وكانوا يكتبون: شهر رمضان، وشهر ربيع الأول، وشهر ربيع الآخر فيذكرون الشهر مع هذه الثلاثة الأشهر، ولا يذكرونه مع غيرها من شهور السنة.
والشهور كلها مذكرة الأسماء، إلا جمادي الأولى وجمادي الآخرة، وهي كلها معارف، جارية مجرى الأسماء الأعلام.
ذكر
[أول من افتتح كتابه بالبسملة، وأول من قال: أما بعد، وأول من طبع الكتب. وأول من كتب: من فلان بن فلان، إلى فلان بن فلان:
* * *
أول من افتتح كتابه بالبسملة، سليمان بن داود صلى الله عليهما.
وأول من قال (أما بعد): داود ﵇. وأول من كتبها من العرب. قس بن ساعدة الإيادي.
وكانت العرب تقول في افتتاحات كتبها وكلامها: (باسمك اللهم)، فجرى الأمر على ذلك في صدر الإسلام، حتى نزلت ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا، فكتب رسول الله ﷺ، (بسم الله). حتى نزلت ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَانَ﴾ فكتب (باسم الله الرحمن).
[ ١ / ١٩٩ ]
ثم نزلت: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ﴾، فصارت سنة إلى يومنا هذا.
وأما أول من طبع الكتب، فعمرو بن هند.
وكان سبب ذلك: أنه كتب كتابًا للمتلمس الشاعر، إلى عامله بالبحرين، يوهمه أنه أمر له فيه بجائزة، وأمره فيه بضرب عنقه. فاستراب به المتلمس، فدفعه إلى من قرأه عليه، فلما قرئ عليه، رمى بالكتاب في النهر وفر. وفي ذلك يقول:
وألقيتها بالثني من جنب كافر كذلك أقنو كل قط مضلل
رضيت لها بالماء لما رأيتها يجول بها التيار في كل محفل
فأمر عمرو بن هند بالكتب فختمت. فكان يؤتى بالكتاب مطبوعًا، فيقال: من عنى به؟ فلذلك قيل: عنوان. والعنوان: الأثر، قال الشاعر:
وأشعث عنوان السجود بوجهه كركبة عنز من عنوز أبي نصر
وقد ذكرنا اشتقاق العنوان فيما تقدم، وبينا أن هذا القول لا يصح إلا في لغة من قال: عنيان (بالياء).
[ ١ / ٢٠٠ ]
ويروى أن رسول الله ﷺ، كتب إلى ملك الروم كتابًا فلم يختمه، فقيل له: إنه لا يقرأ إن لم يكن مختومًا. فأمر أن يعمل له خاتم، وينقش على فصه: محمد رسول الله. فصار الخاتم سنة في الإسلام.
وقد قيل: إن أول من ختم الكتب سليمان بن داود ﵉. وقالوا في تأويل قوله ﷿: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ أي مختوم.
وأول من كتب من فلان إلى فلان، رسول الله ﷺ، فصار ذلك سنة.
يكتب الكتاب ويبدأ باسمه قبل اسم من يخاطبه. ولا يكتب لقبًا ولا كنية، حتى ولى عمر بن الخطاب، وتسمى بأمير المؤمنين، فكتب من أمير المؤمنين عمر. فجرت السنة بذلك إلى أيام الوليد بن عبد الملك، فكان الوليد أول من اكتنى في كتبه، وأول من عظم الخط، والكتب، وجود القراطيس، ولذلك قال أبو نواس.
سبط مشافرها دقيق خطمها وكأن سائر خلقها بنيان
واحتازها لون جرى في جلدها يقق كقرطاس الوليد هجان
وأمر ألا يتكلم بحضرته، وألا يتكلم عنده إلا بما يحب. وقال: لا أكاتب الناس بمثل ما يكاتب به بعضهم بعضًا. فجرت سنة الوليد بذلك، إلا في
[ ١ / ٢٠١ ]
أيام عمر بن عبد العزيز، ويزيد الكامل. فإنهما لما وليا، ردا الأمر إلى ما كان عليه في زمن رسول الله ﷺ. وزمن صحابته ﵃. فلما ولي مروان بن محمد رجع إلى أمر الوليد، فجرى العمل بذلك إلى اليوم.
كمل شرح الخطبة وما تعلق بها من الزوائد. بحمد الله وحسن عونه وصلى الله على محمد وآله وسلم.
[ ١ / ٢٠٢ ]