نحوه غير ممتنع، لأن بعض اللغويين قد ذروا أن معنى شرحبيل وديعة الله بلغة حمير وهذا نحو مما قاله ابن الكلبي ومن رأى رأيه.
[٥] مسألة:
وقال في هذا الباب: (الأخطل من الخطل، وهو استرخاء الأذنين، ومنه قيل لكلاب الصيد خطل).
(قال المفسر): لا أعلم أحدًا ذكر أن الخطل كان طويل الأذنين مسترخيهما، فيقال أنه لُقب الأخطل لذلك. والمعروف أنه لُقب الأخطل لبذاءته وسلاطة لسانه، وذلك أن ابني جُعيل احتكما إليه مع أمهما فقال:
لعمرك انني وابني جُعيل وأمهما لإستسار لئيم
فقيل له: إنك لأخطل، فلزمه هذا اللقب، والإستار: أربعة من العدد. وقال بعض الرواةن وحكى نحو ذلك أبو الفرج الأصبهاني: أن السبب في تلقيبه بالأخطل أن كعب بن جُعيل كان
[ ٢ / ٤٢ ]
شاعر تغلب في وقته، وكان ايُلم برهط منهم إلا أكرموه وأعطوه: فنزل على رهط الأخطل فأكرموه، وجمعوا له غنما، وحظروا عيها حظيرة، فجاء الأخطل فأخرجها من الحظيرة وفرقها، فخرج كعب وشتمه، واستعان بقوم من تغلب، فجمعوها له وردوها إلى الحظيرة. فارتقب الأخطل غفلته، ففرقها ثانية. فغضب كعب، وقال كفوا عني هذا الغلام وألا هجوتكم. فقال له الأخطل: إن هجوتنا هوجناك. وكان الأخطل يومئذ يفرذم. والفرذمة: أن يقول الرجل الشعر في أول أمره، قبل أن يستحكم طبعه وتقوى قريحته، فقال كعب: ومن يهجوني فقال: أنا. فقال كعب: "ويل لهذا الوجه غب الجمه" فأجابه الأخطل فقال كعب: إن غلامكم هذا هذا لأخطل، ولج الهجاء بينهما فقال الأخطل:
وسميث كعبا بشر العظام وكان أبوك يسمى الجعل
وأنت مكانك من وائل مكان القراد من است الجمل
ففزع كعب، وقال: والله لقد هجوت نفسي بهذين البيتين، وعلمت أني سأهجي بهما. وقيل بل قال: هجوت نفسي بهذين البيتين، وعلمت أني سأهجي بهما. وقيل بل قال: لقد هجوت نفسي بالبيت الأول من هذين البيتين.
[ ٢ / ٤٣ ]
واسم الأخطل فيما ذكر ابن قتيبة: غياث بن غوث، وذكر غيره أن اسمه: غويث بن غوثن ويكنى أبا مالك، ويلقب دوبلا. والدوبل: الحمار القصير لذنب.
ويقال: إن جريرا هو الذي لقبه بذلك. وذلك أن الجحاف بن حكيم لما أوقع ببني تغلب بالبشر، وهو موضع معروف من بلادهم، دخل الأخطل على عبد الملك بن مروان، فقال:
لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة إلى الله منها المشتكي والمعول
فإلا تغيرها قريش بملكها يكن عن قريش مستزاد ومزحل
فغضب عبد الملك، وقال: على أين يا ابن النصرانية؟ فرأى الخطل الغضب في وجهه، فقال: إلى النار، فقال: أولى لك لو قلت غير ذلك فقال جرير:
بكى دوبل لا يرقئ الله دمعه ألا إنما يبكي من الذل دوبل
[٦] مسألة:
ذكر في هذا الباب، (الروبة وما فيها من اللغات، ثم قال: إنما سمي رؤبة بن العجاج بواحدة من هذ).
وهذا يوجب أن يجوز في (رؤبة) الهمز وترك الهمز. وذكر في باب ما يغير من أسماء الناس: أن رؤبة بن العجاج بالهمز لا غير، ولو كان مهموزًا لا غير. لم يمتنع من أن تخفف همزته، لأنه لا خلاف بين النحويين أن الهمزة في مثل هذا يجوز تخفيفها. وذكر أن أقسام
[ ٢ / ٤٤ ]
الرؤبة، أربع، ثلاث غير مهموزة، وواحدة مهموزة، وأغفل ثلاثًا غير مهموزة، وهي: الرؤبة: طرق الفرس في جمامه: وأرض رؤبة: أي كريمة. والروبة: شجر الزعرور. فهي على هذا سبع ست غير مهموزة، وواحدة مهموزة.
[٧] مسألة:
وقال قتيبة في هذا الباب: وروي نقلة الأخبار أن (طيئًا) أول من طوى المناهل. فسمي بذلك، وأن مُرادًا تمردت، فسميت بذلك، واسمها: يحابر. ولست أدري كيف هذان الحرفان، ولا أنا من هذا التأويل فيهما على يقين.
(قال المفسر): كذا رويناه عن أبي نصر: (مرادا) مصروفًا، والقياس ألا يُصرف، لأنه أراد القبيلة دون الحي، والدليل على أنه أراد القبيلة قوله، تمردت، وقوله: واسمها: يحابر، فأنث الضمائر.
وظاهر كلام ابن قتيبة أنه أنكر اشتقاق مُراد من التمرد، كما أنكر اشتقاق طيء من طي المناهل، واشتقاق (مُراد) من التمرد ممكن، غير ممتنع، فتكون الميم على هذا أصلًا، ويكون وزن (مراد) على هذا فعالًا. وممكن أن يكون (مُراد) اسم المفعول من أراد يريد، فتكون الميم زائدة، ويكون وزن مراد مفعلًا، بمنزلة مقام ومنار.
[ ٢ / ٤٥ ]
وقد جاء في خبر لا أقف الآن على نصه. ولا أعرف من حكاه، أن مراد اسم جدهم أو أبيهم. وأنه لُقب بذلك، لأن رجلًا قال له: أنت مرادي. وهذه دعاوٍ لا يعرف حقها من باطلها، ولا صحيحها من سقيمها وإنما تُحكى على ما نقلته الرواة.
وأما اشتقاق طيء من طي المناهل فغير صحيح في التصريف، لأن طيئًا مهموز اللام، (وطوى يطوي) لامه ياء، فلا يجوز أن يكون أحدهما مشتقًا من الآخر، إلا أن يزعم زاعم أنه مما همز على غير قياس، كقولهم: حلأت السويق، ولاينبغي أن يحمل الشيء على الشذوذ، إذا وُجد له وجه صحيح من القياس، وإنما اشتقاق طيء من (طاء يطوء): إذا ذهب وجاء ذكر ذلك ابن جني في اشتقاق أسماء شعراء الحماسة.
وقال السيرافي: ذكر بعض النحويين ان طيئًا مشتق من الطاءة، والطاءة: يُعد الذهاب في الأرض، وفي المرعى. قال: ويروى أن الحجاج قال لصاحب خيله: أبغني فرسًا بعيد الطاءة، وفي بعض الأخبار، كيف بكم إذا تطاءت الأسعار، أي غلت وبعدت على المشترين.
[ ٢ / ٤٦ ]