بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على نبيه الكريم محمد وعلى آله وسلم تسليمًا.
الحمد لله موزع الحمد وملهمه، ومبدع الخلق ومعدمه، وصلى الله على صفوته من بريته، ونقوته من خليقته، وسلم تسليمًا.
قال أبو محمد عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي:
غرضي في كتابي هذا، تفسير خطبة الكتاب الموسوم «بأدب الكتاب» وذكر أصناف الكتبة ومراتبهم، وجل مما يحتاجون إليه في صناعتهم، ثم الكلام بعد ذلك على نكت من هذا الديوان يجب التنبيه عليها، وإرشاد
[ ١ / ٢٧ ]
قارئه إليها، ثم الكلام على مشكل إعراب أبياته ومعانيها، وذكر ما يحضر لي من أسماء قائليها.
وقد قسمته ثلاثة أجزاء:
الجزء الأول: في شرح الخطبة وما يتعلق بها من ذكر أصناف الكتاب وآلاتهم.
والجزء الثاني: في التنبيه على ما غلط. فيه وضع الكتاب أو الناقلون عنه، وما منع منه وهو جائز.
والجزء الثالث، في شرح أبياته.
وأنا أسال الله عونًا على ما اعتقده وأنويه، وأستوهبه عصمة من الزلل فيما أورده وأحكيه، إنه ولي الفضل ومسديه، لا رب غيره.
قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة:
(أما بعد حمد الله بجميع محامده): أما حرف إخبار، يدخل على الجمل المستأنفة، ويتضمن معنى حرف الشرط، والفعل المشروط له، ولذلك احتاج إلى الجواب بالفاء، كما يجاب الشرط. فإذا قيل لك: أما زيد فمنطلق، فمعناه: مهما يكن من شيء فزيد منطلق. فناب (أما) مناب حرف الشرط الذي هو (مهما)، ومناب الفعل المجزوم به، وما تضمنه من فاعله، فلذلك ظهر بعده الجواب، ولم يظهر الشرط، لقيامه مقامه. وجوابه هاهنا من مدخول الفاء التي في قوله: فإني رأيت.
[ ١ / ٢٨ ]
وقوله: (بعد حمد الله): بعد: ظرف، يعرب إذا أضيف إلى ما يتصل به، فإذا انقطع عن الإضافة، بنى على الضم إن اعتقد فيه التعريف، وأعرب إن أعتقد فيه التنكير. ولا يضاف إلا إلى المفرد، أو ما هو في حكم المفرد. فالمفرد كقولك: جئتك بعد الظهر، وبعد خروج زيد. والذي في حكم المفرد كقولك: جئتك بعد ما خرج زيد، وبعد أن أذن الظهر. فهذا الكلام وإن كان جملة، فهو في تأويل المفرد. ألا ترى أن تأويله، جئتك بعد خروج زيد، وبعد آذان الظهر.
وقوله: (أما بعد حمد الله): بعد: ينتصب هاهنا على وجهين: أحدهما أن يكون العامل فيه ما تضمنته (أما) من معنى الشرط، لأن التقدير والمعنى: مهما يكن من شيء بعد حمد الله. والثاني أن يكون العامل فيه (رأيت) على معنى التقديم والتأخير، كأنه قال: مهما يكن من شيء، فإني رأيت بعد حمد الله. فيكون بمنزلة قوله ﷿: (فأما اليتيم فلا تقهر. وأما السائل فلا تنهر). فالعامل في اليتيم والسائل، الفعلان اللذان بعدهما، كأنه قال: مهما يكن من شيء، فلا تقهر اليتيم، ومهما يكن من شيء، فلا تنهر السائل. ولا يصح عندنا نصب اليتيم والسائل، بما تضمنته (أما) من معنى الشرط، كما صح في قوله: (أما بعد حمد الله) لأن المعاني تعمل في الظروف، ولا تعمل في المفعولات الصحاح. فأما إعمال
[ ١ / ٢٩ ]
معنى الشرط في (بعد) فجائز باتفاق. وأما إعمال (رأيت) فيه، فرأى غير متفق عليه، فأبو عثمان المازني لا يجيزه، وحجته، أن خبر إن، لا يعمل فيما قبلها، لأن عامل غير متصرف. فلا يجوز أن يقال: زيدًا إنك ضارب، على معنى إنك ضارب زيدا. وكذلك لا يجو عند المازني ومن وافقه، أما زيدًا فإنك ضارب.
وكان أبو العباس المبرد يجيز أن يعمل خبر (إن) فيما قبلها مع (أما). ولا يجيزه مع غير (أما). فكان يجيز، أما زيدا فإنك ضارب ولا يجيز، زيدًا إنك ضارب.
وكان يزعم أنه مذهب سيبويه. وحجته أن (أما) وضعت في كلام العرب على أن يقدم معها على الفاء، ما كان مؤخرا بعد الفاء، ألا ترى أنك تقول: مهما يكن من شيء فزيد منطلق، فتجد زيدًا بعد الفاء، فإذا وضعت (أما) مكان (مهما)، فقلت: أما زيد فمنطلق، وجدت زيدًا قد تقدم قبل الفاء. فلما كانت (أما) موضوعة على معنى التقديم والتأخير، جاز معها من التقديم والتأخير ما لم يجز مع غيرها.
ومن الحجة له أيضًا، أنه لو استحال أن يعمل خبر إن فيما قبلها مع
[ ١ / ٣٠ ]
(أما)، لما جاز أن يعمل (ما) بعد الفاء فيما قبلها في قوله ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾، لأن الفاء موضوعة للإتباع، فهي ترتب الثاني بعد الأول، ولا يجوز لما بعدها أن ينوى به التقديم على ما قبلها. فكما جاز لما بعد الفاء أن يعمل فيما قبلها مع (أما)، كذلك جاز في خبر (إن).
والمازني يفرق بين الفاء وإن، لأن الفاء قد وجدنا ما بعدها يعمل فيما قبلها مع غير (أما) في قولك! زيدًا فاضرب، وبعمر فامرر، على ضروب من التأويل. ولم نجد خبر (إن) يعمل فيما قبلها مع غير (أما)، فنقيس (أما) عليه.
ومن النحويين من يجيز أما اليوم فإنك خارج، فيعمل خبر (إن) في اليوم، ولا يجيز أن يقال: أما زيدًا فإنك ضارب. وحجته أن الظروف يتسع فيها ما لا يتسع في غيرها.
وأما سيبويه﵀- فإنه قال في كتابة قولًا مشكلا، يمكن أن يتأول على مذهب أبي العباس، وهو الأظهر فيه. ويمكن أن يتأول على مذهب المازني.
فإن قال قائل: لأي علة لزم أن يقدم مع (أما) قبل الفاء ما كان مؤخرًا بعدها مع (مهما)؟ لأنا نقول: مهما يكن من شيء فعبد الله خارج، ثم يقول: أما عبد الله فخارج، فنجد عبد الله الذي كان مؤخرًا بعد الفاء (مع مهما)، لوجب أن يقال: مهما يكن من شيء فلا تقهر اليتيم. أو يقال:
[ ١ / ٣١ ]
مهما يكن من شيء فاليتيم لا تقهر. فلما وضعت (أما) موضع مهما، صار الكلام: فأما اليتيم فلا تقهر، فتقدم اليتيم الذي كان حكمه التأخير؟
فالجواب عن ذلك من وجهين:
أحدهما: أن (أما) كان القياس أن يظهر بعدها فعل الشرط. كما يظهر مع (مهما). فلما حذف للعلة التي قدمنا ذكرها. قدم بعض الكلام الواقع بعد الفاء ليكون كالعوض عن المحذوف.
والثاني: أن الفاء إنما وضعت في كلام العرب للإتباع أي لتجعل ما بعدها تابعًا لما قبلها. ولم توضع لتكون مستأنفة، والإتباع فيها على ضربين: إما إتباع اسم مفرد، كقولك: قام زيد فعمرو. وإما إتباع جملة لجملة كقولك: قمت وضربت زيدًا. فلو قلت: (أما فزيد منطلق)، لوقعت الفاء مستأنفة، ليس قبلها اسم ولا جملة يكون ما بعدهما تابعًا له، إنما قبلها حرف معنى لا يقوم بنفسه، ولا تنعقد به فائدة الاسم، فقالوا: أما زيد فمنطلق، ليكون ما بعدها تابعًا لما قبلها، على أصل موضوعها.
واستيفاء الكلام في هذه المسألة يخرجنا عن غرضنا الذي قصدناه، وليس كتابنا هذا كتاب نحو، فنستوعب فيه هذا الشأن. فمن أراده فليلتمسه في مواضعه إن شاء الله.
قوله (بجميع محامده): ذهب أكثر اللغويين والنحويين إلى أن المحامد جمع (حمد) على غير قياس، كما قالوا المفاقر، جمع فقر، والمذاكر جمع ذكر.
[ ١ / ٣٢ ]
وقال قوم: المحامد: جمع محمدة وهذا هو الوجه عندي، لأن المحمدة قد نطقت بها العرب نثرًا ونظمًا. قال الأحنف بن قيس ألا أدلكم على المحمدة؟ الخلق السجيح والكف عن القبيح وقد قال النحويون: إن الأفعال التي يكون منها الماضي على (فعل) بكسر العين، فقياس (المفعل) منها أن يكون مفتوح العين في المصدر والزمان والمكان، كالمشرب والمعلم والمجهل إلا كلمتين شدتا، وهما المحمدة والمكبر فجاءتا بكسر العين. قال أعشي همدان:
طلبت الصبا إذ علا المكبر وشاب القذال فما تقصر
فإذا كانت المحمدة موجودة في كلامهم، مشهورة في استعمالهم، فما الذي يحوجنا إلى أن نجعل المحامد جمع حمد على غير قياس.
قوله: (والثناء عليه بما هو أهله): الثناء ممدود، إذا قدمت الثاء على النون. فإذا قدمت النون على الثاء، قلت: نثا مقصورًا. والغالب على الثناء الممدود أن يستعمل في الخير دون الشر. فأما المقصور فيستعمل في الخير والشر.
[ ١ / ٣٣ ]
وقد جاء الثناء الممدود في الشر إلا أنه قليل، ومحمول على ضرب من التأويل. أنشد أبو عمر المطرز عن ثعلب.
أثنى على بما علمت فإنني أثنى عليك بمثل ريح الجورب
وقد يجوز لقائل أن يقول إنما أراد أني أقيم لك الذم مقام الثناء، كما قال تعالى ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. والعذاب ليس ببشارة، إنما تأويله: أقم لهم الإنذار بالعذاب الأليم مقام البشارة. فإذا حمل على هذا التأويل، لم يكن في البيت حجة.
وفعل الثناء الممدود رباعي. يقال: أثنيت إثناء. والاسم: الثناء، كقولك: أعطيت إعطاء، والاسم: العطاء.
وفعل النثا المقصور ثلاتي يقال: نثوت الحديث نثوا: ذكرته ونشرته نثيا. وحكى سيبويه ينثو نثا، بالقصر، وثناء بالمد.
قوله: (والصلاة على رسوله المصطفى): الصلاة منه تعالى: الرحمة. ومن الملائكة: الدعاء. ومن الناس: الدعاء والعمل جميعًا. قال الأعشى:
تقول بنتي وقد قربت مرتحلا يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا
عليك مثل الذي صليت فاغتمضى نومًا فإن لجنب المرء مضطجعا
[ ١ / ٣٤ ]
فمرتحل، بفاء الحاء: جمل قد وضع عليه الرحل.
وقال يصف الخمار والخمر.
وقابلها الريح في دنها وصلى على دنها وارتسم
والمصطفى: المختار، وهو مفتعل من الصفوة، وهي خيار كل شيء، وأصله مصتفو أبدلوا التاء طاء لتوافق الصاد في الاستعلاء، وتجاوزت الكلمة ثلاثة أحرف، فانقلبت الواو ياء كانقلابها في أغزيت وأعطيت. ثم تحركت الياء وقبلها فتحة، فانقلبت ألفا.
وقوله: (وآله): ذكر أبو جعفر بن النحاس أن (آلا) يضاف إلى الأسماء الظاهرة، ولا يجوز أن يضاف إلى الأسماء المضمرة. فلم يجز أن يقال صلى الله على محمد وآله. قال: وإنما الصواب: (وأهله). وذكر مثل ذلك أبو بكر الزبيدي في كتابه الموضوع في لحن العامة. وهذا مذهب الكسائي. وهو أول من قاله، فاتبعاه على رأيه، وليس بصحيح، لأنه لا قياس له يعضده ولا سماع يؤيده. وقد رواه أبو علي البغدادي عن أبي جعفر بن قتيبة عن أبيه هكذا، ولم ينكره. وروى أبو العباس المبرد في الكامل أن رجلًا من أهل الكتاب، ورد على معاوية، فقال له معاوية: أتجد نعتي في شيء من كتب الله؟ فقال: إي والله، حتى لو كنت في أمة لوضعت عليك يدي
[ ١ / ٣٥ ]
من بينها. قال: فكيف تجدني؟ قال: أجدك أول من يحول الخلافة ملكا، والخشنة لينا. ثم إن ربك من بعدها لغفور رحيم.
قال معاوية: فسرى عني ثم قال: لا تقبل هذا مني ولكن من نفسك، فاختبر هذا الخبر. قال: ثم يكون ماذا؟ قال: لا تقبل هذا مني ولكن من نفسك، فاختبر هذا الخبر. قال: ثم يكون ماذا؟ قال: ثم يكون منك رجل شراب للخمر، سفاك للدماء، يحتجن الأموال، ويصطنع الرجال، ويجند الجنود، ويبيح حرمة الرسول. قال: ثم ماذا؟ قال: ثم تكون فتنة تتشعب بأقوام حتى يفضى الأمر بها إلى رجل أعرف نعته، يبيع الآخرة الدائمة، بحظ من الدنيا مخسوس، فيجتمع عليه، من آلك، وليس منك، لا يزال لعدوه قاهرًا، وعلى من ناوأه ظاهرًا، ويكون له قرين مبين لعين. قال: أفتعرفه إن رأينه؟ قال: شد ما، فأراه من بالشام من بنى أمية، فقال ما أراه هاهنا. فوجه به إلى المدينة مع ثقات من رسله، فإذا بعبد الملك بن مروان يسعى مؤتزرا، في يده طائر. فقال للرسول: ها هو ذا. ثم صاح به! إلى أبو من قال: أبو الوليد. قال: يا أبا الوليد. إن بشرتك ببشارة تسرك،
[ ١ / ٣٦ ]
ما تجعل لي؟ قال: وما مقدارها من السرور، حتى نعلم ما مقدارها من الجعل. قال: أن تملك الأرض. قال: مالي من مال. ولكن (أرأيتك) إن تكلفت لك جعلًا، أأنال ذلك قبل وقته. قال: لا. قال: فإن حرمتك، أتؤخره عن وقته؟ قال: لا. قال: فحسبك ما سمعت. هكذا روى أبو العباس وغيره في هذا الخبر (من آلك وليس منك) بإضافة (آل) إلى الكاف. وأبو العباس من أئمة اللغة بالحفظ. والضبط.
وقال أبو علي الدنيوري في كتابه الذي وضعه في إصلاح المنطق. تقول: فلان من آل فلان، وآل أبي فلان. ولا تقل: من آل الكوفة ولكن من أهل الكوفة فإذا كنيت قلت: هو من أهله، ولا تقول: من آله إلا في قلة من الكلام فهذا نص بأنها لغة.
وقد وجدنا مع ذلك (آلًا) في الشعر مضافًا إلى المضمر. قال عبد المطلب حين جاء أبرهة الأشرم لهدم الكعبة.
لا هم إن المرء يمنع رحله فامنع حلالك
لا يعلبن صليبهم ومحالهم غدوًا محالك
وانصر على آل الصليب وعابديه اليوم آلك
[ ١ / ٣٧ ]
يعني قريشًا، لأن العرب كانوا يسمونهم آل الله. لكونهم أهل البيت.
وقال الكميت:
فأبلغ بنى الهندين من آل وائل وآل مناة والأقارب آلها
ألوكًا توافى ابني صفية وانتجع سواحل دعمي بها ورمالها
وقال خفاف بن ندبة:
أنا الفارس الحامي حقيقة والدي وآلي كما تحمي حقيقة آلكا
واختلف الناس في قول الأعشى:
كانت بقية أربع فاعتمتها لما رضيت من النجابة آلها
فقال قوم: أراد بآلها: شخصها. وقال آخرون: أراد رهطها.
وكذلك قول مقاس العائدي:
إذا وضع الهزاهز آل قوم فزاد الله آلكم ارتفاعا
ميل: أراد بالآل: الأشخاص. وقيل: أراد الأهل. وقد قال أبو الطيب المتنبي، وإن لم يكن حجة في اللغة:
والله يسعد كل يوم جده ويزيد من أعدائه في آله
[ ١ / ٣٨ ]
وأبو الطيب وإن كان ممن لا يحتج به في اللغة، فإن في بيته هذا حجة من جهة أخرى. وذلك أن الناس عنوا بانتقاد شعره. وكان في عصره جماعة من اللعويين والنحويين كابن خالويه وابن جنى وغيرهما. وما رأيت منهم أحدًا أنكر عليه إضافة (آل) إلى المضمر. وكذلك جميع من تكلم في شعره من الكتاب والشعراء كالوحيد، وابن عباد والحاتمي وابن وكيع، لا أعلم لأحد منهم اعتراضًا في هذا البيت. فدل هذا على أن هذا لم يكن له أصل عندهم، فلذلك لم يتكلموا فيه.
و(آل): أصله أهل. ثم أبدلوا من الهاء همزة، فقيل أأل، ثم أبدل من الهمزة ألف، كراهية لاجتماع همزتين. ودل على ذلك قولهم في تصغيره: أهيل، فردوه إلى أصله.
وحكى الكسسائي في تصغيره أويل. وهذا يوجب أن تكون ألف آل بدلًا من واو، كالألف في باب ودار.
قوله: (عن سبيل الأدب ناكبين): السبيل: الطريق، وهي تذكر وتؤنث. والناكب: العادل. يقال: نكب عن الطريق ينكب نكوبا. وقد قيل: نكب (بكسر الكاف) ينكب نكبا. قال ذو الرمة:
وصوح البقل نأاج تجئ به هيف يمانيه في مرها نكب
قوله: (ومن أسمائه متطيرين): يريد أنهم يتشاءمون بالأدب ويجعلونه
[ ١ / ٣٩ ]
حرفة على صاحبه فإذا رأوا متأدبًا محروبًا، قالوا: أدركته حرفة الأدب. وكذلك قال الشاعر:
ما ازددت من أدى حرفًا أسربه إلا تزيدت حرقًا تحته شوم
كذاك من يدعى حذفًا بصنعته أنى توجه منها فهو محروم
قوله: (أما الناشئ منهم فراغب عن التعلم): الناشئ: الصغير في أول انبعاثه، وجمعه: نشأة. كما يقال: كافر وكفرة. ويقال: ناشئ ونشأ. كما يقال: حارس وحرس. قال نصيب.
ولولا أن يقال صبا نصيب لقلت بنفسي النشأ الصغار
وراغب عن التعليم: تارك له. يقال: رغبت عن الشيء: إذا زهدت فيه، ورغبت عن الشيء: إذا حرصت عليه.
قوله: (والشادي تارك للازدياد): الشادي: الذي نال من الأدب طرفا. يقال: شدا يشدوا. ويقال: لطرف كل شيء: شدا، قال الشاعر:
فلو كل في ليلى شدا من خصومة للويت أعناق الخصوم الملاويا
والازدياد: افتعال من الزيادة، وأصله: ازتياد، أبدل من التاء دال، لتوافق الزاي في الجهر، طلبا لتشاكل الألفاظ، وهربًا من تنافرها.
قوله: (والمتأدب في عنفوان الشباب ناس أو متناس، ليدخل في
[ ١ / ٤٠ ]
جملة المجدودين ويخرج عن جملة المحدودين). عنفوان الشباب: أوله، وكذلك عنفوان كل شيء والناسي: المطبوع على النسيان. والمتناسي: المتغافل مشتق من قولهم: حددته عن الشيء: إذا منعته من، وكل من منع من شيء فهو حداد. يقال لحاجب السلطان: حداد، لأنه يمنع من الوصول إليه. وكذلك البواب. وسمى الأعشى الخمار حدادًا فقال.
فقمنا ولما يصح ديكنا إلى جونة عند حدادها
وأراد بالمجدودين: أهل الأموال والمراتب العالية في الدنيا. وبالمحدودين: أهل الأدب الذين حدوا عن الرزق: أي منعوا منه. واللام في قوله: ليدخل في جملة المجدودين تسمى لام العلة والسبب كالتي في قولك: جئت لأضرب زيدًا. كأنه قيل له: لم جئت؟ أو توقع أن يطالب بالعلة الموجبة لمجيئه فقال: لأضرب زيدًا.
يريد أن المتأدب قد اعتد أن أهل الأدب محرومون محارفون عن الرزق، فهو يتناسى الأدب فرارًا من أن يدخل في جملتهم فيلحقه من حرفة الأدب ما لحقهم.
قوله: (فالعلماء مغمورون): كان أبو علي يرويه بالراء، وكان ابن القوطية يرويه بالزاي، ولكل واحدة من الروايتين معنى صحيح.
[ ١ / ٤١ ]
أما من رواه بالراء فهو من قولك: غمره الماء: إذا غطاه: ويقال: رجل مغمور: إذا كان خامل الذكر. يراد أن الخمول قد أخفاه، كما يغمر الماء الشيء فيغيبه. ومن رواه بالزاي فهو من قولك: غمزت الرجل: إذا عبته وطعنت عليه.
يريد أن العلماء يبدعون ويكفرون، وينسب إليهم ما لعلهم براء منه وقد قال علي ﵇: الناس أعداء ما جهلوا. وقال الشاعر:
والجاهلون لأهل العلم أعداء
ويروى: أن بعض الجهال شهد على رجل بالزندقة عند بعض الولاة، فقال المشهود عليه: قرره- أصلحك الله على شهادته- فقرره على شهادته، فقال: نعم. أصلحك الله هو قدري مرجئ رافضي، يسب معاوية بن أبي طالب الذي قتل علي بن أبي سفيان. فضحك الوالي وقال: يا بن أخي والله ما أدري على أي شيء أحسدك، أعلى حذقك بالمقالات، أم على علمك بالأنساب، وأبطل شهادته، وأمر بتخلية المشهود عليه.
وقوله: (وبكرة الجهل مقموعون): كرة الجهل: دولته، من قوله تعالى (ثم رددنا لكم الكرة عليهم) أي الدولة. والكرة أيضًا: (فعلة) من كر عليه في الحرب يكر كرًا: إذا حمل عليه.
يريد أن الجهل كر على العلماء، فقمعهم وأذلهم، كما يكر الفارس على قرنه، فيصرعه. ويقال: قمعت الرجل إذا أذللته وصرفته عما يريد.
[ ١ / ٤٢ ]
قوله: (حين خوى نجم الخير): أي سقط. وكانت العرب تنسب الأنواء إلى منازل القمر الثماني والعشرين.
ومعنى النوء: سقوط نجم منها في المغرب مع الفجر وطلوع نجم آخر يقابله من ساعته في المشرق. وسمى نوءًا إذا سقط الغارب، ناء الطالع ينوء نوءا، وكل ناهض بثقل فقد ناء.
وبعضهم يجعل النوء سقوط. النجم كأنه من الأضداد. وكانوا إذا سقط منها نجم وطلع آخر فحدث عند ذلك مطر أو ريح أو برد أو حر نسبوه إلى الساقط. على أن يسقط الذي بعده. وإذا سقط ولم يكن عند سقوطه مطر ولا ريح ولا برد ولا حر: قالوا: خوى نجم كذا، وأخوى. فضربه بان قتيبة مثلًا لذهاب الخير، كما ضرب كساد السوق مثلًا لزهادة الناس في البر، وإعراضهم عنه.
والأشهر في السوق: التأنيث. وقد حكى فيها التذكير. أنشدنا الفراء:
[ ١ / ٤٣ ]
بسوق كثير ريحة وأعاصيره
وسميت سوقا، لأن الأرزاق تساق إليها. وقيل: سميت سوقًا: لقيام الناس فيها على سوقهم. والبر: الخير والعمل الصالح.
وقوله (وبارت بضائع أهله): البوار: الهلاك. يقال: بار الشيء يبور بورًا وبوارًا (بفتح الباء)، فإذا وصفت به، قلت: رجل بور، (بضم الباء) وبائر. قال ابن الزبعري.
يا رسول المليك إن لساني راتق ما فتقت إذ أنا بور
والبضائع: الأموال التي يحملها التجار من بلد إلى بلد للتجارة، واحدتها بضاعة، وقد تكون البضاعة: المال على الإطلاق، واشتقاقها من البضع وهو القطع.
يراد أنها قطعة من المال. فجعل العلم للعالم كالبضاعة للتاجر. يقول: هلكت بضائع العلماء التي استبضعوها من العلم حين لم يجدوا لها طالبًا.
وقوله: (وأموال الملوك وقفا على النفوس): كل شيء قصرته على شيء آخر، ولم تجعل له مشاركًا فيه، قيل: إنه وقف عليه. ومنه يقول القائل لصاحبه: مودتي وقف عليك. ومنه قيل لما جعل في سبيل الله تعالى: وقف. يريد
[ ١ / ٤٤ ]
أن الملوك كانوا أجدر الناس في النظر في العلوم لسعة أحوالهم، وهم أزهد الناس فيها، قد جعلوا أموالهم وقفا على نفوسهم، لا يصرفونها إلا فيما يأكلون ويشربون ويركبون وينكحون، لا فضل فيها لغير ذلك.
وقوله: (والجاه الذي هو زكاة الشرف يباع بيع الخلق): يريد أنه مبتذل يناله كل من يريده. والخلق للواحد والاثنين والجمع، والمذكر والمؤنث بلفظ واحد، لأنه يجرى مجرى المصادر. وقد يثنى ويجمع، فيقال: ثياب أخلاق، لأنه يوصف به فيجرى مجرى الأسماء وقد قالوا: ثوب أخلاق، فوصفوا به الواحد. قال الكسائي: أرادوا أن نواحيه أخلاق، فلذلك جمع. قال الراجز
جاء الشتاء وقميصي أخلاق شراذم يضحك منها التواق
والتواق: ابنه.
وقوله: (وآضت المروءات): أي رجعت. ومنه قيل: فعل ذلك أيضًا أي فعله عودًا.
وقد اختلف الناس في حقيقة المروءة ما هي؟ وحقيقتها أنها الخصال الجميلة التي يكمل بها المرء، كما يقال: الإنسانية: يراد بها الخصال التي يكمل بها الإنسان. وإلى هذا ذهب أبو بكر ابن القوطية.
[ ١ / ٤٥ ]
وزعم قوم أن المروءة من المرء كالرجولة من الرجل، يريدون أنه مصدر لا فعل له، وهذا غلط، لأنهم قد قالوا: مرء الرجل: إذا حسنت هيئته وعفافه عما لا يحل له. فالمروءة مصدر (مرؤ) بمنزلة السهولة، مصدر سهل والصعوبة مصدر صعب. واشتقاق المروءة من قولهم مرو الطعام ومرئ فهو مرئ: إذا انساغ لآكله، ولم يعد عليه منه ضرر. ومنه يقال: كله هنيئًا مرئيا. فمعنى المروءة: الخصال المحمودة، والأخلاق الجميلة، التي تحبب الإنسان إلى الناس حتى يصير حلوًا في نفوسهم، خفيفًا عليهم ..
وقوله: (في زخارف النجد وتشييد البنيان): زخارف: جمع زخرف، وأصله الذهب، ثم سمى كل مزين ومحسن زخرفا. والنجد: ما يزين به البيت من أنواع البسط. والثياب. يقال: نجدت البيت تنجيدا. قال ذو الرمة.
حتى كأن رياض ألقف ألبسها من وشى عبقر تجليل وتنجيد
ويقال للذي يفرش البيوت: النجاد والمنجد. ويقال لعصاه التي ينفض بها ثياب: المنجدة. وتشييد البينان: رفعه وإطالته. ويقال: بل هو تجصيصه. ويقال للجص: الشيد. قال الله تعالى: (ولو كنتم في بروج
[ ١ / ٤٦ ]
مشيدة). وقال الشماخ:
لا تحسبني وإن كنت امرأ غمرًا كحبة الماء بين الصخر والشيد
وقوله: (ولذات النفوس في اصطفاق المزاهر): لذات: مرفوعة بالعطف على المروءات. والمعنى: وآضت لذات النفوس. والاصطفاق: الضرب، وهو افنعال من الصفق، والطاء مبدلة من تاء الافتعال، أبدلت طاء لتوافق الصاد التي قبلها في الاستعمال ويتجانس الصوت ولا يتنافر. والمزهر: عود الغناء.
وقوله: (ومعاطاة الندمان) المعاطاة: المناولة، وهو أن تأخذ منه، ويأخذ منك. والندمان والنديم: سواء، يقال: فلان ندماني وفلان- نديمي. فمن قال ندمان: جمعه على ندامي، مثل سكران وسكارى، ومن قال نديم: قال في الجمع ندماء، مثل ظريف وظرفاء. قال الشاعر:
فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني ولا تسقني بالأصغر المتثلم
وقوله: (ونبذت الصنائع، وجهل قدر المعروف، وماتت الخواطر) ونبذت: أي تركت واطرحت. والصنائع: جمع صنيعه، وهي ما اصطنعت إلى الرجل من خير. ويقال: فلان صنيعة لفلان، أي يؤثره ويقربه. ويقال:
[ ١ / ٤٧ ]
قدر وقدر، بسكون الدال وفتحها. والمعروف: اسم واقع على كل فعل قد تعارفه الناس بينهم وألفوه. والخواطر: الأذهان، واحدها: خاطر. وحقيقة الخاطر: ما يخطر ببال الإنسان من خير أو شر.
وقوله: (وزهد في لسان الصدق وعقد الملكوت): لسان الصدق: يستعمل على معنين: أحدهما: قول الحق. والثاني: الثناء الحسن. قال الله تعالى: (واجعل لي لسان صدق في الآخرين) وهو الذي أراده ابن قتيبة بقوله بعد هذا: ويسعده بلسان الصدق في الآخرين.
فأما لسان الصدق المذكور في هذا الموضع، فيحتمل أن يريد به قول الحق، ويحتمل أن يريد أن الناس زهدوا فيما يبقى لهم من الثناء الجميل. وكان الأخفش علي بن سليمان يروى: وعقد الملكوت، بفتح العين، وسكون القاف، يجعله مصدر عقدت عقدا. وكان أبو القاسم الصائغ يرويه بصم العين، وفتح القاف، يجعله جمع عقدة، مثل غرفة وغرف.
وهكذا رواه أبو علي البغدادي وأبو بكر بن القوطية. واسم العقدة في اللغة: الضيعة يشتريها الرجل، ويتخذها أصل مال. يقال: اعتقد الرجل إذا اتخذ أصل مال يتركه لعقبه. ويقال لها أيضًا: نشب، لأنها تمنع
[ ١ / ٤٨ ]
الإنسان الرحيل والانتقال، فلا يبرح. وتسمى أعمال البر والخير عقدًا، لأنها ذخائر يجدها الإنسان عند الله تعالى. ويعتقد بها الملك عنده: أي يستوجبه ويناله. والملكوت: الملك. أي زهد الناس في أعمال البر التي ينالونه بها المراتب عند الله تعالى.
وقوله: (فأبعد غايات كاتبنا في كتابته: أن يكون حسن الخط، قويم الحروف). يريد أن الكاتب ينبغي أن تكون له مشاركة في جميع المعارف لأنه يشاهد مجالس الملوك، التي يحضرها خواص الناس وعلماؤهم، ويتحاورون فيها، في أنواع المحاورة، وأصناف المذاكرة. فلشدة زهادة الناس في العلم ورغبتهم عنه، قد صارت غاية الكاتب أن يحسن الخط، ويقيم حروف الكتابة فإذا صار في هذه المرتبة، زها بنفسه، وظن أنه فاق أبناء جنسه.
وقوله: (وأعلى منازل أديبنا أن يقول من الشعر أبياتًا في مدح قينة أو وصف كأس). يريد: أن الأدب له غرضان:
أحدهما: يقال له الغرض الأدني. والثاني: الغرض الأعلى. فالغرض الأدنى أن يحصل للمتأدب بالنظر في الأدب والتمهر فيه قوة يقدر بها على النظم والنثر. والغرض الأعلى: أن يحصل للمتأدب قوة على فهم كتاب الله تعالى وكلام رسوله ﷺ وصحابته. ويعلم كيف تبنى الألفاظ الواردة
[ ١ / ٤٩ ]
في القرآن والحديث بعضها على بعض، حتى تستنبط منها الأحكام، وتفرع الفروع، وتنتج النتائج، وتقرن القرائن، على ما تقتضيه مباني كلام العرب ومجازاتها، كما يفعل أصحاب الأصول.
وفي الأدب لمن حصل في هذه المرتبة منه أعظم معونة على فهم علم الكلام، وكثير من العلوم النظرية. فقد زهد الناس في علم الأدب، وجهلوا قدر الفائدة الحاصلة منه، حتى ظن المتأدب أن أقصى غاياته أن يقول أبياتًا من الشعر.
والشعر عند العلماء أدنى مراتب الأدب، لأنه باطل يجلى في معرض حق وكذب يصور بصورة صدق. وهذا الذم إنما يتعلق بمن ظن صناعة الشعر غاية الفضل، وأفضل حلى أهل النبل، فأما من كان الشعر بعض حلاه، وكانت له فضائل سواه، ولم يتخذه مكسبًا وصناعة، ولم يرضه لنفسه حرفة وبضاعة، فإنه زائد في جلالة قدره، ونباهة ذكره.
(وأبيات): تصغير أبيات. ويروى (أبياتًا) على التكسير. والتصغير هاهنا: أشبه بغرضه الذي قصده، من ذم المتأدبين. والقينة: المغنية. وقد قيل: إنه اسم يقع على كل أمة، مغنية كانت أو غير مغنية. واشتقاقها من قولهم: قنت الشيء وقينته: إذا زينته بأنواع الزينة. واقتانت الروضة: إذا ظهرت فيها أنواع الأزهار. والكأس: الإناء بما فيه من الخمر. ولا يقال للإناء وحده دون خمر كأس، كما لا يقال مائدة حتى لا يكون عليها طعام، وإلا فهي خوان. ولا يقال قلم حتى يكون مبريًا، وإلا فهو قصبة وأنبوب.
[ ١ / ٥٠ ]
وقد حكى يعقوب أنه يقال للإناء وحده كأس. وقوله: (وأرفع درجات لطيفنا: أن يطالع شيئًا من تقويم الكواكب، وينظر في شيء من الفضاء وحد المنطق). يريد باللطيف هاهنا: المتفلسف، سمى لطيفًا للطف نظره، وأنه يتكلم في الأمور الخفية التي تنبو عنها أفهام العامة وكثير من الخاصة. ويعني بالفضاء: الحكم بدلائل النجوم على ما يحدث من الأمور. وحد المنطق: كتاب يتخذه المتفلسف مقدمة للعلوم الفلسفية، كما يتخذ المتأدبون صناعة النحو مقدمة للعلوم الأدبية. وبينة وبين علم النحو مناسبة في بعض أغراضه ومقاصده.
وقوله: (وفلان رقيق): الرقة: ضد الخشونة في كل شيء. هذا أصلها. ثم تستعار، فتستعمل على ثلاث معان:
أحدها: الرحمة والإشفاق: ويقال: رقت له نفسي، يريدون بذلك ذهاب القسوة التي تضاهي الخشونة.
[ ١ / ٥١ ]
والثانية: حلاوة الشمائل واللياقة. يقال: رجل رقيق الحواشي. يريدون بذلك ذهاب الجفاء والتعجرف عنه.
والثالث: الحسن والجمال. ولذلك قالوا لبائع الخدم: بائع الرقيق. وقد رواه قوم في أدب الكتاب .. وفلان رفيق (بالفاء)، وهو مثل اللطيف. ورأيت قومًا من علماء عصرنا يروونه: (وفلان دقيق)، يذهبون إلى الدقة وهذا خطأ فاحش، لأن العرب لا تقول رجل دقيق إلا للخسيس. وهو ضد قولهم: رجل جليل. ويقولون: فلان أدق من فلان: إذا كان أخس منه. قال الشاعر:
خالي أبو أنس وخال سراتهم أوس، فأيهما أدق وألام
فإذا أرادوا دقة الذهن، قالوا: دقيق الذهن فقيدوه بذكر الذهن، ولم يطلقوه. أو قالوا: دقيق النظر، ونحو ذلك مما يبين المراد بالدقة.
وقوله: (فهو يدعوهم الرعاع، والغثاء، والغثر) الرعاع: سقاط الناس وسفلتهم. والرعاع من الطير: كل ما يصاد ولا يصيد. والغثاء: ما يحمله السيل من الزبد. والغثر: الجهال والأغبياء، واحدهم أغثر. ويقال كساء
[ ١ / ٥٢ ]
أغثر وأكسية غثر: إذا كثر صوفها حتى تخش، وتخرج عن الاعتدال. ويقال لسلفة الناس: الغثراء والدهماء. وكل غبرة يخالطها كدر حتى تقارب السواد فهي عثرة.
وقوله: (وهي به أليق): أي ألصق. يقال: هذا الأمر لا يليق بك: أي لا يلصق ولا يتعلق. ومنه اشتقت (ليقة الدواة) لالتصاقها. ومنه قيل: ما لاقني بلد كذا، ولا ألاقني: أي ما أمسكني.
وقوله (الزاري على الإسلام برأيه): الزاري: الطاعن المتنقص. يقال: زريت عليه: إذا عبته وتنقصته. وأزريت به: إذا قصرت.
وثلج اليقين: برده. ويقال: ثلجت نفسي بالشيء: إذا سرت به وسكتت إليه. وإنما سمي السرور بالشيء، والسكون إليه ثلجا، لأن المهتم بالشيء الحزين يجد لوعة في نفسه، وحدة في مزاجه. فإذا ورد عليه ما يسره، ذهبت تلك اللوعة عنه، فلذلك قيل: ثلجت نفسي بكذا، وهو ضد قولهم: احترقت نفسي من كذا والتاعت.
وقوله: (فنصب لذلك): كذا الرواية (بفتح الصاد. وهو من قولهم: نصبت لفلان الشر أي أعددته ليقع فيه ونصبت له الحرب. وأصل ذلك أن الصياد ينصب حبائله للصيد ليقع فيها، فاستعير ذلك في كل من يكيد غيره ليغتره ويوقعه في المكروه.
ومنه سميت الفرقة المبغضة لعلي ﵁ ناصبة.
[ ١ / ٥٣ ]
وتروق: تعجب، وتهول: تفزع. وقوله: (فإذا سمع العمر والحدث الغر قوله (الكون وسمع الكيان): الغمر: الذي لم يجرب الأمور. ويقال رجل غمر (بضم الغين وتسكين الميم) وغمر (بضمهما) وغمر (بفتحهما ومغمر بمعنى واحد. والحدث الغر: الصغير. والكون: خروج الشيء من العدم إلى الوجود. والفساد: خروجه من الوجود إلى العدم وسمع الكيان (بكسر السين): الرواية. ويروي سمع (بفتح السين). فالسمع بالفتح المصدر من سمعت. والسمع بالكسر: الذكر. يقال: ذهب سمعه في الناس ومن روى: (وسمع الكيان) بالكسر، وتوهمه فعلًا ماضيًا، ونصب به الكيان فقد أخطأ. إنما هو كتاب له يعرفونه بهذا الاسم.
فمن قال: سمع الكيان (بفتح السين): فمعناه: سماع ما يكون. ومن كسر السين فمعناه ذكر الكيان.
والكمية والكيفية، الكمية: المقادير التي يستفهم عنها بكم. والكيفية: الهيئات والأحوال اللتان يستفهم عنها بكيف.
وكان أبو إسحاق الزجاج يقول: الكمية بتشديد الميم، والقياس التخفيف. وكذلك روى عنه بالتخفيف. ومعنى راعه. أفزعه. ومعنى طالعها: قرأها وأشرف على معانيها. ومعنى (لم يحل بطائل): لم يظفر بمنفعة.
[ ١ / ٥٤ ]
وحقيقة الطائل: أن كل شيء له فضل وشرف على غيره، يتنافس فيه من أجله يقال: رجل طائل وذو طول، قال الطرماح.
لقد زادني حبًا لنفسي أنني بغيض إلى كل امرئ غير طائل
وقوله: (إنما الجوهر يقوم بنفسه) إنما عند البصريين، لها معنيان.
أحدهما: تحقير الشيء وتقليله. والثاني: الاقتصار عليه. فأما احتقار الشيء وتقليه، فكرجل سمعته يزعم أنه يهب الهبات ويواسي الناس بماله، فتقول: إنما وهبت ردهمًا، تحتقر ما صنع، ولا تعتده شيئًا.
وأما الاقتصار على الشيء، فنحو رجل سمعته يقول: زيد شجاع وكريم وعالم. فتقول: إنما هو شجاع. أي ليس له من هذه الصفات الثلاث غير الشجاعة.
وتستعمل إنما أيضًا في رد الشيء إلى حقيقته، إذا وصف بصفات لا تليق به، كقوله تعالى: ﴿إنَّما الله إِلهٌ واحِدٌ﴾. وقوله: ﴿قٌلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾. وهذا راجع إلى معنى الاقتصار. وذكر الكوفيون أنها تستعمل بمعنى النفي واحتجوا بقول الفرزدق:
أنا الضامن الراعي عليهم وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
[ ١ / ٥٥ ]
قالوا معناه: ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا أو مثلي.
والذي أراده ابن قتيبة من هذه المعاني الثلاثة ههنا، معنى التحقير والتقليل لأن احتقر ما جاءوا به ولم يره شيئًا. ألا تراه قد قال مع هذين كثير، فجعله كله هذيان. وهذا ظريف جدًا. لأنا لا نعلم خلافًا بين المتقدمين والمتأخرين من أصحاب الكلام، أن الجوهري يقوم بنفسه، والعرض لا يقوم بنفسه وكذلك رأس الخط النقط، والنقطة لا تنقسم، كلام صحيح لا مطعن فيه وهذا يدل على أنه كان غير بصير بهذه الصناعة، لأنه عابهم بما هو صحيح، وإن كان ينبغي أن يذكر مذاهبهم المخالفة للحق، المجانية للصدق، كما فعل المتكلمون من أهل ملتنا ﵏.
وقد روى أن الذي دعاه إلى الطعن عليهم في كتابه هذا، أنه كان متهمًا بالميل إلى مذاهبهم واعتقادهم. فأراد﵀- أن ينفي الظنة عن نفسه XXX والطعن عليهم.
والكلام في الجوهر على حقيقته وفي العرض فيه غموض. وأقرب ما يمثل به للمبتدئ بالنظر، أن يقال: الجوهر: هو الجسم، كالإنسان والفرس والحجر ونحو ذلك. وأعراضه: أحواله وصفاته المتعاقبة عليه كالألوان: من بياض وسواد وحمرة وصفرة، والحركات المختلفات من قيام وقعود واضطجاع وجميع ما عدا الجوهر، فاسم العرص واقع عليهم. وإنما مثلنا الجوهر بالجسم دون غيره مما يقع عليه اسم الجوهر، لأن الذين أثبتوا جواهر ليست بأجسام كالعقل والنفس والهيولي والصورة والأبعاد المتجرة من المادة. والنقطة
[ ١ / ٥٦ ]
والجزء الذي لا يتجزأ، ليس يمتنع أحد منهم أن يسمى الجسم جوهرًا، فصار الجسم هو الجوهر المتفق عليه، والأشخاص تسمى الجواهر الأول، وأنواعها وأجناسها: الجواهر الثواني. والعرض منه سريع الزوال، لا يوجد زمانين، ومنه ما هو بطئ الزوال عن حامله. ومنه ما لا يفارق حامله إلا بفساده.
وقد ذهب قوم من المتكلمين المتأخرين إلى أن الأعراض كلها لا يجوز أن تبقى زمانين. والنظر في الصحيح من هذين القولين لا يليق ذكره بهذا الموضع.
وقوله: (ورأس الخط النقطة، والنقطة لا تنقسم): النقطة عندهم: عبارة عن نهاية الخط ومنقطعة. ولا يصح أن تنقسم، لأن الانقسام إنما يكون فيما له بعده، والنقطة عارية من الأبعاد الثلاثة. ومنزلة النقطة في صناعة الهندسة منزلة (الوحدة) في صناعة العدد، فكما أن الوحدة ليست عددًا، إنما هي مبدأ للعدد وعلة لوجوده، كذلك النقطة، ليست بعدًا ولا عظمًا. إنما هي مبدأ للأبعاد والأعظام، وعلة لوجودها. وهذه النقطة يفرض بالوهم أنها أول مراتب وجود الأعظام، ثم لحقها بعد واحد، وهو الطول، فصارت خطأ. ثم لحق الحادث منها بعد آخر، وهو العرض، فصار سطحًا، ثم لحق ذلك بعد ثالث وهو العمق أو السمك، فصار جسمًا. فصارت النقطة بهذا الاعتبار مبدأ الخط. والخط مبدأ السطح، والسطح مبدأ الجسم. ثم يكون الانحلال بعكس ما كان عليه التركيب، لأن الجسم ينحل إلى السطح، وينحل السطح إلى الخط، وينحل الخط إلى النقطة.
ومن المتكلمين من يرى أن الجسم ينحل إلى أجزاء لا تتجزأ. ومنهم من
[ ١ / ٥٧ ]
يرى أن الجزء يتجزأ أبدًا فلا نهاية. ولهم في ذلك شغب يطول.
وقوله: (والكلام أربعة): أمر، واستخبار، وخبر، ورغبة):
لم يختلف أحد من المتقدمين والمتأخرين في أصول الكلام: أنها ثلاثة: اسم وفعل وحرف جاء لمعنى، ويسمى الفعل كلمة، ويسمى الحرف أداة ورابطًا فأما معاني الكلام الذي يتركب من هذه الأصول، فإن المتقدمين والمتأخرين، قد اختلفوا في أقسامها، كم هي؟ فزعم قوم أنها لا تكاد تنحصر، ولم يتعرضوا لحصرها، وهو رأي النحويين البصريين من أهل زماننا. وزعم قوم أن الكلام كله قسمان: خبر، وغير خبر. وهذا صحيح، ولكن يحتاج كل واحد من هذين القسمين إلى تقسيم آخر.
وزعم آخرون أنها عشرة: نداء، ومسألة، وأمر، وتشفع، وتعجب وقسم، وشرط، وشك، واستفهام.
وزعم آخرون أنها تسعة، وأسقطوا الاستفهام، لأنهم رأوه داخلًا في المسألة.
وزم قوم أنها ثمانية، وأسقطوا التشفع، لأنهم رأوا داخلًا في المسألة كدخول الاستفهام.
[ ١ / ٥٨ ]
وزعم قوم أنها سبعة وأسقطوا (الشك) لأنه من قسم الخبر.
وزعم آخرون أنها ستة، وأسقطوا الشرط، لأنهم رأوه من قسم الخبر.
وكان أبو الحسن الأخفش يرى أنها ستة، وهي عنده: الخبر، والاستخبار والأمر، والنهي، والنداء، والتمني.
وقال قوم هي خمسة: قول جازم، وهو خبر، وأمر، وتضرع، وطلب، ونداء.
وقال جماعة من النحويين: الكلام أربعة: خبر، واستخبار، وطلب، ونداء. فجعلوا الأمر والنهي داخلين تحت الطلب، والتمني داخلًا تحت الخبر.
وقال آخرون، وهم الذين حكى قولهم ابن قتيبة: أقسام الكلام أربعة: أمر، واستخبار، وخبر، ورغبة.
وقال قوم: هي ثلاثة: أمر، واستخبار، وخبر، وجعلوا الرغبة داخلة في الأمر. والكلام في تحقيق هذه الأقوال وتبين الصحيح منها، له موضع غير هذا.
[ ١ / ٥٩ ]
وقوله: (والآن: حد الزمانين: يعنون بالزمانين الماضي والمستقبل ويعنون بالآن، الزمان الحاضر. وسموه حد الزمانين، لأنه يفصل بين الماضي والمستقبل، وهو يستعمل في صناعة الكلام على ضربين: أحدهما على الحقيقة والآخر على المجاز. فالآن الذي يقال على الحقيقة، لا يمكن أن يقع فيه فعل ولا حركة على التمام، لأنه ينقضي أولًا فأول، وليس بثابت. إ نما هو شبيه بالماء السيال الذي يذهب جزءًا بعد جزء. فإن الزمان الذي ينطلق فيه بالجيم من جعفر، لا يلبث حتى يجئ الزمان الذي ينطق فيه بالعين. والزمان الذي ينطق فيه بالعين، لا يلبث حتى يجئ الزمان الذي ينطق فيه بالفاء. بل يذهب كل زمان منه ويعقبه الآخر، فلا يرد الثاني، إلا وقد صار الأول ماضيها. ولهذا جعلوه كالنقطة التي لا بعد لها.
وأنكر قوم وجوده، وقالوا: إ نما الوجود الماضي والمستقبل، وأما الزمان فلا وجود له. وهذا غلط أو مغالطة، لأنه قصر مدته، لا يخرجه عن أن يكون موجودًا، بل هو الموجود على الحقيقة، ولو لم يوجد (زمان حاضر) لما كان شيء موجودًا، لأن وجود الأشياء مرتبط بوجود الزمان. فلا يصح أن يوجد شيء من الأجرام في غير زمان. وإنما شرطنا الأجرام، لأن الأشياء
[ ١ / ٦٠ ]
المعقولة، التي لا تقع تحت الحواس، وليست بأجرام لا توصف بالوقوع تحت الزمان، وإنما توصف بأنها واقعة تحت الدهر، وأما البارئ تعالى فليس بواقع تحت دهر ولا تحت زمان. فهذا هو (الآن) على الحقيقة.
وأما (الآن) الذي يستعمل على المجاز، فهو الذي يستعمله الجمهور، وهو المستعمل في صناعة النحو. فإنهم يجعلون كل ما قرب من الآن الذي هو كالنقطة من الماضي والمستقبل آنًا. فلذلك يقولون: هو خارج الآن. وأنا أقوم الآن. لأن الآن الذي بهذه الصفة، هو الذي يمكن أن تقع فيه الأفعال والحركات على الكمال. فهذان المعنيان هما المراد بالآن عند المتقدمين.
فأما أهل صناعة النحو العربي، فلهم في اشتقاقه والسبب الموجب لبنائه على الفتح كلام طويل. فأما اشتقاقه ففيه قولان:
أحدهما أن يكون مشتقًا من آن الشيء يئين: إذا حان، فالألف فيه على هذا منقلبه عن واو، كالألف التي في باب ودار، لأن آن يثين، الذي بمعنى حان، من ذوات الواو عندنا. وقد قيل: إنه من ذوات الياء. وسنتكلم عليه إذا انتهينا إلى موضعه إن شاء الله تعالى.
والثاني: أن أصله (أوان). واختلفوا في تعليله، فقال بعضهم: حذفت الألف منه، وقلبت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
وقال بعضهم: بل قلبت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها. فاجتمعت ألفان ساكنتان، فحذفت الثانية منهما لالتقاء الساكنين. وكانت أولى بالحذف لأنها زائدة.
[ ١ / ٦١ ]
وأما العلة الموجبة لبنائه، فاختلفوا فيها أيضا. فقال سيبويه وأصحابه:
إنما بنى (الآن) وفيه الألف واللام، لأنه ضارع المبهم المشار إليه، وذلك أن سبيل الألف أن تدخلا لتعريف العهد، كقولك: جاءني الرجل أو لتعريف الجنس، كقولك: قد كثر الدرهم والدينار. فلست تقصد إلى درهم بعينه، ولا دينار بعينه، وإنما تريد الجنس كله. أو لتعريف الأسماء التي غلبت على شيء، فعرف بها، كالحارث والعباس والدبران والسماك فلو دخلت الألف واللام (الآن) على غير هذه السبيل- لأن الآن، إنما هو إشارة إلى الوقت الحاضر- خالف نظائره فبنى. وقال قوم: إنما بنى لأنه وقع من أهله معرفة بالألف واللام. وسبيل ما تدخل عليه الألف واللام. وسبيل ما تدخل عليه الألف واللام أن يكون نكرة، ثم يعرف بهما. فلما خرج عن نظائره بنى.
[ ١ / ٦٢ ]
وكان الفارسي يقول: إنه معرفة بلام مقدرة فيه غير اللام الظاهرة، وأنه بنى لتضمنه معنى اللام، كما بنى أمس.
وكان الفراء يزعم أنه في الأصل فعل ماض من قولك: آن الشيء يثين، أدخلت عليه الألف واللام، وترك على فتحه محكيًا، كما روى عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن قيل وقال. فأدخل حرف الجر على الفعلين الماضيين وحكاهما.
وقرأت في بعض ما يحكى عن الفارسي، ولم أقف على صحته، أنه قال: الصواب: (والآن حد الزمانين) بالرفع. واعتل لذلك بأن العلة التي أوجبت بناءه، إنما عرضت له وهو مشار به إلى الزمان الحاضر. فإذا قال: (والآن حد الزمانين) فليس يشير به إلى زمان، إنما يخبر عنه. فوجب أن يعرب، إذ قد فارق حاله التي استحق فيها البناء.
وهذا وإن كان كما قال، فليس يمتنع أن يترك مفتوحًا، كما كان على وجه الحكاية. كما تقول: (من): حرف خفض. وقام: فعل ماض، فتتركهما مبنيين على حالهما، وإن كانا قد فارقا باب الحروف والأفعال وخرجا إلى باب الأسماء.
وكذلك ذهب الأخفش في قوله تعالى ﴿لَقْد تَقطَّع بيْنكُمْ﴾ إلى أنه في موضع رفع بتقطع. ولكنه لما جرى منصوبًا في الكلام تركه على حاله
[ ١ / ٦٣ ]
وكذلك قوله: (ومِنَّا دُونَّ ذَلِك). وكذلك رواه أبو علي البغدادي عن أبي جعفر بن قتيبة عن أبيه، بفتح النون.
وقوله (والخبر ينقسم على تسعة آلاف، وكذا وكذا مئةٍ من الوجوه) هذا الفصل قد جمع خطأ من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه خفض مئة، وحكمها أن تنصب، لأن أسماء الإشارة لا تضاف، ولأن كذا وكذا، كناية عن الأعداد المعطوف بعضه على بعض، من إحدى وعشرين إلى تسعة وتسعين. والمميز بعد هذه الأعداد، حكمه أن ينصب.
والوجه الثاني: أن قوله: كذا وكذا مئة، أقل ما يمكن أن يقع عليه أحد وعشرون، فكأنه قال: على تسعة آلاف وإحدى وعشرين مئة، وإحدى وعشرون مئة: ألفان ومئة.
فكان ينبغي أن يقول: إن الخبر ينقسم إلى أحد عشر ألفًا ومائة. ولا يحتاج إلى تكلف هذا العي.
والوجه الثالث من الخطأ: أنه نسب إلى القوم ما لم يقولوه. فإنا لا نعلم أحدًا منهم قال: إن الخبر ينقسم على ما ذكره.
[ ١ / ٦٤ ]
والذي دعا ابن قتيبة إلى الغلط في خفض المئة فيما أحسب، أنه رأى النحويين قد قالوا: إذا قال الرجل: له عندي كذا وكذا درهمًا، بحرف العطف، فهي كناية عن الأعداد من أحد وعشرين إلى تسعة وتسعين. وإذا قال: له عندي كذا كذا درهمًا، بغير واو، فهي كناية عن الأعداد من أحد عشر إلى تسعة عشر. وهذا اتفاق من البصريين والكوفيين. وقال الكوفيون خاصة: إذا قال له عندي (كذا أثواب)، فهي كناية عن الأعداد المضافة إلى الجمع، من ثلاثة إلى عشرة، وإذا قال: له عندي كذا درهم، بالإفراد، فهي كناية عن الأعداد المضافة إلى المفرد من مئة إلى تسع مئة.
ولا يجيز البصريون إضافة (ذا) إلى ما بعده، لأن المبهم لا يضف. فرأى ابن قتيبة أن الكوفيين يجيزون الخفض، ولم يفرق بين ما أجازوا فيه الخفض وما لم يجيزوا، لأنه كان ضعيفًا في صناعة النحو. وفي كتابة هذا أشياء كثيرة تدل على ذلك.
ألا تراه قد قال في كتابة. هذا باب ما يهمز أوسطه من الأفعال ولا يهمز وأدخل في الباب: (رقأت في الدرجة) و(ناوأت الرجل) و(روأت في الأمر)، وهذه الأفعال كلها مهموزة اللام. وأدخل في الباب أيضًا: (تأممتك XXX)، وهذا مهموز الفاء. وليس في الباب شيء مهموز العين، إلا (ذأى العود يذأي).
وفي باب (فعل يقعل ويفعل)، بفتح العين في المستقبل وضمها: شم يشم ويشم. وشم الذي تفتح الشين من مضارعه، إنما هو (فعل) بكسر العين لا (فعل). وشم الذي يضم الشين في مضارعه فعل مفتوح العين. ولو كان
[ ١ / ٦٥ ]
شم يشم المفتوح الشين (فعل يفعل) على ما توهم لكان شاذًا. وكان يجب أن يدخله في الأفعال التي جاءت على (فعل) بفتح العين في الماضي والمستقبل. وليس فيها حرف حلقي ولا عينًا ولا لامًا، نحو أبي يأبى، وركن يركن ولم يفعل ذلك.
وقوله: (كانت وبالًا على لفظه وعيًا في المحافل):
الوبال: الثقل. والمحافل: المجالس والمواضع التي يجتمع فيها الناس، واحدها محفل بكسر الفاء.
والكن: كل ما ستر الإنسان من بيت ونحوه، وجمعه: أكنان.
وقوله: (فكان ابتداء تفكره آخر عمله، وآخر عمله بدء تفكره): كذا الرواية عنه، وهي عبارة فاسدة، لأنه لم يزد على أن عكس الكلام والثاني هو الأول بعينه. وإنما كان يجب أن يقول: فكان ابتداء تفكره آخر عمله، وآخر تفكره ابتداء عمله، ونحو هذا حتى يصبح الكلام.
ومرادهم بهذا الكلام أن كل محاول لأمر من الأمور، فإنما يقدم أولًا في فكره. الغاية التي يريدها، ثم يفحص عن الأسباب التي توصله إلى تلك الغاية وذلك الغرض، فيقدمها في العمل أولًا فأولًا على مراتبها، حتى يصل في ما سبق إليه أول فكره.
وقوله: (فصل الخطاب): أي بيانه. وأصل الفصل: الفرق بين الشيئين، حتى يمتاز كل واحد منهما من صاحبه. ويسمى كل قول فرق بين الحق والباطل: فصلًا. ومنه قيل للعضو الذي يمتاز من غيره: مفصل وفصل.
وقول الخطيب في خطبته، والكاتب في رسالته: (أما بعد)، يسمى
[ ١ / ٦٦ ]
فصل الخطاب، لأن من شأن الخطيب والكاتب أن يبدأ أولًا بحمد الله تعالى، والصلاة على رسوله، ثم يقول: (أما بعد)، ويبدأ باقتصاص ما قصد نحوه فيكون قوله: أما بعد فصلًا بين التحميد الذي صدر به، وبين الأمر الذي قصده وحاوله:
وقوله: (فالحمد لله الذي أعاذ الوزير أبا الحسن أيده الله من هذه الرذيلة) يعني عبيد الله بن يحيي بن خاقان، وكان وزير المتوكل، فعمل له ابن قتيبة هذا الكتاب، وتوسل به إليه، فأحسن عبيد الله صلته، واصطنعه وعنى به عند المتوكل، حتى صرفه في بعض أعماله. والرذيلة: ضد الفضيلة. وحباه: خصه والخيم: الطبع.
(والسنن): الطريق. ويقال: تنح عن سسن الطريق، بفتح السين والنون. وعن سنن الطريق، بضم السين وفتح النون وعن سنن الطريق بضم السين والنون، وعن سنة الطريق: يراد بذلك محجته. وقوله: معتلقة: محبة.
وقوله: (وأيديهم فيه إلى الله مظان القبول ممتدة): يريد بالمظان: الأوقات التي يظنون أن الدعاء فيها متقبل، وهي جمع مظنة. قال النابغة:
(فإن مظنة الجهل الشباب)
يريد الوقت الذي يظن فيه الجهل. ومظان: منصوبة على الظرف. والعامل فيه قوله: ممتدة. تقدير الكلام: وأيديهم فيه إلى الله ممتدة مظان القبول. وقوله: (يهجع): ينام. وقوله: (ويلبسه لباس الضمير) أي يظهر عليه حسن معتقده. أخذه من قوله ﷺ: «من أسر سريرة ألبسه الله رداءها».
[ ١ / ٦٧ ]
وقوله: (يصور): يميل ويصرف. يقال: صاره يصوره ويصيره: إذا أماله. وقرئ (فصرهن إليك) وصرهن، أي يجمع القلوب المختلفة على محبته.
وقوله: (ويسعده بلسان الصدق في الآخرين): يريد الثناء الحسن. قال الله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾: أي ذكرًا جميلًا. وحقيقته: أن اللسان هو الخبر. والكلام سمى لسانا، لأنه باللسان يكون، على مذهبهم في تسمية الشيء باسم غيره، إذا كان منه بسبب. والمراد بإضافته إلى الصدق، أن يجعل له ثناء حسنا، تصدقه أفعاله، حتى يكون المثنى عليه غير كاذب فيما ينسبه إليه، لأن الإنسان لا يكون فاضلًا إذا أثنى عليه بالكذب.
وقوله: (وأعفوا أنفسهم من كد النظر): أي أراحوها من ذلك. والعفو: ما جاء سهلا بلا كلفه ولا مشقة. والخزي: الفضيحة. يقال: خزي يخزى خزيا: إذا افتضح. وخزي يخزى خزاية: إذا استحيا.
وقوله: (من موقف رجل من الكتاب) قال ابن القوطية: هذا الرجل هو محمد بن الفضل. وهذا غلط، لأن محمد بن الفضل، إنما وزر للمتوكل وكان شاعرًا كاتبًا حلو الشمائل، عالمًا بالغناء، وولى الوزارة أيضًا في أيام المستعين. والخليفة المذكور هاهنا إنما هو المعتصم.
[ ١ / ٦٨ ]
وقال أبو علي البغدادي: هذا الكتاب هو أحمد بن عمار. وكذا قال الصولي. وقد قيل: هو الفضل بن مروان. والمشهور أنه أحمد بن عمار، وكان وزير المعتصم. وكان الفضل بن مروان هو الذي عنى به، حتى استوزره المعتصم.
وكان الفضل بن مروان وأحمد بن عمار، لا يحسنان شيئًا من الأدب. وكان عمار طحانًا من أهل المذار، ولذلك قال فيه بعض الشعراء:
لا يعمر الرحمن ملك امرئ يقيمه رأي ابن عمار
ما يفرق الطحان من جهله ما بين إيراد وإصدار
وقال رجل من الشعراء يقال له أبو شبل عاصم بن وهب البرجمي يهجوه ويهجو الفضل بن مروان، لاصطناعه إياه، وسعايته له حتى صار وزيرًا:
ماذا احتملناه للفضل بن مروان أباده الله من ظلم وعدوان
[ ١ / ٦٩ ]
حتى مضت ظلمًا أيام دولته لم يتضح بدجاها ضوء إنسان
أبقى دليلًا عليه في عماوته كما استدل على أصل بأغصان
مثلان في العي لم ينهضها أدب مستحوذان على جهل شبيهان
لولا الإمام أبو إسحاق إن له عناية بالقصي الدار والداني
لأصبح الناس فوضى لا نظام لهم ولم يدل على حق ببرهان
فيقال: إن المعتصم لما قرأ هذا الشعر ضحك، وعزل أحمد بن عمار.
ويروى أن المعتصم، وهو محمد بن هارون الرشيد، ويكنى أبا إسحاق كان قليل البضاعة من الأدب. ويزعمون أن أباه كان عنى بتأديبه في أول أمره، فمرت به جنازة لبعض الخدم فقال: ليتني كنت هذه الجنازة، لأتخلص من هم المكتب، فأخبر بذلك أبوه، فقال: والله لاعذبته بشيء يختار الموت من أجله، وأقسم ألا يقرأ طول حياته.
فلما صارت إليه الخلافة، واتخذ أحمد بن عمار وزيرًا، ورد عليه كتاب عامل الجبل. يذكر فيه خصب السنة، وكثرة الغلات، وأنهم مطروا مطرًا كثر عنه الكلأ. فقال لابن عمار: ما الكلأ؟ فتردد في الجواب، وتعثر لسانه، ثم قال: لا أدري. فقال المعتصم: (إن لله وإنا إليه راجعون)! أخليفة أمي، وكاتب أمي؟ ثم قال: أدخلوا على من يقرب منا من الكتاب
[ ١ / ٧٠ ]
فعرف مكانة محمد بن عبد الملك الزيات، من الأدب، وكان يتولى قهرمة الدار، ويشرف على المطبخ، ويقف في الدار وعليه دراعة سوداء، فأمر بإدخاله عليه، وقال له: ما الكلأ؟ فقال: النبات كله رطبه ويابسة، والرطب منه خاصة، يقال له: خلا. واليابس منه: يقال له حشبش، ثم اندفع يصف له النبات من حين ابتدائه إلى حين اكتهاله إلى حين هيجه، فاستحسن المعتصم ما رأى منه، وقال: ليتقلد هذا الفتى العرض على، فكان ذلك سبب ترقيه إلى الوزارة.
وكان لمحمد بن عبد الملك حظ. وافر من الأدب والنظم والنثر، وكان أبوه إذا رأى جده في القراءة، لأمه على ذلك، وقال له: ما الذي يجدى عليك الأدب؟ ولو تحرفت في بعض الصناعات، لكان أجدى عليك، إلى أن امتدح الحسن بن سهل، فأعطاه عشرة آلاف درهم، فقال له أبوه: والله لا ألومك أبدًا. ولما وصله الحسن قال
لم أمتدحك رجاء المال أطلبه لكن لتلبسني التحجيل والغررا
ما كان ذلك إلا أنني رجل لا أقرب الورد حتى أعرف الصدرا
[ ١ / ٧١ ]
وقوله: (ومن مقام آخر في مثل حاله): هذا الكاتب الثاني: هو شجاع بن القاسم، كاتب أوتامش التركي، وكان يتولى عرض الكتب على المستعين: أحمد بن محمد المعتصم، وكان جاهلًا لا يحسن القراءة، إلا أنه كان ذكيًا، تقرأ عليه عشرة كتب، فيحفظ معانيها، ويدخل إلى المستعين يسامره فيها، ولا يغلط في شيء منها.
وكان يصور له الحرف فيكتب مثاله فقرأ على المستعين كتابًا كلفه قراءته، وكان فيه: (حاضر طي)، وطي قبيلة من قبائل اليمن، وحاضرهم من حضر منهم، فصحفه وقال: (جاء ضرطي) والضرط: لغة في الظرط فضحك المستعين.
ويروى أنه دخل على المستعين وذيل قبائه قد تخرق، فقال له المستعين: ما هذا يا شجاع!! وكان يستظرف ما يأبى به. فقال: يا أمير المؤمنين، داس الكلب ذنبي فخرقته قباءه. يريد دست ذنب الكلب فخرق قبائى. ومدحه بعض الشعراء، فقال: في مدحه:
أبو حسن يزيد الملك حسنا ويصدق في المواعد والفعال
جبان عن مذلة ملية شجاع في العطية والسؤال
فقال له: وما يدريك- ويلك- أني جبان. فقال: إنما قلت- أعزك الله- إنك جبان عن البخل، لا جبان عن الأعداء. وهذا من أحسن المدح، واستشهد
[ ١ / ٧٢ ]
بملء حضر، فشهدوا له فقال، إنما تزينون ما أتى به، فأنا أعطيه لمكانكم ورعايتكم، لا لشعره، لأنه قد هجانى، وأمر له بصلة.
ومدحه بعض الشطار بشعر يقول فيه:
شجاع لجاع كاتب لاتب معًا كجلمود صخر حطه السيل من عل
خميص لميص مستمر مقدم كثير أثير ذو شمال مهذب
فطين لطين آمر لك زاجر حصيف لطيف حين يخبر يعلم
بليغ لبيغ كلما شئت قلته لديه وإن تسكت عن القول يسكت
أديب لبيب فيه عقل وحكمة عليم بشعري حين أنشد يشهد
كريم حليم قابض متباسط إذا جئته يومًا إلى البذل يسمح
وأعطي هذا الشعر لرجل طالبي، فلقي به شجاعًا وهو على قارعة الطريق، ووله الناس فاستوقفه وأنشده إياه، فضحك وشكره، ودخل إلى المستعين فرغب غليه في أمره، فأعطاه عشرة آلاف درهم صلة، وأجرى له ألف دينار راتبًا في الشهر.
وقوله: (ومن قول آخر في وصف برذون أهداه، وقد بعثت إليك
[ ١ / ٧٣ ]
أبيض الظهر والشفتين. فقيل له: لو قلت أرثم ألمظ). هذا الكاتب الثالث- لا أعلم من هو والأرثم من الخيل: الذي في شفته العليا بياض. والألمظ: الذي في شفته السفلى بياض. وإذا كان أبيض الظهر، قيل له: أرحل وأجلس. وقد ذكر ابن قتيبة في باب شيات الخيل الأرثم والألمظ. والأرحل، ولم يذكر الأحلس.
وقوله: (ولقد حضرت جماعة من وجوه الكتاب) إلى آخر الفصل:
الفئ: كل ما يعود إلى السلطان من جباية أو مغنم. والتحلب والحلب سواء، وهما ما ليس بوظيفة معلومة المقدار. ولكن إذا أراد السلطان شيئًا، كلف الرعية إحضاره. شبه بتحلب الناقة والشاة في كل وقت. والنخاس هاهنا: بائع الرقيق. وهو اسم يقع على بائع الحيوان خاصة. والشغا: تراكب الأسنان بعضها على بعض. يقال: امرأة شغواء، ورجل أشغى. وتسمى العقاب: شغواء، لزيادة منقارها الأعلى على منقارها الأسفل. والأسنان إذا كملت عدتها ولم ينقص منها شيء اثنتان وثلاثون سنا: أربع ثنايا، وأربع رباعيات وأربعة أنياب، وأربعة ضواحك، واثنتا عشرة رحى وأربعة نواجذ وهي أقصاها وآخرها نباتا. ومن الناس من لا يخرج له شيء من النواجذ فتكون
[ ١ / ٧٤ ]
أسنانه ثمانيًا وعشرين. ومنها من تخرج له اثنتان فتكون أسنانه ثلاثين فيزعمون أن من خرجت له النواجذ كلها، كان وافر اللحية عظيمها، ومن لم يخرج له شيء منها، كان كوسجا.
ومما ينجو نحو هذه القصة، ما روي من أن عتبة بن أبي سفيان، استعمل رجلًا من آله على الطائف، فظلم رجلًا من أزدشنوءة، فأبي الأزدي عتبة، فمثل بين يديه وقال:
أمرت من كان مظلومًا ليأتيكم فقد أتاكم غريب الدار مظلوم
ثم ذكر ظلامته بعنجهية وحفاء، فقال له عتبة: إني أراك أعرابيًا جافيًا، وما أحسبك تدري كم ركعة تصلي بين يوم وليلة، فقال: أرأيتك إن أنبأتك بذلك أتجعل لي عليك مسألة؟ فقال عتبة: نعم. فقال الأعرابي:
إن الصلاة أربعٌ وأربع،
ثم ثلاث بعدهن أربع
ثم صلاة الفجر لا تضيع
فقال عتبة: صدقت. فما مسألتك؟ قال: كم فقار ظهرك؟ فقال: لا أدري. قال: أفتحكم بين الناس وأنت تجهل هذا من نفسك؟ فقال عتبة: أخرجوه عني وردوا عليه غنيمته.
[ ١ / ٧٥ ]
قال ابن الأعرابي في نوادره: للإنسان سبع عشرة فقرة. وأقل فقر البعير ثماني عشرة فقرة، وأكثرها إحدى وعشرون.
وذكر جالينوس، أن جميع خرز الظهر من لدن منبت النخاع من الدماغ إلى عظم العجز أربع وعشرون خرزة، سبع منها في العنق، وسبع عشرة فيما عداها، منها اثنتا عشرة في الصلب وخمس في القطن، وهو القطن.
والأضلاع: أربع «وعشرون، اثنتا عشرة في كل جانب، وأن جملة العظام التي في جسم الإنسان: مائتان وثمانية وأربعون عظمًا، حاشا العظم الذي في القلب والعظام الصغار التي حشي بها خلل المفاصل، وتسمى السمسمية، شبهت بالسمسم، وهو الجلجلان، لصغرها.
وجميع الثقب التي في بدن الإنسان اثنتا عشرة، العينان، والأذنان، والمنخران، والفم، والثديان، والفرجان، والسرة، حاشا الثقب الصغار التي تسمى المسام، وهي التي يخرج منها العرق، وينبت منها الشعر. فإنها لا تكاد تنحصر.
وقوله: (فما رأيت أحدًا منهم يعرف فرق ما بين الوكع والكوع)
[ ١ / ٧٦ ]
إلى آخر الفصل. الوكع في الرجل: أن تميل إبهامها على الأصابع، حتى يرى أصلها خارجًا. والكوع في الكف: أن تعوج من قبل الكوع. والكوع: رأس الزند، الذي يلي الإبهام. والكرسوغ: رأس الزند الذي يلي الخنصر. والحنف: أن تقبل كل واحدة من إبهامي الرجل على الأخرى. وقيل الحنف: أن يمشي الرجل على ظهر قدمه، وهو قول ابن الأعرابي. والفدع في الكف زيغ بينها وبين عظم الساعد، وفي القدم: زيغ بينها وبين عظم الساق. واللمي مثلثة اللام: سمرة في الشفتين تخالطها حمرة، وذلك مما يمدح به. واللطع: بين الشفتين، وذلك مما يذم به.
وقوله: (وفي تقويم اللسان واليد): يريد بتقويم اللسان: استقامته في الكلام حتى لا تلحن، وبتقويم اليد: استقامتها في الكتابة، لأن فساد الهجاء لحن في الخط، كما أن فساد الإعراب لحن في القول.
وقوله: (إن فاءت به همته) كذلك الرواية: فاءت بالفاء. وكان أبو علي البغدادي يقول: الصواب (ناءت به همته) بالنون أي نهضت، من قولهم: ناء بالحمل ينوء: إذا نهض به متثاقلًا. قال الله ﷿: (ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة).
والذي أنكره أبو علي على غير منكر. ومعناه، إن رجعت به همته إلى النظر الذي أغفله، والفئ: الرجوع. فالهاء في (به) فيمن قال: (ناءت) بالنون، تعود على الكتاب كما تقول: ناء بالحمل: إذا استقل به وأطاقه. ويجوز أن تعود على مغفل التأديب أي إن نهضت به همته إلى النظر. ومن روى: (فاءت
[ ١ / ٧٧ ]
بالفاء، فالهاء في به تعود على مغفل التأديب. أي إن رجعت به همته إلى النظر بعد إعراضه عنه.
وقوله: (أو استظهر له بإعداد الآلة لزمان الإدالة أو لقضاء الوطر عند تبين فعل النظر): الوطر: الحاجة. والإدالة: مصدر أديل العامل من عمله إذا صرف عنه وعزل. يقول: يكون كتابي هذا معدًا مذخورًا لمغفل التأدب الذي شغله جاهه، وما أدرك من المنزلة عند الملوك، عن القراءة والنظر، فإذا عزل عن عمله قرأه، واستدرك ما كان ضيعه. وإن ظهر إليه فضل النظر وهو في جاهه وحرمته، قضى منه وطرة.
وقوله: (وألحقه مع كلال الحد ويبس الطينة با لمرهفين، وأدخله وهو الكودن في مضمار العتاق): هذه أمثال ضربها لقارئ كتابه. والمرهف: السيف الحديد. والكلال والكليل: الذي لا يقطع، فضرب ذلك مثلًا للبلادة والذكاء. وكذلك يبس الطينة: مثل مضروب لنبو الذهن عن قبول التعلم وأصل ذلك أن الطين إذا كان رطبا ثم طبع فيه قبل نقش الطابع، وإذا كان يابسًا لم يقبل النقش. والكودن: البغل. والمضمار: الموضع الذي تدرى فيه الخيل وذكر ابن قتيبة في باب المصادر من هذا، الكلال إنما يستعمل في الإعياء، وأن السيف إنا يقال فيه كل بكل يكل كلة. وخالف في كلامه هاهنا ما قاله هناك فاستعمل الكلال في السيف، وهو غير معروف.
وقوله: (فعرف الصدر والمصدر) إلى آخر الفصل الصدر: الفعل والمصدر: الحدث فكلاهما اسم الفعل. وسمى حدثا لأن الشخص
[ ١ / ٧٨ ]
الفاعل يحدثه، وسمى مصدرًا، لأن الفعل اشتق منه، فصدر عنه، كما يصدر الصادر عن المكان. وهذا أحد ما استدل به البصريون على أن المصدر أصل للفعل، ولو لم يكن أصلًا له، لم يسم مصدرًا.
فأما الكوفيون فزعموا أن الفعل هو الأصل للمصدر، وأن المصدر مشتق منه. وبين الفريقين في هذه المسألة شغب يطول ليس هذا موضع ذكره.
وكان أبو علي البغدادي يقول: أرد ابن قتيبة بالصدر: الأفعال المشتقة من المصدر، الصادرة عنه. وكان يرى أن الصدر: جمع صادر كما يقال: راكب وركب، وصاحب وصحب.
وأما الحال فهي هيئة الفاعل في حين إيقاعه للفعل، وهيئة المفعول في حين وقوع الفعل به. أما هيئة الفاعل فكقولك: جاء زيد راكبًا، فالركوب هيئته في وقت مجيئه. وأما هيئة المفعول، فكقولك: ضرب زيد جالسًا. فالجلوس هيئة زيد في حين وقوع الضرب به. ولها سبعة شروط:
الأول منها: أن تكون مشتقة، أو في حكم المشتق.
والثاني: أن تكون منتقلة، أو في حكم المنتقل.
والثالث: أن تكون نكرة أو في حكم النكرة.
والرابع: أن تكون بعد كلام تام، أو في حكم التام.
والخامس: أن تكون بعد اسم معرفة، أوفي حكم المعرفة.
[ ١ / ٧٩ ]
والسادس: أن تكون مقدرة بفي.
والسابع: أن تكون منصوبة.
ولها أقسام كثيرة. فمنها الحال المستصحبة كقولك هذا زيد قائمًا. ومنها الحال المحكية كقولك: رأيت زيدًا أمس ضاحكًا. ومنها الحال المقدرة، كقولك: سيخرج زيد مسافرًا غدًا. ومنها الحال السادة مسد الأخبار كقولك: ضربي زيدًا قائمًا. ومنها الحال المؤكدة كقوله تعالى: ﴿وهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ ومنها الحال الموطئة كقوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾.
فمن النحويين من يرى أن (لسانًا) هو الحال، وعربيًا هو التوطئة. ومعنى التوطئة، أن الاسم الجامد لما وصف بما يجوز أن يكون حالًا، صلح أن يقع حالًا. ومن النحويين من يرى أن عربيًا هو الحال، ولسانا هو التوطئة. ومعنى التوطئة عندهم، أن الحال لما كانت صفة معنوية، شبيهة بالصفة اللفظية، وكان حكم الصفة اللفظية، أن يكون لها موصوف تجرى عليه فعل، مثل ذلك بالصفة المعنوية في بعض المواضع، فقام لها موصوف أيضًا تجزى عليه. وقد يكون معنى التوطئة في الحال: أن يتأول في الاسم الجامد تأويل يخرجه إلى حكم الاسم المشتق، كقوله ﷺ وقد سئل: كيف بأتيك الوحي فقال: أحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا. فالتوطئة هنا على وجهين:
أحدهما: أن تجعل رجلًا في تأويل قوله: قريبًا أو محسوسًا، وهما اسمان جاريان على الفعل.
والثاني: أن تريد مثل رجل، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه وهذا معنى قولنا: إن سبيلها أن تكون مشتقة، أو في حكم المشتق.
[ ١ / ٨٠ ]
وأما الحال التي في حكم المنتقل، فنحو قوله تعالى ﴿وهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾، فالحق لا يفارقه التصديق. ولكن لما كان قد يذكر الحق ليصدق به حقًا آخر، وقد يذكره لنفسه، أشبهت الحال المنتقلة حين كان لها معنيان تنتقل من أحدهما إلى الآخر.
وأما الظروف فهي أسماء الأزمنة، وأسماء الأمكنة، إذا جعلت محلًا لأمور تقع فيها، كقولك: أعجبني الخروج اليوم. فاليوم محل للخروج الذي أسندت الحديث إليه. فإذا قلت: أعجبني اليوم. أو قلت: اليوم مبارك، لحق بالأسماء، ولم يسم ظرفًا، لأنك إنما تحدث عنه لا عن شيء وقع فيه. فمن خاصة الظرف ألا يكون محدثًا عنه، وأن يصلح فيه تقدير (في). فإذا فارقه هذا الشرط لم يكن ظرفًا. والكلام في هذه الأشياء يطول. وإنما نذكر من كل نوع منها نكتا ترغب القارئ في قراءة ذلك النوع، وطلبه في مواضعه من الكتب الموضوعة فيه.
وقوله: (وشيئًا من التصاريف والأبنية): هذا العلم من أجل علوم العربية لأنه [يهدى إلي] معرفة الأصلي من الزائد، والصحيح من المعتل، والتام من الناقص، والمظهر من المدغم. وأكثر المتعاطين العربية لا يحسنونه [وهو ينقسم ثلاثة أقسام: تصريف لفظ فقط، وتصريف معنى فقط، وتصريف لفظ ومعنى معًا. فأما تصريف اللفظ فنوعان:
أحدهما: تعاقب الحركات والحروف على اللفظ الواحد، كقولك، زيد وزيدًا. وأخوك وأخاك وأخيك.
والثاني: تغيير الصور مع اتفاق المعاني، كقولهم: رجل ضروب،
[ ١ / ٨١ ]
وضراب، ومضراب، وضرب، وضريب. فالألفاظ مختلفة، والمعنى الواحد.
وأما تصريف المعنى وحده، فهو اختلاف المعاني مع اتفاق الألفاظ، كالهلال يتصرف في كلام العرب على عشرين معنى. والقمر يتصرف على ستة معان، والكوكب على خمسة، والنجم على ستة، ونحو ذلك.
وأما تصريف اللفظ والمعنى، فهو أن يختلف اللفظ، ويختلف المعنى باختلافه، كقولك: ضارب لفاعل الضرب، ومضروب للذي وقع عليه الضرب.
ومضرب بفتح الراء: للمصدر، ومضرب بكسر الراء: للمكان الذي وقع فيه الضرب، أو للزمان. ومضراب للعود الذي يضرب به.
وانقلاب الياء عن الواو يكون في كل موضع تسكن فيه الواو وقبلها كسرة نحو ميزان، أصله: موزان، لأنه من الوزن، وانقلاب الواو عن الياء يكون في كل موضع تسكن فيه الياء وقبلها ضمة، نحو أيقن فهو موقن. وانقلاب الألف عن الواو وعن الياء، يكون في كل موضع تتحرك فيه الواو والياء، وقبلها فتحة، نحو: قال، أصله قال، وباع أصله: بيع وانقلاب الياء عن الألف في نحو سربال وسرابيل. وانقلاب الياء عن الواو في نحو عنقود وعناقيد.
وقوله: (ولابد له مع كتبنا هذه من النظر في (الأشكال لمساحة الأرضين) إلى آخر الفصل. المساحة: مصدر مسحت الأرض: إذا ذرعتها. والمثلث على الإطلاق: هو أول السطوح التي تحيط بها خطوط مستقيمة، وهي كثيرة غير متناهية الكثرة، فمبدؤها من الثلاثة وتترقى صاعدة، فيكون
[ ١ / ٨٢ ]
أولها: المثلث، وهو الذي تحيط به ثلاثة خطوط، ثم المربع: وهو الذي تحيط به أربعة خطوط، ثم المخمس ثم المسدس، ويتزايد هكذا أبدًا.
وإنما صار المثلث أولها، لأن خطين مستقيمين لا يحيطان بسطح، وما كان من هذه السطوح يحيط به أكثر من أربعة خطوط، فإنما يسمى الكثير الزوايا، ومبدؤها: المخمس.
وأنواع المثلث الذي تحيط به خطوط مستقيمة ثلاثة: مثلث قائم الزاوية ومثلث حاد الزاوية، ومثلث منفرج الزاوية.
ذكر ابن قتيبة منها الاثنين، ولم يذكر الثالث.
والمثلث القائم الزاوية نوعان: متساوي الساقين، وهو الذي له ضلعان من أضلاعه متساويتان، ومختلف الأضلاع، وهو الذي أضلاعه كلها مختلفة
والمثلث الحاد الزوايا: ثلاثة أنواع: المتساوي الأضلاع، والمتساوي الساقين، والمختلف الأضلاع.
والمثلث المنفرج الزاوية نوعان: متساوي الساقين، ومختلف الأضلاع.
وأما قوله: ومساقط الأحجار، فإن مسقط الحجر: هو الخط الذي يخرج من زاوية المثلث إلى الضلع المقابلة لها، وتسمى العمود أيضًا. ويقال للضلع التي يقع عليها مسقطة الحجر: القاعدة. وهذا هو أحد العمودين اللذين ذكرهما. والعمود الآخر كل خط قام على خط آخر قيامًا معتدلًا، فإن الخط الأسفل يقال له القاعدة، والقائم، يقال له: العمود. وتسمى الزاويتان اللتان في جنس العمود قائمتين، فإن مال العمود إلى إحدى الناحيتين، قبل للزاوية التي من ناحية الميل: حادة وللثانية: منفرجة.
وأما قوله: (والمربعات المختلفات) فإن أنواع المربعات على ما ذكره
[ ١ / ٨٣ ]
إقليدس خمسة: مربع قائم الزوايا، متساوي الأضلاع، وسماه المربع الصحيح. ومربع قائم الزوايا متساوي كل ضلعين متقابلتين، وسماه مربعًا مستطيلًا. ومربع متساوي الأضلاع، غير قائم الزوايا متساوي كل زاويتين متقابلتين، وسماه المعين ومربع متساوي كل ضلعين متقابلتين فقط، وكل زاويتين متقابلتين فقط، وسماه الشبيه بالمعين وما خرج عن هذه الحدود، سماه منحرفًا.
وذكر غير إقليدس، المربعات سبعة، ولكنا تركنا ذكرها اقتصارًا على ما قال إقليدس، إذ كان المقدم في هذه الصناعة.
وقوله: (والقسي والمدورات) فالقسي: جمع قوس والقوس نوع من أنواع الخطوط وذلك أن الخطوط ثلاثة أنواع: مستقيم، ومقوس ومنحن.
والخطوط المستقيمة كثيرة، ولها أسماء مختلفة كقولنا: عمود، وقاعدة وساق، وضلع، ووتر، وسهم، وقطر، ومسقط الحجر، ومحور، وجيب مستو، وجيب منكوس، ونحو ذلك.
والخطوط المقوسة أربعة أنواع: دائرة، ونصف دائرة، وأكثر من نصف دائرة. وأقل من نصف دائرة. وأما الخط المنحني فقلما يستعمل في هذه الصناعة، فلذلك لم نذكره.
وأما الدائرة: فإنها أول أنواع السطوح، التي تحيط بها خطوط قوسية، وذلك أن دائرة أن أنواع السطوح بها خطوط قوسية ثلاثة، فمنها ما يحيط به خط واحد مقوس. ومنها ما يحيط به خطان مقوسان، ومنها ما يحيط به أكثر من خطين مقوسين. فالذي تحيط به قوس واحدة: يسمى
[ ١ / ٨٤ ]
الدائرة. والذي يحيط به خطان مقوسان نوعان: أحدهما يسمى الشكل الهلالي، وهو أن تكون حدبة إحدى القوسين تلي أخمص القوس الأخرى. والآخر: يسمى الشكل البيضي، وهو أن يكون أخمصا القوسين متقابلين.
وأما السطوح التي بها أكثر من خطين مقوسين فإنها غير متناهية، وأولها المثلث.
وقوله: (وكانت العجم تقول: من لم يكن عالمًا بإجراء المياه وحفر فرض المشارب) إلى آخر الفصل، من طريف أمر هذا الرجل رحمه الله تعالى أنه نهى قارئ كتابه أولًا عن النظر في شيء من العلوم القديمة، وسماها هذيانا ثم جعل بعد ذلك يرغبه فيها، وكأنه كره أن يكون هو الآمر بذلك، فيتناقض قوله، فنسب ذلك إلى العجم.
والمشارب: جمع مسرب، وهو شاطئ النهر الذي يشرب منه الدواب، ويستقي منه الناس. والفرضة: المدخل إلى النهر.
وقال الخليل: الفرضة: مشرب الماء من النهر. والفرضة: مرفأ السفينة. والمهاوي: جمع مهوى ومهواة، وهو ما بين أعلى الجبل وأسفله وكل مكان عميق يهوى فيه، فإنه مهوى ومهواة.
وقوله: (ومجارى الأيام في الزيادة والنقصان). معرفة هذا الذي قال: لا تكون إلا بعد معرفة هيئة الفلك ونصبة العوالم، والعلة في ذلك على ما يذكرون تردد الشمس ما بين رأس الجدي، ورأس السرطان، مدبرة عنا تارة، ومقبلة إلينا تارة، وبترددها ما بين هذين الحدين، تعظم قسي النهار مرة، وتصغر مرة، فيكون ذلك سببًا لطول النهار وقصره. وذلك أن الشمس إذا
[ ١ / ٨٥ ]
صارت في رأس الجدي، كانت في أبعد بعدها عنا، وكانت حينئذ قوس النهار أصغر ما يكون، وقوس الليل أعظم ما يكون، فيكون ذلك اليوم أقصر الأيام عندنا. ثم تأخذ في الإقبال إلى الشق الشمالي فتدنو كل يوم منا، وتبدأ قوس النهار التي نمر عليها الشمس تعظم، وقوس الليل تصغر، فيزيد في طول النهار بقدر ما يزيد في قوسه، وينقص من الليل بقدر ما ينقص من قوسه.
فلا تزال كذلك إلى أن تنتهي إلى رأس الحمل، فتتوسط المسافة التي بين رأس الجدي ورأس السرطان، وتتساوى قوس النهار وقوس الليل في العظم، فيكون ذلك سببًا لتساوى الليل والنهار.
ثم تجوز رأس الحمل مقبلة نحونا، والنهار أخذ في الزيادة لزيادة عظم قوسه، والليل آخذ في النقصان، لزيادة صغر قوسه، إلى أن تنتهي إلى رأس السرطان، فتنتهي قوس النهار إلى غايتها في العظم، فيكون ذلك اليوم أطول يوم عندنا. وتتناهى قوس الليل في الصغر، فتكون تلك الليلة أقصر ليلة عندنا.
ثم تبدأ بالرجوع نحو الشق الجنوبي مدبرة، فتبدأ قوس النهار تصغر، وقوس الليل تعظم، فينقص من النهار بقدر ما ينقص من قوسه، ويزيد في الليل بقدر ما يزيد في قوسه.
فإذا انتهت إلى رأس الميزان، وصارت متوسطة من المسافة التي بين
[ ١ / ٨٦ ]
رأس السرطان ورأس الجدي. استوي الليل والنهار مرة ثانية. كاستوائهما عند مرورها على رأس الحمل لتساوي القوسين. فإذا جازت رأس الميزان موغلة في الجنوب اشتد بعدها عنا واشتد صغر قوس النهار، فاشتد قصره. واشتد عظم قوس الليل، فاشتد طوله حتى ينتهي إلى رأس الجدي. وذلك دأبهما أبدًا. ﴿ذَلِكَ تَقْدِيُر العَزيز العَلِيْم﴾. ولها ما بين رأس الجدي ورأس السرطان مائة وثمانون مشرقًا. ومائة وثمانون مغربًا، تطلع من كل مشرق منها مرتين، مرة في إقبالها إلينا، ومرة في إدبارها عنا، وتغرب في كل مغرب منها مرتين على نحو ذلك.
وقوله: (والدوالي والنواعير). الدوالي: جمع دالية، وهي التي يقال لها الخطارة. سميت بذلك لأنها يدلى بها الماء. يقال: أدليت الدلو: إذا أدخلتها في البئر لتملأها، ودلوتها: إذا أخرجتها. قال مسكين الدرامي:
بأيديهم مغارف من حديد أشها مقيرة الدوالي
وقوله: (ولابد له من النظر في جمل الفقه) إلى آخر الفصل. فالخراج والخرج سواء، وقرئ بهما جميعًا. وهو قوله: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾. وقرئ أم تسألهم خراجا فخراج ربك خير. ومعنى قوله: الخراج بالضمان: أن من اشترى شيئًا فاستغله مدة، ثم وجد به عيبًا يجب
[ ١ / ٨٧ ]
له به رده على صاحبه، فإنه يرده، ولا يرد ما استغله منه، لأنه كان ضامنًا له لو تلف عنده، قبل ظهور العيب به.
وقوله: (وجرح العجماء جبار) العجماء: البهيمة، سميت عجماء لامتناعها من الكلام، والجبار: الهدر الذي لا دية فيه. ومعناه: أن كل حدث أحدثته الدابة، هدر، لا دية فيه، إذا لم يكن معها قائد ولا راكب، ولا سائق فإن كان معها واحد من هؤلاء، كان مأخوذًا بما أحدثته، إلا فيما لا يمكنه منعها منه، كالركض بالرجل. وقد جاء في الحديث: الرجل جبار.
وقوله: (ولا يغلق الرهن) يقال: غلق الرهن، وذلك على وجهين: أحدهما: أن يضيع عند المرتهن أو يمسكه عن صاحبه، ولا يصرفه عليه. وهذا المعنى هو المراد بالحديث. وذلك أن الرجل في الجاهلية، كان يبيع السلعة من الرجل فيرغب إليه المبتاع أن يؤخره بالثمن إلى أجل معلوم، فيأبى البائع من تأخيره إلا برهن يضعه عنده. فإذا رأي الرهن يساوي أكثر مما له عنده، أمسكه بما له قبله، ولم يصرفه عليه، فهذا أحد المعنيين. والآخر أن الرجل كان يرهن الرهن ثم لا يريد أن يفكه إذا رأى أن رهنه لا يساوي القيمة التي عليه. وهو عكس القول الأول. وكلاهما قد فسر به الحديث، وإن كان التفسير الأول أظهر
[ ١ / ٨٨ ]
التفسيرين. ومن هذا المعنى الثاني ما روى في تفسير قولهم: أهون من قعيس على عمته. قالوا: أصله أن (قعيستا) رهنته عمته في جزرة بقل اشترتها، لم ثم لم تفكه وقال: غلق الرهن.
وقوله: (والمنحة مردودة) المنحة، والمنيحة: الشاة أو الناقة يعيرها الرجل صاحبه، لينتفع بلبنها مدة ثم يردها. فأراد أن إعطاءه إياها ليس يخرجها عن ملك صاحبها، إلا أن يعطيها إياه على وجه الهبة، فليس له أن يرجع فيما وهب، لقوله ﷺ: «الراجع في هبته كالراجع في قيئه»
وقوله: (والعارية مؤداة): يريد أن إعارته إياها لا يخرجها عن ملكه، كما لم يخرج المنحة عن ملكه منحه إياها. والعارية أعم من المنحة، لأنها لا تقع على كل ما أعطاه الإنسان إعطاء ينوي استرجاعه، إذا قضي المستعير منه حاجته، فكل منحة عارية، وليست كل عارية منحة. واشتقاق العارية من التعاور وهو تداول الرجلين الشيء يفعله هذا حينًا، ويفعله هذا حينًا، ويقال: عاورته الشيء، معاورة وعوارًا، كما تقول: داولته الشيء مداولة ودوالا، قال ذو الرمة:
وسقط كعين الديك عاورت صاحبي أباها وهيأنا لموقعها وكرا
ووزن عارية على هذا (فعليه)، وأصلها عورية، انقلبت واوها ألفًا، لتحركها وانفتاح ما قبلها.
[ ١ / ٨٩ ]
وزعم بعض العلماء أنها منسوبة إلى العار، لأن استعارتها عار على مستعيرها وهذا خطأ من وجهين: أحدهما: أن النبي ﷺ، قد استعار أدراعا من صفوان بن أمية، ولو كان ذلك عارًا ما فعله. والثاني. أن العار عينه ياء، ويدل على ذلك قولهم عيرته، كذا قال النابغة:
وعيرتني بنو ذبيان خشيته وهل على بأن أخشاك من عار
وعين العارية واو. فلا يجوز أن يكون أحدهما مشتقًا من الآخر. والدليل على أن العين من عارية واو، قولهم: تعاورنا العواري بيننا. وما أنشدنا من بيت ذي الرمة المتقدم.
وقوله: (والزعيم غارم). الزعيم: الضامن. يقال: زعمت بالشيء أزعم زعامة. كقولك: كفلت به أكفل كفالة، قال أمية بن أبي الصلت:
وإني زعيم لكم أنه سينجز كم ربكم ما زعم
وقوله: (ولا وصية لوارث) معناه، أن الرجل إذا مات وأوصى بثلث ماله للمساكين، فليس لمن يرثه من مساكين أهله حظ في ذلك الثلث، وإنما هو لمن لاحظ له في ميراثه.
وقوله: (ولا قطع في ثمر ولا كثر)، الكثر: الجمار، واحده كثرة، ومعناه: أن السارق إذا سرق ثمرًا من شجرة، أو كثرًا من
[ ١ / ٩٠ ]
نخلة، ولم يكن تحت ثقاف وحرز، لم يلزمه قطع يده. ولكن يؤدب بما يراه الإمام. فإذا كان ذلك تحت حرز وثقاف، وسرق منه قدر ربع دينار. لزمه قطع يده.
وقوله (ولا قود إلا بحديدة) القود: القصاص. ومعناه أن القاتل إذا قتل رجلًا بأي أنواع القتل كان، فإنما يقتص منه بالسيف. ومن الفقهاء من يرى أن يفعل به مثل ما فعل.
وقوله (والمرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية) أي تساويه في العقل. فإذا بلغ العقل ثلث الدية، أخذت نصف ما يأخذه الرجل. والدية مائة بعير، أو قيمتها من الذهب أو الدراهم. فإن قطع لها إصبع وللرجل إصبع، أخذ كل واحد منهما عشرًا من الإبل، فإن قطع للمرأة إصبعان وللرجل إصبعان، أخذ كل منهما عشرين من الإبل، وكذلك يأخذ كل واحد منهما في ثلاث أصابع ثلاثين. فإن قطع كل واحد منهما أربع أصابع، أخذ الرجل أربعين من الإبل وأخذت المرأة عشرين، لأن الدية قد تجاوزت الثلث.
وقوله (ولا تعقل العاقلة عمدًا ولا عبدًا ولا صلحًا ولا اعترافًا) العاقلة: أهل الزوجة وقرابته الذين يغرمون عنه الدية، أي إنما يعقلون عنه، إذا قتل خطأ، فأما إذا قتل عمدًا، فإن الدية، عليه في صميم ماله، إن رضى بذلك ولي المقتول. ومعنى العبد: أن يقتل الرجل عبدًا لغيره، فتلزمه قيمته في صميم ماله. والصلح: أن يصالح أولياء المقتول على شيء يعطيهم
[ ١ / ٩١ ]
إياه. والاعتراف: أن يقر على نفسه بأنه قتل بأنه قتل خطأ، فتلزمه الدية في ماله أيضًا.
وقوله: (ولا طلاق في إغلاق): الإغلاق: الإكراه. واشتقاقه من أغلقت الباب إغلاقًا، كأن المكره سدت عليه الأبواب والسبل، فلم يجد بدًا من الطلاق.
وزعم بعض الناس أن الإغلاق الغضب. والإغلاق وإن كان يوجد في اللغة بمعنى الغضب، فليس المراد هنا بالحديث. ولو كان هذا صحيحًا لم يلزم أحدًا طلاق، لأن كل مطلق لا يطلق إلا وهو غضبان على، عرسه غير راض.
وقوله: (والبيعان بالخيار ما لم يتفرقا) يعني بالبيعين: البائع والمشتري، لأن البيع في كلام العرب من الأضداد. واختلف الفقهاء في صفة الافتراق، فمنهم من يرى أنه تباعد الأشخاص وتباينها. ومنهم من يرى أنه الافتراق بالعقد، وانقطاع الكلام، وإن لم يفترق الأشخاص.
وقوله: (والجار أحق بصقبه) يريد بذلك الشفعة. وبهذا الحديث أوجب العراقيون الشفعة للجار. وأما الحجازيون من الفقهاء، فإنهم لا يرون الشفعة إلا للشريك. والصقب على وجهين: يكون القرب، ويكون الشيء القريب بعينه.
وقوله: (والطلاق بالرجال، والعدة بالنساء). هذا مذهب عثمان بن عفان﵁- ومعناه: أن الحرة إذا كانت تحت مملوك بانت عنه
[ ١ / ٩٢ ]
بطلقتين، واعتدت ثلاثة قروء، وهي الأطهار على مذهب الحجازيين، والحيض على مذهب العراقيين. وإذا كانت مملوكة تحت حر بانت عنه بثلاث طلقات، واعتدت قرءين، فينظر في الطلاق إلى الرجل، وفي العدة إلى المرأة.
وأما علي بن أبي طالب ﵁ فقال: الطلاق بالنساء والعدة بالنساء، لا ينظر إلى الرجل في شيء من الطلاق. فإن كانت حرة تحت مملوك، بانت عنه بثلاث طلقات، واعتدت ثلاثة قروء. وإن كانت مملوكة تحت حر، بانت عنه بطلقتين، واعتدت قرءين.
فأما الفقهاء الحجازيون فأخذوا بمذهب عثمان، فجرت عليه أحكامهم. وأما الفقهاء العراقيون فأخذوا بمذهب علي، فجرت عليه أحكامهم.
وفي هذا قول ثالث، قاله عبد الله بن عمر ﵁، لم يجر به حكم، وهو أنه قال: يقع الطلاق بمن رق منهما.
وقوله: (وكنهيه في البيوع عن المخابرة) والمخابرة: المزارعة على جزء مما يخرج من الأرض، كالثلث والربع ونحوهما. وفي اشتقاقها قولان: أحدهما أنها مشتقة من الخبرة وهو النصيب، والخبرة أيضًا أن يشتري قوم شاة فيقتسموها .. قال عروة بن الورد:
إذا ما جعلت الشاة للقوم خبرة فشأنك أني ذاهب لشئوني
والثاني: قول ابن الأعرابي، كان يزعم أنها مشتقة من خيبر، لأن النبي ﷺ، أقرها بأيدي أصحابها حين افتتحها، على أن يأخذ منهم
[ ١ / ٩٣ ]
نصف غلاتها. ثم تنازعوا، فنهى عن ذلك. ويقال للأكار: خبير. ويقال للمخابرة: خبر أيضًا، بكسر الخاء.
(والمحاقلة): فيها ثلاثة أقوال: قال قوم: هي بيع الزرع في سنبله بالحنطة ونحوها. وقيل: هي كراء الأرض ببعض ما يخرج منها من الطعام. وقيل: هي مثل المخابرة. وهذا القول أشبه بها من طريق اللغة، لأنها مأخوذة من الحقل وهو القراح. ويقال له: المحقل أيضًا. وقال الراجز.
يخطر بالمنجل وسط الحقل يوم الحصاد خطران الفحل
(والمزابنة): بيع التمر في رؤوس النخل بالتمر كيلًا، وبيع العنب بالزبيب كيلًا، واشتقاقها من الزبن، وهو الدفع: يقال: زبنت الناقة الحالب إذا ضربته برجلها عند الحلب. وتزابن الرجلان: إذا تخاصما. ومنه قيل: حرب زبون، لأن الناس يفرون عنها، فكأنها تزبنهم. ويجوز أن يكون قيل لها زبون، لأن كل واحد من الفريقين يزبن صاحبه، فنسب الزبن إليها. والمراد: أهلها الذين يتزابنون، كما قال تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾. وإنما الكذب والخطأ لصاحبها.
قال أبو الغول الطهوي:
فوارس لا يملون المنايا إذا دارت رحى الحرب الزبون
[ ١ / ٩٤ ]
فسميت هذه المبايعة مزابنة، لأن المشتري إذا بان له أنه مغبون، أراد فسخ البيع، وأراد البائع إمضاءه، فتزابنا، أي تدافعًا وتخاصما.
وكان مالك ﵁ يجعل المزاينة في كل شيء، من الجزاف الذي لا يعلم كيله، ولا وزنه، ولا عدده، بيع شيء [غير] مسمى الكيل والوزن والعدد.
(والمعاومة) فيها قولان: قال قوم: هي بيع عصير الكرم لعامين، وكذلك حمل النخل ونحوه من الشجر. وهذا دخل في بيع الغرر، لأنه لا يجوز بيع شيء منها حتى يبدو صلاحه. وقال قوم: هي مبايعة كانت في الجاهلية يبيع الرجل من صاحبه السلعة مؤجلًا عنه ثمنها إلى انقضاء عام، فإذا انقضى العام واقتضاه الثمن، قال: ليس عندي مال، ولكن أضعف على العدد، وأجلني به إلى انقضاء عام آخر.
(والثنيا): بيع الغرر المجهول الكيل والوزن. والاستثناء منه، وذلك غير جائز، لأن المستثنى منه ربما أتى على جميعه. فمن الفقهاء من لا يجيزه لا فيما قل، ولا فيما كثر. ومنهم من يجيزه إن كان المستثنى الثلث فما دونه، ولا يجيزه إن كان أكثر منه.
[ ١ / ٩٥ ]
(وبيع ما لا يقبض): أن يبيع الرجل الشيء قبل أن يقبضه، وإن باعه بأكثر من الثمن الذي اشتراه، فهو ربح ما لم يضمن.
(والبيع والسلف): أن يقول الرجل لصاحبه: أبيعك هذه السلعة بكذا وكذا درهمًا، على أن تسلفني كذا وكذا، لأنه لا يؤمن أن يكون باعه السلعة بأقل من ثمنها، من أجل القرض.
وقوله: (شرطان في بيع): أن يقول الرجل لصاحبه أبيعك هذه السلعة إلى شهر بدينار، وإلى شهرين بثلاثة دنانير وهو شبيه بيعتين في بيعة. وهذا غير جائز. فأما بيع وشرط.، ففيه خلاف. قال عبد الوارث بن سعيد: وردت مكة حاجًا فألفيت فيها أبا حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة، فقلت لأبي حنيفة: ما تقول في رجل باع بيعًا وشرط شرطًا، فقال: البيع باطل، والشرط باطل. فأتيت ابن أبي ليلى فسألته عن ذلك، فقال: البيع جائز، والشرط باطل. فأتيت ابن شبرمة،
[ ١ / ٩٦ ]
فسألته عن ذلك، فقال: البيع جائز والشرط جائز. فقلت: يا سبحان الله ثلاثة من فقهاء العراق لا يتفقون على مسألة. قال: فأتيت أبا حنيفة، فأخبرته بما قال صاحباه، فقال: ما أدري ما قالا لك، حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع وشرط، فالبيع باطل، والشرط باطل. قال: فأتيت ابن أبي ليلى، فأخبرته بما قال صاحباه، فقال: ما أدري ما قالا لك، حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: أمرني رسول الله ﷺ أن أشترى بريرة فأعتقها. البيع جائز، والشرط باطل. قال: فأتيت ابن شبرمة فأخبرته بما قال صاحباه، فقال: ما أدري ما قالا لك. حدثني مسعر بن كدام عن محارب بن دثار، عن جابر قال: (بعث النبي ﷺ بعيرا، وشرط لي حملانه) إلى المدينة، فالبيع جائز، والشرط جائز ويروي ناقة.
(وبيع الغرر): يقع في أشياء كثيرة، كبيع الجنين في بطن أمه، وبيع العبد في حين إباقة، وبيع عصير الكرم قبل أن يبدو صلاحه. وكذلك كل شيء لا يكون المبتاع منه على ثقة.
(وبيع المواصفة): أن تبيع الشيء بالصفة من غير نظر إليه.
(وبيع الكالئ بالكالئ): بيع الدين بالدين، كالرجل يسلم إلى رجل في طعام. فإذا حان وقت تقاضي الطعام، قال له المسلم
[ ١ / ٩٧ ]
إليه: ليس عندي طعام أعطيكه. ولكن بعه مني. فإذا باعه منه قال: ليس عندي مال، ولكن أجلني بالثمن شهرًا. وكان الأصمعي لا يهمز الكالئ ويحتج بقول الشاعر:
وإذا تبا شرك الهمو م فإنها كال وناجز
وأما أبو عبيدة معمر بن المثني، فإنه كان يهمزه، ويحتج يقول الراجز:
وعينه كالكالئ المضمار
والذي قاله أبو عبيدة هو الصحيح. والدليل على ذلك قولهم: تكلأت كلأة: إذا أخذت نسيئة. وكلأ الشيء: إذا بلغ منتهاه وغايته. قال الشاعر:
تعففت عنها في العصور التي خلت فكيف التصابي بعدما كلأ العمر
وأما البيت الذي أنشده الأصمعي فلا حجة فيه، لأنه جاء على تخفيف الهمزة كما قال الآخر.
وكنت أذل من وتد بقاع يشجج رأسه بالقهر واج
أراد: واجئ.
وقوله: (وعن تلقى الركبان): كانوا يخرجون إلى الركبان قبل
[ ١ / ٩٨ ]
قبل وصولها إلى المصر، فيبتاعون السلع بأقل من أثمانها، ويخدعون الأعراب. ثم يأتون بتلك السلع إلى المصر فيبيعونها ويلغون في أثمانها: ولو ورد الأعراب بها لاشتريت منهم بأقل من ذلك، فنهوا عن ذلك. وقال رسول الله ﷺ: «دعوا عباد الله يصيب بعضهم من بعض».
وقوله: (ليدخلها في تضاعيف سطوره): يريد بين سطوره، وفي أثنائها. وعيون الحديث: خياره. وعين كل شيء: أفضله.
قال الشاعر:
قالوا خذ العين من كل فقلت لهم في العين فضل ولكن ناظر العين
حرفان في ألف طومار مسودة وربما لم تجد في الألف حرفين
وقوله: (ويصل بها كلامه إذا حاور) المحاورة: مراجعة الكلام. يقال: حاورته محاورة وحوار، قال عنترة:
لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ولكان لو يدري الكلام مكلمي
وقال النابغة:
بتكلم لو تستطيع حواره لدنت له أروى الهضاب الصخد
[ ١ / ٩٩ ]
وقوله: (ومدار الأمر على القطب وهو العقل): أصل القطب ما تدور عليه الرحى، وما تدور عليه البكرة. وفيه أربع لغات: قطب على وزن خرج، وقطب على وزن فلس، وقطب على وزن عدل، وقطب على وزن عنق. وجعل عقل الإنسان قطبا له، لأن مدار أموره عليه، كما أن مدار الرحى على قطبها.
وقوله: (وجودة القريحة): أصل القريحة: أول ما يخرج من ماء البئر عند حفرها. وقريح السحابة: ماؤها حين ينزل. والاقتراح: ابتداع الشيء، فكأن معنى قريحة الإنسان ذهنه، وما يستخرجه به مع المعاني.
وقوله: (ونحن نستحب لمن قبل غنا وأتم بكتبنا): يريد: أن المتأدب أحوج إلى تأديب أخلاقه، منه إلى تأديب لسانه. وذلك أنك تجد من العامة الذين لم ينظروا في شيء من الأدب، من هو حسن اللقاء، جميل المعاملة، حلو الشمائل، مكرم لجليسه. وتجد في ذوي الأدب، من أفنى دهره في القراءة والنظر، وهو مع ذلك قبيح اللقاء، سيئ المعاملة، جافى الشمائل، غليظ الطبع. ولذلك قيل: الأدب نوعان: أدب خبرة، وأدب عشرة. وقال الشاعر:
يا سائلي عن أدب الخبرة أحسن منه أدب العشرة
كم من فتى تكثر آدابه أخلاقه من علمه صفره
والخطل من القول: الكثير في فساد. يقال: رجل أخطل: إذا كان بذئ اللسان. وبه سمى الأخطل في بعض الأقوال، وذلك أن كعب بن جعيل، كان شاعر تغلب في زمانه، وكان لا ينزل بقوم منهم إلا أكرموه، فنزل برهط الأخطل، فجمعوا له غنمًا وحظروا عليها في حظيرة، فجاء
[ ١ / ١٠٠ ]
الأخطل- وإسمه: غويث بن غياث- وهو يومئذ صبي، فأخرج الغنم من الحظيرة، فخرج كعب إليه فشتمه، ودعا قومًا، فأعانوه على ردها إلى الحظيرة. فارتقب الأخطل غفلته، فأخرجها من الزريبة، فقال كعب: يا بني مالك، كفوا عني غلامكم. فقال الأخطل: إن هجوتنا هجوناك. فقال: ومن يهجوني؟ قال: أنا فقال كعب: ويل لذاك الوجه غب الحمة. أراد غبا الحمة فحذف التنوين لالتقاء الساكنين والحمة: السواد: فقال الأخطل فقال كعب بن جعيل،: إن غلامكم هذا لأخطل، ولج بينهما الهجاء، فقال الأخطل:
وسميت كعبًا بشر العظام وكان أبوك يسمى الجعل
وأنت مكانك من وائل مكان القراد من است الجمل
ففزع كعب وقال: والله لقد هجوت نفسي بالبيت الأول من هذين البيتين وعلمت أني سأهجى به.
وقد قيل: إنه سمى الأخطل، لأن ابني جعيل وأمهما تحاكموا إليه، فقال:
لعمرك إنني وابني جعيل وأمهما لإستار لئيم
فقالوا له: إنك الأخطل. والإستار: أربعة من العدد ورفث المزح ما كان فيه ذكر النكاح والإسوة والأسوة بكسر الهمزة وضمها: القدوة .. والدعابة: الفكاهة. والمزاح: [مصدر، مازح]، ويقال: مزح ومزاح، ومزاحة وممازحة، بمعنى واحد.
[ ١ / ١٠١ ]
ويقال: توفى الرجل: إذا مات وتوفى: إذا نام. لأن حال النوم حال تضارع الموت، كما أن حال اليقظة، تضارع حال الحياة. ولذلك قال الشاعر:
نموت ونحيا كل يوم وليلة ولابد يومًا أن تموت ولا نحيا
وقال المعري:
وبين الردى والنوم قربى ونسبة وشتان برء للنفوس وإعلال
والرجل الذي سئل عنه ابن سيرين، اسمه هشام بن حسان، غاب عن مجلس ابن سيرين فقال له رجل:- أحسبه غالبًا التمار-، فلماذا أرى هشامًا قد غاب اليوم عن مجلسنا؟ فقال ابن سيرين أما علمت أنه توفى البارحة؟
اقتضى ذكر الشيء الملفف في البجاد وذكر السخينة في هذه الممازحة، أن معاوية كان قرشيًا، وكانت قريش تعير بأكل السخينة، وكان السبب في ذلك أن النبي ﷺ، لما بعث فيهم، وكفروا به، دعا الله تعالى عليهم، وقال: «اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف» فأجدبوا سبع سنين، فكانوا يأكلون الوبر بالدم، ويسمونه العلهز. وكان أكثر قريش إذ ذاك يأكلون السخينة، فكانت قريش تلقب (سخينة). ولذلك يقول حسان بن ثابت:
زعمت سخينة أن ستغلب ربها وليغلبن مغالب الغلاب
[ ١ / ١٠٢ ]
وذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى، أن قريشًا كانت تلقب سخينة، لأكلهم السخن، وأنه لقب لزمهم قبل مبعث النبي ﷺ. ويدل على صحة ما ذكره قول خداش بن زهير، ولم يدرك الإسلام:
ياشدة ما شددنا يوم ذاك على ذوى سخينة لولا الليل والحرم
وأما الأحنف بن قيس فإنه كان تميمًا. وكانت تميم تعير بحب الطعام وشدة الشرة إليه. وكان السبب الذي جر دلك، أن أسعد بن المنذر أخا عمرو ابن هند، كان مسترضعًا في بني دارم في حجر حاجب بن زرارة بن عدس. وقيل في حجر زرارة، فخرج يومًا يتصيد، فلم يصب شيئًا، فمر بإبل سويد بن ربيعة الدرامي، فنحر منها بكره فقتله سويد. فقال عمرو بن ملقط الطائي يحرض عمرو بن هند:
من مبلغ عمرا بأن المرء لم يخلق صباره
ونوائب الأيام لا تبقى عليهم الحجارة
ها إن عجزة أمه بالسفح أسفل من أواره
تسفى الرياح خلال كش حية وقد سلبوا إزاره
فاقتل زرارة لا أرى في القوم أوفى من زراره
[ ١ / ١٠٣ ]
فغزاهم عمرو بن هند يوم القصيبة، ويوم أواراة ثم أقسم ليحرقن منهم مائة رجل، فبذلك سمى محرقًا. فأخذ لهم منه تسعة وتسعون رجلًا، فقذفهم في النار. وأراد أن يبر قسمه بعجوز منهم، ليكمل العدة التي أقسم عليها. فلما أمر بها قالت: ألا من فتى يفدى هذه العجوز بنفسه!! ثم قالت: (هيهات صارت الفتيان حمما)!، وأدركه النهم والشره، فأقبل حتى وقف على الملك فقال: من أنت؟ فقال: وافد البراجم. فقال عمرو:
إن الشقي وافد البراجم
فذهبت مثلًا، ثم أمر به فقذف في النار. ففي ذلك يقول جرير يعير الفرزدق:
أين الذين بنار عمرو حرقوا أم أين أسعد فيكم المسترضع
وقال أيضًا:
وأخزاكم عمرو كما قد خزيتم وأدرك عمارًا شقي البراجم
[ ١ / ١٠٤ ]
وقال الطرماح
ودارم قد قذفنا منهم مائة في جاحم النار إذ ينزون بالجدد
ينزون بالمستوى منها ويوقدها عمرو ولولا شحوم القوم لم تقد
ولذلك عيرت بنو تميم بحب الطعام لطمع البرجمي في الأكل. فقال يزيد بن عمرو بن الصعق الكلابي:
ألا أبلغ لديك بني تميم بآية ما يحبون الطعاما
وقال أبو المهوش الأسدي:
إذا ما مات ميت من تميم وسرك أن يعيش فجئ بزاد
بخبز أو بتمر أو بسمن أو الشيء الملفف في البجاد
تراه يطوف الآفاق حرصا ليأكل رأس لقمان بن عاد
قوله: (إذا ما مات ميت من تميم): فيه رد علي أبي حاتم السجستاني ومن ذهب مذهبه، لأن أبا حاتم كان يقول: قول العامة مات الميت: خطأ والصواب: مات الحي.
وهذا الذي أنكره غير منكر، لأن الحي قد يجوز أن يسمى ميتًا، لأن أمره يئول إلى الميت. كما يقال للزرع قصيل، لأنه يقصل أي يقطع. وتقول العرب: بئس الرمية الأرنب، فيسمونها رمية، لأنها مما يرمي. ويقال للكبش الذي يراد ذبحه: ذبيحة، وهو لم يذبح،
[ ١ / ١٠٥ ]
وأضحية ولم يضح بها. وقال الله تعالى ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ وقال ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ وإنما يعصر العنب وهذا النوع في كلام العرب كثير. والعجب من إنكار أبي حاتم إياه مع كثرته. وقد فرق قوم بين الميت بالتشديد، والميت بالتخفيف. فقالوا: الميت بالتشديد: ما سيموت، والميت بالتخفيف: ما قد مات. وهذا خطأ في القياس، ومخالف للسماع.
أما القياس، فإن ميت المخفف إنما أصله ميت فخفف. وتخفيفه لم يحدث فيه معنى مخالفًا لمعناه في حال التشديد، كما يقال: هين وهين، ولين ولين، فكما أن التخفيف في هين ولين لم يحل معناهما، فكذلك تخفيف ميت.
وأما السماع فإنا وجدنا العرب لم تجعل بينهما فرقًا في الاستعمال، ومن أبين ما جاء في ذلك قول الشاعر:
ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء
وقال ابن قنعاس الأسدي:
ألا يا ليتني والمرء ميت وما يغني عن الحدثان ليت
[ ١ / ١٠٦ ]
ففي البيت الأول سوى بينهما. وفي البيت الثاني جعل الميت المخفف: الحي الذي لم يمت، ألا ترى أن معناه والمرء سيموت، فجرى مجرى قوله تعالى ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾.
وقال آخر:
إذا شئت آذاني صروم مشيع معي وعقام تتقي الفحل مقلت
يطوف بها من جانبيها ويتقي بها الشمس حتى في الأكارع ميت
يريد الظل: فجعل الميت (بالتشديد): ما قد مات.
وقوله: (بخبز أو بتمر أو بسمن) بدل من قوله: بزاد. أعاد معه حرف الجر، كقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ﴾ والملفف في البجاد: وطب اللبن، يلف فيه، ويترك حتى يروب. والوطب: زق اللبن خاصة. والبجاد: الكساء فيه خطوط.
وقوله: (حرصا) ينتصب على وجهين: أحدهما: أن يكون مصدرًا سد مسد الحال، كما يقال: جئته ركضا، وخرجت عدوًا، يريد: راكضًا، وعاديًا، وحريصًا. والوجه الثاني: أن يكون مفعولًا من أجله. وإنما ذكر لقمان بن عاد لجلالته وعظمته. يريد أنه لشدة نهمه وشرهه إذا ظفر بأكلة، فكأنه قد ظفر برأس لقمان، لسروره بما نال، وإعجابه بما وصل إليه. وهذا كما يقال لمن يزهي بما فعل، ويفخر بما أدركه، كأنه قد جاء برأس خاقان.
[ ١ / ١٠٧ ]
وهذا الكلام الذي درى بين معاوية والأحنف يسمى التعريض، لأن كل واحد منهما عرض لصاحبه بما تسب به قبيلته، من غير تصريح. ونظيره ما يحكى أن رجلًا من بني نمير زار رجلًا من بني فقعس، فقال له الفقعسي: مالك لا تزورنا؟ فقال له النميري: والله إني لآتيك زائرًا مرارًا كثيرة. ولكني أجد على بابك شيئًا قذرا، فأنصرف ولا أدخل. فقال له الفقعسي: اطرح عليه شيئًا من تراب وادخل. عرض له النميري بقول الشاعر:
ينام الفقعسي ولا يصلي ويحدث فوق قارعة الطريق
وعرض له الفقعسي بقول جرير في هجائه بني نمير:
ولو وطئت نساء بني نمير على التوراب أخبثن الترابا
ويشبه ذلك أيضًا ما يروي من أن شريك بن عبد الله النميري، ساير عمر بن هبيرة الفزاري يومًا فبدرت بغلة شريك، فقال له ابن هبيرة: غض من لجام بغلتك فقال شريك: إنها مكتوبة أصلح الله الأمير: فضحك ابن هبيرة وقال: لم أرد ما ذهبت إليه وتوهمته. عرض له ابن هبيرة بقول الشاعر:
فغض الطرف إنك من نمير فلا كعبا بلغت ولا كلابا
وعرض له شريك بن عبد الله بقول سالم بن دارة:
[ ١ / ١٠٨ ]
تأمنن فزاريا خلوت به على قلوصيك واكتبها بأسيار
وكان بنو فزارة ينسبون إلى غشيان الإبل.
وقوله: (وأراد الأحنف أن قريشًا كانت تعير بأكل السخينة) هكذا رويناه عن أبي نصر، عن أبي علي البغدادي. وهذا يخالف ابن قتيبة في هذا الكتاب، لأنه قال: وتقول: عيرتني كذا، ولا تقول: عيرتني بكذا. وأنشد للنابغة.
وعيرتني بنو ذبيان خشيته وهل على بأن أخشاك من عار
وقد تأملته في عدة من النسخ المضبوطة الصحاح، فوجدته بالباء. والصحيح في هذا أنهما لغتان، وإسقاط الباء أفصح وأكثر والحساء والحسو: لغتان. والعجف: الضعف والهزال. وأراد بالمال هاهنا: الحيوان. وكذا تستعمله العرب في أكثر كلامها.
وقد يجعلون المال اسمًا لكل ما يملكه الإنسان: من ناطق وصامت. قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ﴾ وقال ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ فالمال في هاتين الآيتين عام لكل ما يملك، لا يخص به شيء دون شيء. وكلب الزمان! شدته. وأصل الكلب: سعار يصيب الكلاب، فضرب بذلك مثلًا للزمان الذي يذهب بالأموال، ويتعرق الأجسام، كما سموا السنة الشديدة ضبعًا، تشبيها له بالضبع.
[ ١ / ١٠٩ ]
وقالوا: أكله الدهر، وتعرقة الزمان. قال العباسي بن مرداس السلمي
أبا خراشة أما أنت ذا نفر فإن قومي لم تأكلهم الضبع
وقوله: (ونستحب له أن يدع في كلامه التقعير والتعقيب) قال أبو علي: التقعير: أن يتكلم بأقصى قعر فمه. يقال: قعر في كلامه تقعيرًا. وهو مأخوذ من قولهم: قعرت البئر وأقعرتها: إذا عظمت قعرها. وإناء قعران، إذا كان عظيم القعر، فكأن المقعر: الذي يتوسع في الكلام ويتشدق. ويجوز أن يكون من قولهم: قعرت النخلة فانقعرت: إذا قلعتها من أصلها، فلم تبق منها شيئًا. فيكون معنى المقعر من الرجال الذي لا يبقى من الفصاحة والتشدق إلا أتى عليها.
والتقعيب: أن يصير فمه عند التكلم كالقعب، وهو القدح الصغير وقد يكون الكبير.
وقوله: (أن سألتك ثمن شكرها وشبرك) أنشأت تطلها وتضهلها): الشكر: الفرج. والشبر: النكاح. يقال: شبر الفحل الناقة: إذا علاها. وفي الحديث أنه نهى عن شبر الفحل، والمعنى عن ثمن شبر الفحل، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
وقوله: (أنشأت): أقبلت وابتدأت. ومنه يقال: أنشأ الشاعر يقول كذا. ومنه قول الراجز:
[ ١ / ١١٠ ]
يا ليت أم الغمر كانت صاحبي مكان من أنشأ على الركائب
ومعنى تطلها: تسعى في بطلان حقها من قولهم: طل دمه وأطل: ذهب هدرًا ويجوز أنه يريد يقلل لها العطاء، فيكون مأخوذًا من الطل، وهو أضعف المطر. يقال: طلت الروضة: إذا أصابها الطل فهي مطلولة. قال الشاعر:
لها مقلتا أدماء طل خميلة من الوحش ما تنفك ترعى عرارها
وهذا بيت مشكل الإعراب لأن فيه تقديمًا وتأخيرًا. وتقديره: لها مقلتا أدماء من الوحش، ما تنفك ترعى خميلة طل عرارها. فانتصب الخميلة بترعى وارتفع العرار بطل.
وقوله: (وتضهلها): أي تعطيها حقها شيئًا بعد شيء، من قولهم: بئر ضهول: إذا كان ماؤها يخرج من جرابها، وهو ناحيتها، وإنما يكثر ماؤها إذا خرج من قعرها.
وقوله: (وكقول عيسى بن عمر ويوسف بن هبيرة يضربه بالسياط) كذا رويناه من طريق أبي نصر، عن أبي علي البغدادي. ولم يكن ابن هبيرة
[ ١ / ١١١ ]
الضارب لعيسى ابن عمر، إنما الضارب له يوسف بن عمر الثقفي في ولايته العراق، بعد خالد بن عبد الله القسري.
ووجدت في بعض النسخ عن أبي علي البغدادي: (ويوسف بن عمر بن هبيرة بضربه بالسياط)، فإن كان هذا صحيحًا، فكلام ابن قتيبة لا اعتراض فيه.
ووقع في طبقات النحويين واللغويين للزبيدي على ما ذكره ابن قتيبة.
وكان عيسى ابن عمر هذا شديد التقعير في كلامه. ومما يحكى من تشدقه أنه قال: أتيت الحسن البصري مجرمزًا حتى اقعنبيت بين يديه، فقلت له: يا أبا سعيد: أرأيت قول الله تعالى ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ فقال: هو الطبيع في كفراه. ولعمري إن الآية لأبين من تفسيره. والطلع: أول ما يطلع في النخلة من حملها قبل أن ينشق عنه غشاؤه الذي يستره، فإذا انشق عنه غشاؤه، قيل له: الضحك، لأنه أبيض يشبه انشقاقه وبروزه بظهور الأسنان عند الضحك. والطبيع بكسر الطاء والباء وتشديدهما: الطلع بعينه. ويقال له: الطبيع أيضًا بفتح الطاء، وتخفيف الباء، والكفرى بضم الفاء وفتحها: الغشاء الذي يكون فيه الطلع. ويقال له أيضًا: الكمام والكم. قال الله تعالى ﴿ومَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا﴾ والمجرمز: المسرع. ومعنى اقعنبيت: جلست جلسة مستوفز.
[ ١ / ١١٢ ]
ويروى أن رجلًا من المتقعرين مرضت أمه، فأمرته أن يصير إلى المسجد، ويسأل الناس الدعاء لها، فكتب في حيطان المسجد صين وأعين رجل دعا لامرأة مقسئنة عليلة، بليت بأكل هذا الطرموق الخبيث، أن يمن الله عليها بالاطرغشاش والابرغشاش. فما قرأ أحد الكتاب إلا لعنه وأمه. يريد بقوله: صين وأعين: صانه الله وأعانه، على معنى الدعاء. والمقسئنة: المتناهية في الهرم والشنج. يقال اقسأن العود إذا اشتد وصلب وذهبت عنه الرطوبة واللين والطرموق: الطفل فإذا قلت الطمروق، بتقديم الميم على الراء: هو الخفاش. ويقال: اطرغش الرجل من من مرضه وابرغش، وتقشقش: إذا أفاق وبرأ. وكان يقال ﴿قُلْ هُو اللهُ أَحَد﴾ و﴿قٌلْ يَا أَيُّها الكَافِرُون﴾ المقشقشتان. يراد أنهما تبرئان حافظهما من النفاق والكفر، قال الشاعر:
أعيذك بالمقشقشتين مما أحاذره ومن شر العيون
وكان أبو علقمة النحوي ممن ينحو نحو عيسى بن عمر في التقعر. وكان يعتريه هيجان مرارًا في بعض الأوقات. فهاج به في بعض الطريق فسقط إلى الأرض مغشيًا عليه. فاجتمع الناس حوله، وظنوه مجنونًا. فجعلوا يقرءون في أذنه، ويعضون على إبهامه. فلما ذهب ما كان به، فتح عينيه، فنظر إلى
[ ١ / ١١٣ ]
الناس يزدحمون عليه فقال: ما لكم تتكأكئون على كأنما تتكأكئون على ذي جنة. افرنقعوا عني. فقال رجل منهم: فإنه شيطانه يتكلم بالهندية. يقال: تكأكأ الرجل عن الشيء: إذا انحنى وتقاصر دونه. ومنه قيل للقصير: متكأكئ. وتكأكأ القوم: إذا تضايقوا وازدحموا. فإذا قيل: تكأكأ عن الشيء، فمعناه: ارتدع ونكص على عقبه. وإلا فرنقاع: الزوال عن الشيء.
ومن طريف أخبار المتقعرين ما روى من أن الجرجرائي كان له كاتب يتقعر في كلامه، فدخل الحمام في السحر، فوجده خاليًا. فقال لبعض الخدم: ناولني الحديدة التي تمتلخ بها الطؤطؤة من الإخفيق. فلم يفهم قوله. وعلم بهيئة الحال أنه يطلب ما يزيل به الشعر عن عانته، فأخذ كستبان النورة، فصبه عليه. فخرج وشكا به إلى صاحب المدينة، فأمر بالخادم إلى السجن. فوصل الأمر بالجرجرائي فضحك، واستطرف ما جرى. وأمر بالخادم فأطلق، وألحقه بجملة أتباعه.
أراد بقوله: تمتلخ: تنزع وتزال، من قولهم: أمتلخت غصنًا من من الشجر: إذا قطعته. وملخت اللجام عن رأس الفرس: إذا نزعته.
[ ١ / ١١٤ ]
والطؤطؤة: شعر العانة. ويقال له: الشعرة أيضًا. والإخفيق: الشق يكون في الأرض. ويقال: استحد الرجل واستعان: إذا حلق عانته. حكاه أبو عمر المطرز.
ويقال من النورة: انتار الرجل انتيارًا، وانتور انتورًا، وتنور تنورًا وكان أبو العباس أحمد بن يحيي ثعلب ينكر تنور، ويزعم أنه لا يقال: تنور إلا إذا نظر إلى النار، كما قال امرؤ القيس:
تنورتها من أذرعات وأهلها بيثرب أدنى دارها نظر عال
وقد أنشد أبو تمام في الحماسة ما يدل على خلاف ما قال ثعلب، وهو لعبيد بن قرط الأسدي، وكان دخل الحضرة مع صاحبين له، فأحب صاحباه دخول الحمام، فنهاهما عن ذلك، فأبيا إلا دخوله، ورأيا رجلًا يتنور فسألا عنه فأخبرا بخبر النورة، فأحبا استعمالها فلم يحسنا وأحرقتهما النورة وأضرت بهما فقال عبيد:
لعمري لقد حذرت قرطًا وجاره ولا ينفع التحذير من ليس يحذر
نهيتهما عن نورة أحرقتهما وحمام سوء ماءه يتسعر
فما منهما إلا أتاني موقعًا به أثر من مسها يتعشر
[ ١ / ١١٥ ]
أجدكما لم تعلما أن جارنا أبا الحسل بالبيداء لا يتنور
ولم تعلما حمامنا في بلادنا إذا جعل الحرباء بالجذل يخطر
وقوله: (وينافسون في العلم) المنافسة: أن تشتد رغبة الرجل في الشيء، حتى يحسد غيره عليه أو يغبطه. وهي مشتقة من النفس، يراد ميل النفس إلى الأمر، وحرصها عليه. قوله: (ويرونه تلو المقدار) التلو: التابع. فإذا قلت: (تلو) بفتح التاء، فهو المصدر من تلوته أتلوه .. والمقدار هاهنا: بمعنى القدر الذي يراد به القضاء السابق.
ومعنى كون العلم تبعا للمقدار، أن الله تعالى قدر في سابق علمه، أن يكون العلم عزا لصاحبه وشرفا. والجهل ذلًا ومهانة، فيه النجاة، وبعدمه الهلاك. وإنما أخذ هذا من قوله ﷺ: «من استرذل الله عبدًا إلا حظر عليه العلم والأدب».
وقد ألم أبو الطيب المتنبي بنحو هذا لمعنى في قوله:
كأن نوالك بعض القضاء فما تعط منه نجده جدودًا
ويجوز أن يريد بالمقدار، قيمة الإنسان. كما يقال: ما لفلان عندي قدر ولا قدر، ولا مقدار، أي قيمة. فيكون مثل قول علي ﵁: قيمة كل امرئ ما يحسن. فإن قال قائل: كان ينبغي على هذا التأويل الثاني أن يقول: ويرون المقدار تلو العلم لأن قيمة الرجل هي التابعة لعلمه. فالجواب أن هذا التأويل يصح على وجهين: أحدهما: أن يزيد مقدار الإنسان
[ ١ / ١١٦ ]
عند الله تعالى أي أن الله تعالى يهب له من العلم بحسب مكانته عنده. وهذا نحو مما ذكرناه من قوله ﷺ: ما استرذل الله عبدًا! إلا حظر عليه العلم والأدب. فيكون راجعًا إلى المعنى الأول.
والوجه الثاني: أن يريد مقداره عند الناس، فيكون على هذا الوجه قد أجرى الاسم الذي هو (التلو) مجرى المصدر، الذي هو التلو. كما أجرى القطامي العطاء مجرى الإعطاء في قوله:
وبعد عطائك المائة الرتاعا
ويكون قد جعل المصدر: بمعنى المفعول، كما قالوا: درهم ضرب الأمير. أي مضروبه. فكأنه قال: ويرونه متلو المقدار، أي يرونه الشيء الذي يتلوه المقدار.
ولقائل أن يقول: إن قيمة الإنسان لما كانت مرتبطة بعلمه، صار علمه أيضًا مرتبطًا بقيمته، كالشيئين المتلازمين، اللذين يوجد كل واحد منهما بوجود الآخر، فصار كل واحد منهما تبعًا للآخر من هذه الجهة، وإن لم يكونا كذلك من جهة أخرى.
وقوله: وقد قال رسول الله ﷺ: (إن أبغضكم إلى الثرثارون المتفيهقون المتشدقون).
[ ١ / ١١٧ ]
هذه الألفاظ كلها: يراد بها المتنطعون في الكلام، المكثرون.
فاشتقاق الثرثارين من قولهم: عين ثرثارة: إذا كانت كثيرة الماء، وضرع ثرثار: إذا كان غزير اللبن. قال الراجز يصف ناقة:
لشخبها في الصحن للاعشار بريزة كصخب الممارى
واشتقاق المتفيهقين من قولهم: فهق الغدير يفهق: إذا امتلأ ماء، فلم يكن فيه موضع مزيد. قال الأعشي:
نفى الذم عن رهط المحلق جفنة كجابية الشيخ العراقي تفهق
واشتقاق المتشدقين، من الشدقين، يراد به الذين يفحتون أشداقهم بالقول. يقال: رجل أشدق: إذا كان واسع الشدقين، جهير المنطق، متنطعًا في الكلام. وبه سمى عمرو بن سعيد، الأشدق. وفيه يقول القائل:
تشادق حتى مال بالقول شدقه وكل خطيب لا أبالك أشدق
وقد جاء في بعض الحديث، قيل يا رسول الله، وما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون. هذا غير خارج عما قاله أهل اللغة، لأن المتكبر المعجب بنفسه، يدعوه إعجابه بنفسه وتكبره، إلى التنطع في كلامه.
وقوله: (ونستحب له إن استطاع أن يعدل بكلامه عن الجهة التي تلزمه مستثقل الإعراب): يقول: لا ينبغي للمتأدب أن يستعمل في كلامه مع عوام
[ ١ / ١١٨ ]
الناس الإعراب، على حسب ما تستحقه الألفاظ في صناعة النحو. فإنه إن فعل ذلك، استخف به، وصار هزأة لمن يسمعه. وخرج إلى التقعر الذي تقدم ذكره. وإنما ينبغي للمتأدب أن يقصد الألفاظ. السهلة، والإعراب السهل، ويكون على كلامه ديباجة وطلاوة، تدل على أنه متأدب ويجعل لكلامه مرتبة بين الألفاظ السوقية، والألفاظ الوحشية فقد قال ﷺ: «خير الأمور أوساطها.» ومن هذه الجهة أتى المتقعرون. فإنهم حسبوا أن مكانتهم من الأدب لا تعرف حتى يستعملوا الألفاظ الحوشية، فصاروا ضحكة للناس. كما يحكى من أن رجلًا من المتأدبين، أراد شراء أضحية، فقال لبعض البائعين للأضاحي: بكم هذا الكبش (بكسر الكاف)، فضحك كل من سمعه. فلامه بعض أصحابه، وقال له: لم لم تقل كبش (بفتح الكاف) كما يقول الناس؟ فقال: كذا كنت أقول قبل أن أقرأ الأدب. فما الذي أفادتني القراءة إذن.
وقوله: (فقد كان واصل بن عطاء سام نفسه للشغة.) إلى آخر الفصل. معنى سام نفسه للثغة: كلفها ذلك. واللثغ في اللسان: أن يتعذر عليه النطق بالحرف على وجهه، حتى يقلبه حرفًا آخر. وليس يكون ذلك في كل حرف. إنما يكون في القاف، والكاف، والسين، واللام، والراء، وقد يوجد في الشين المعجمة.
فاللثغة في السين، تكون بأن تبدل ثاء، فيقال في «بسم الله»: بثم الله. واللثغة في القاف تكون بأن تبدل طاء. فيقال في قال لي:
[ ١ / ١١٩ ]
طال لي. وتكون أيضًا بأن تبذل كافًا. فيقال في قال لي: كال لي. واللثغة في الكاف تكون بأن تبدل همزة فيقال في كان كذا: آن إذا. واللثغة في اللام بأن تبدل ياء فيقال في جمل: جمى. وقد تكون بأن تبدل كافًا، فيقال في جمل: جمك كما حكى الجاحظ عن عمر أخي هلال: أنه كان إذا أراد أن يقول: ما العلة في هذا قال، ما اكعكة في هذا. وأما اللثغة التي تعرض في الراء، فذكر الجاحظ أنها تكون في ستة أحرف: العين، والغين، والدال، والياء، واللام، والظاء المعجمة.
وذكر أبو حاتم السجستاني أنها تكون أيضًا في الهمزة.
وكان واصل بن عطاء فصيح اللسان، حسن المنطق بالحروف كلها إلا الراء، فإنه كان يتعذر عليه إخراجها من مخرجها، فأسقطها من كلامه. فكان يناظر الخصوم ويجادلهم، ويخطب على المنبر، فلا يسمع في منطقة راء. فكان أمره إحدى الأعاجيب.
ومما يحكى عنه من تجنبه الراء، قوله وقد ذكر بشارًا بن برد: أما لهذا الأعمى المشنف المكني يأبى معاذ، إنسان يقتله. أما والله لولا أن الغيلة خلق في أخلاق الغالية، لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضجه. ثم لا يكون إلا عقيليًا أو سدوسيًا. فقال الأعمى، ولم يقل الضرير، ولا بشار بن برد. وقال: المشنف، ولم يقل المرعث،
[ ١ / ١٢٠ ]
وبذلك كان يلقب. وقال: إنسان ولم يقل رجل. وقال: الغيلة، ولم يقل الغدر، وهم سواء. وقال: الغالية، ولم يقل المنصورية، ولا المغيرية، وقال: لبعثت، ولم يقل لأرسلت. وقال من يبهج بطنه ولم يقل يبقر. وقال على مضجعه، ولم يقل على فراشه.
وقال الجاحظ عن قطرب: أنشدني ضرار بن عمرو قول الشاعر في واصل بن عطاء.
ويجعل البر قمحًا في تصرفه وخالف الراء حتى احتال للشعر
ولم يطق مطرا والقول يعجله فعاذ بالغيث إشفاقًا من المطر
وقال: سألت عثمان البري: فكيف كان واصل يصنع في العدد في عشرة، وعشرين، وأربعين؟ وكيف كان يصنع بالقمر، ويوم الأربعاء، وشهر رمضان؟ وكيف كان يصنع بالمحرم وصفر، وربيع الأول، وربيع الآخر، ورجب، فقال: مالي فيه قول إلا ما قال صفوان:
ملقن ملهم فيما يجادله جم خواطره جواب آفاق
[ ١ / ١٢١ ]
وهذه الألفاظ كلها يمكن أن تبدل بألفاظ آخر، لا راء فيها. ولا يتعذر على من كان له بصر باللغة فإنك لا تكاد تجد لفظة فيها راء، إلا وتجد لفظة أخرى في معناها لا راء فيها، لأن العرب توسعت في لغتها، ما لم تتوسع أمة من الأمم، حتى إنك تجدهم قد جعلوا للشيء الواحد عشرة أسماء، وعشرين، وأكثر من ذلك. فقد قيل: إن الأسدله مائة اسم، وكذلك الحمار. وأن للداهية أربعمائة اسم. ولذلك قال علي بن حمزة: من الدواهي كثرة أسماء الدواهي. فكما قالوا الشعر والفرع، فكذلك قالوا: الهلب. وقالوا لما كثر منه: الدبب، ولما صغر: الزغب. والدبب: بالدال غير معجمة. قال الراجز:
قشر النساء دبب العروس
وكما قالوا: الشعرة والوفرة، فكذلك قالوا: اللمة والجمة. وكما قالوا: الغدائر والضفائر، فكذلك قالوا: النواصي والذوائب، والعقاص والعقائص، والقصائب، والمسائح، والغسن والخصل.
وللقمر عشرة أسماء منها ما فيه راء، ومنها ما لا راء فيه. فمن أسمائه التي فيها راء القمر، والباهر، والبدر، والزبرقان والسنمار. ومن أسمائه التي لا راء فيها الطوس، والجلم والغاسق والمتسق، والوباص.
[ ١ / ١٢٢ ]
وفي حديث عائشة ﵂، أنها قالت: أخذ رسول الله ﷺ بيدي، وأشار إلى القمر، وقال: استعيذي بالله، من هذا، فإنه الغاسق إذا وقب.
وأما ما ذكره من أسماء العدد والشهور، فقد كان يمكنه أن يقول مكان عشرة (نواتان)، لأن النواة خمسة دراهم. ويقال لعشرين نش، ولأربعين: أوقية. ويمكنه أن يقول لعشرة: نصف نش، ولأربعين: نشان، قال الراجز:
إن التي زوجها المخش من نسوة مهورهن النش
ويقال لأربعة من العدد: وخزة. ويقال لربيع الأول: خوان. ولربيع الآخر: وبصان، وبصان. ولرجب: منصل الأسنة، ومنصل الأل. قال الأعشي:
تداركه في منصل الأل بعدما مضى غير دأ داء وقد كاد يعطب
وقد كان يمكنه إذا أراد أن يقول المحرم وصفر، أن يقول: مفتتح عامكم والتالي له،. أو أول سنتكم، ونحو ذلك. ويقول مكان جمادي
[ ١ / ١٢٣ ]
الأخرى جمادي الثانية ويقول مكان شهر رمضان: أوان صيامكم وإذا أراد أن يقول يوم الأربعاء، قال: اليوم الذي أهلكت فيه عاد، أو يقول: يوم النحس، لأن المفسرين قالوا في تفسير قوله تعالى ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ﴾ إنه كان يوم الأربعاء.
وقوله: (حتى انقاد له طباعه): قال أبو حاتم: الطباع: واحد مذكر، بمعنى الطبع ومن أنثه ذهب إلى معنى الطبيعة. وقد يجوز أن يكون الطباع جمع طبع بمنزلة كلب وكلاب.
وقوله: (وحشي الغريب): يريد ما لم تجر العادة باستعماله، أو كان قليل الاستعمال، شبه بالوحش من الحيوان وهو ما يفر من الإنسان ولا يأنس به.
وقوله: (وأنا محتاج إلى أن تنفذ إلى جيشًا لجبًا عرمرما): لا أعلم من الكاتب القائل لهذا الكلام. والجيش: العسكر، سمى بذلك، لما فيه من الحركة والاضطراب. واشتق من قولهم: جاشت القدر تجيش: إذا همت بالخروج، قال ابن الإطنابة:
وقولي كلما جشأت وجاشت مكنك تحمدي أو تستريحي
واللجب: الكثير الأصوات والجلبة، والعرمرم في قول الأصمعي: الكثير الأصوات والجلبة، والعرمرم: الكثير العدد. وفي قول أبي عبيدة: الشديد البأس، مأخوذ من العرامة. وقول أبي عبيدة أشبه بالاشتقاق. وإن كان قول الأصمعي راجعًا إلى نحو ذلك المعنى.
[ ١ / ١٢٤ ]
وقوله: (وكقول آخر في كتابه: عضب عارض ألم ألم، فأنهيته عذرًا): لا أعلم هذا الكتاب لمن هو. ورأيت في بعض الحواشي المعلقة، أنه أحمد بن شريح الكاتب، ولا أعلم من أحمد بن شريح هذا. ومعنى عضب: قطع. والألم: المرض. وعارضه: ما يعرض للمريض منه. وألم: نزل.
وقوله: (فأنهيته عذرا): أي جعلته النهاية في العذر.
والمخاطب بهذا رجل كان كلفه أمرًا فضمن له السعي فيه، فقطع به عن ذلك مرض أصابه، فكتب إليه يعتذر من تأخر سعيه بالمرض الذي عاقه عنه. وقد ذكر ابن قتيبة هذا الكلام في آلة الكتاب، وغير ذلك من كتبه، فلم يسم قائله من هو. والبسطة: السعة والانبساط في العلم وغيره.
وقوله: (طغيان في القلم) كذا وقع في النسخ. وكان أبو علي البغدادي يقول: حفظني طغيان القلم. والعرب تختلف في تصريف الفعل من الطغيان. فمنهم من يقول: طغيت يا رجل. ومنهم من يقول طغوت بالواو. ولم يختلفوا في الطغيان أنه بالياء. ومنهم من يكسر الطاء فيقول: الطغيان حكى ذلك الفراء.
وقوله: (ونستحب له أن ينزل ألفاظه في كتبه): تنزيل الكلام. ترتيبه، ووضع كل شيء منه في مرتبته اللائقة به. وذكره في الوقت الذي ينبغي أن يذكر فيه. قال الله تعالى ﴿وَنَزَلْناهُ تَنْزِيلا﴾.
[ ١ / ١٢٥ ]
وقوله (إلى الأكفاء والأستاذين): الأكفاء: النظراء، واحدهم: كفء، بضم الكاف وتسكين الفاء، وكفء وكفء بفتح الكاف وكسرها مع سكون الفاء. وكنمو بضم الكاف، وكفى على مثال نبئ وكفاء، على مثال رواء. والأستاذ: لفظة فارسية عربتها العرب. والفرس يرفعونها على العالم بالشيء، الماهر فيه، الذي يبصر غيره ويسدده. ومثلها من كلام العرب الرباني: وهو العالم المعلم. قال الله تعالى ﴿ولَكِنْ كونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾.
وقوله (وليس يفرقون بين ما يكتب إليه: أنا فعلت وبين من يكتب إليه: ونحن فعلنا ذلك) كذا الرواية عن ابن قتيبة.
وقال أبو علي البغدادي: والصواب بين من يكتب عن نفسه: (أنا فعلت)، وبين من يكتب عن نفسه: (ونحن فعلنا) لأن هذا أمر يخص الكاتب دون المكتوب إليه. والذي قاله أبو علي: هو الصحيح الذي لا مدفع فيه، وإن كان قول ابن قتيبة قد يمكن أن يوجه له وجه يصح به، إذا حمل عليه. وذلك أن الكاتب لا ينبغي له أن يكتب عن نفسه، نحن فعلنا ذلك، إلا إلى من هو كفء له في المنزلة، أو من هو دونه في المرتبة، ولا يجوز أن يكتب بذلك إلى من يعظمه ويوقره، إنما ينبغي له أن يصعر نفسه، ويضع منها. فإذا حمل التأويل على هذا، صح قول ابن قتيبة.
وإنما جاز للرئيس وللعالم أن يقولا عن أنفسهما: نحن نقول كذا، ونحن نفعل كذا، لأن الرئيس يطاع أمره، وله أتباع على مذهبه ورأيه.
[ ١ / ١٢٦ ]
فكأنه يخبر عن نفسه، وعن كل من يتبعه ويرى رأيه، وكذلك العالم. وفيه وجه آخر، وذلك أن الرجل الجليل القدر، النبيه الذكر، ينوب وحده مناب جماعة، وينزل منزلة عدد كثير، في علمه أو في فضله ورأيه.
ونحو من هذا ما يروى من أن أبا سفيان بن حرب، استأذن علي رسول الله ﷺ، فحجبه، ولم يأذن له. فلما خرج الناس من عنده أذن له، فدخل وهو غضبان. فقال: يا رسول الله، ما كدت تأذن لي حتى تأذن لحجارة الجلهمتين. فقال: يا أبا سفيان. أنت كما قيل: (كل الصيد في جوف الفرا)، أي أنك وحدك تنوب مناب جماعة. والفرا: الحمار الوحشي يمد ويقصر، والأشهر فيه القصر. ومعنى قولهم: (كل الصيد في جوف الفرا): أن الحمار الوحشي أجل ما يصيده الصائد. فإذا صاده، فكأنه قد صاد جميع الصيد.
وقوله: حتى تأذن لحجارة الجلهمتين: أي ما كدت أدخل إليك حتى تدخل الحجارة. وأهل الحديث يروون الجلهمتين، بالميم وضم الهاء والجيم، وذلك غير معروف، وإنما المعروف عند أهل اللغة الجلهتان، بفتح الجيم والهاء دون ميم، وهما ناحيتا الوادي. قال لبيد.
فعلا فروع الأيهقان وأطفلت بالجلهتين ظباؤها ونعامها
ولا يستنكر أن يكونوا زادوا الميم، كما قالوا للجذع: جذعم
[ ١ / ١٢٧ ]
وللناقة الدرداء: دردم، وللأستة من الرجال: ستهم: ويروي أن بكر بن وائل بعثوا إلى بني حنيفة في حرب البسوس يستمدونهم على تغلب. فبعثوا إليهم الفند الزماني، وحده، وكتبوا إليهم، قد بعثنا إليكم بثلاثمائة فارس. فلما ورد عليهم، نظروا إليه وكان شيخنا مسنًا، وقالوا: وما يغني هذه العشبة عنا. فقال: أما ترضون أن أكون لكم فندا. فلذلك لقب الفند. والفند: القطعة العظيمة من الجبل. والعشبة والعشمة (بالباء، والميم): الشيخ المسن. وقد أكثرت الشعراء في هذا المعنى. قال أبو نواس:
وليس على الله بمتنكر أن يجمع العالم في واحد
وقال البحتري:
ولم أر أمثال الرجال تفاوتوا إلى المجد حتى عد ألف بواحد
فأخذه أبو الطيب المتنبي فقال:
مضى وبنوه وانفردت بفضلهم وألف إذا ما جمعت واحد فرد
وقوله (وعلى هذا الابتداء خوطبوا في الجواب): يريد أن الرجل يخاطب على حسب ما يخبر به عن نفسه، فإذا كان يقول: أنا فعلت. قيل له في المخاطبة: أنت فعلت. وإذا كان يخبر عن نفسه بأن يقول: نحن فعلنا. قيل له في المخاطبة: أنتم فعلتم.
[ ١ / ١٢٨ ]
ولما كان الله يخبر عن نفسه بإخبار الجماعة فيقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ و﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ خاطبه الكافر مخاطبة الجماعة فقال: ﴿رَبِّ ارْجِعُون﴾، ولم يقل رب ارجعن.
وقوله (وقال أبرواز لكاتبه في تنزيل الكلام): أي في ترتيبه، ووضع كل شيء منه في منزلته التي تليق به. ويقال: أبرواز وأبرويز بفتح الواو، وأبرويز بكسرها. ويقال: إن إبرويز هذا، هو كسرى الأخير. وهو الذي قال فيه ﷺ: إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده. وهو الذي كتب إليه النبي ﷺ يدعوه إلى الإسلام. فلما ورد ليه كتابة غضب ومزق الكتاب، فقال ﷺ: اللهم مزق ملكه كل ممزق.
ثم كتب كسرى إلى فيروز، اذهب إلى (مكة) فجئني بهذا العبد الذي دعاني إلى غير ديني، وقدم اسمه في الخطاب على اسمي. فجاء فيروز إلى رسول الله ﷺ فقال: إن ربي أمرني أن أحملك إليه. فقال رسول الله ﷺ: إن ربي قد أخبرني أنه قتل ربك البارحة. فأقم حتى تعلم. فإن كان ما قلت حقًا، وإلا كنت من وراء أمرك. ففزع فيروز، وهاب أن يقدم عليه. ثم وردت الأخبار من كل ناحية بأن كسرى قد ثار عليه ابنه شيرويه، فقتله تلك الليلة بعينها، فأسلم فيروز، وحسن إسلامه.
وقوله (فهذه دعائم المقالات): أي أصولها التي تعتمد عليها.
[ ١ / ١٢٩ ]
وقد قدمنا في صدر كتابنا هذا اختلاف المتقدمين من العلماء والمتأخرين في أقسام المعاني كم هي؟.
وقوله (فأسجح): أي أرفق وسهل. ومنه قول عقيبة الأسدي:
معاوى إننا بشر فأسجح فلسنا بالجبال ولا الحديدا
وقوله (وإذا سألت فأوضح) أي بين سؤالك. وقوله (وإذا أمرت فأحكم): كذا رويناه (مقطوع الهمزة، مكسورة الكاف)، وفي بعض النسخ فاحكم (موصول الألف، مضموم الكاف)، وكلاهما صحيح، لأنه يقال: حكمت الرجل وأحكمته: إذا أدبته وعلمته الحكمة. واشتقاق ذلك من قولهم: حكمت الدابة وأحكمتها: إذا جعلت لها حكمة، لأن الحكمة تمنع متعلمها من القبيح، كما تمنع الحكمة الدابة من الاضطراب والنزق، ومنه قيل: أحكمت الشيء: إذا أتقنته. وحكم الرجل يحكم: إذا صار حكيمًا.
قال النمر بن تولب:
وأحبب حبيبك حبًا رويدًا فليس يعولك أن تضرما
وأبغض بغيضك بغضًا رويدا إذا أنت حاولت أن تحكما
وعلى هذا تأويل قول النابغة:
واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت إلى حمام شراع وارد الثمد
[ ١ / ١٣٠ ]
وقوله (وليس يجوز لمن قام مقاما في تحضيض على حرب، أو حمالة بدم): التحضيض والحض: الإغراء بالشيء، والترغيب فيه. والحمالة: الكفالة. ويقال: تحملت بالشيء كقولك: تكفلت به. وفلان حميل به: كقولك: كفيل به.
ووقع في بعض النسخ: أو حمالة لدم باللام، ولا أعرف ذلك مرويًا عن أبي علي، وليس بممتنع، تجعله من قولك: حملت الشيء عن الرجل، وهو راجع إلى المعنى الأول. وينبغي أن تكون هذه اللام، هي التي تزاد في المفعول تأكيدًا للعامل، وأكثر ما تدخل على المفعول إذا تقدم على الفعل، كقوله تعالى: ﴿إنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ وقد تدخل عليه وهو متأخر كقوله تعالى: ﴿قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم﴾. وعلى هذا: أعجبني الضرب لزيد ومنه قول كثير:
أريد لأنسى ذكرها فكأنما تمثل لي ليلى بكل سبيل
والعشائر: القبائل. واحدها عشيرة. واشتقاقها من المعاشرة، وهي المصاحبة. يقال: فلان عشيري وشعيري: أي مصاحبي. وعشيرة المرأة: زوجها.
وقوله: (ولو كتب كاتب إلى أهل بلد في الدعاء إلى الطاعة والتحذير من المعصية، كتاب يزيد بن الوليد إلى مروان) يزيد هذا هو يزيد بن الوليد ابن عبد الملك، ويكني أبا خالد، وكانت أمه أعجمية وهي شاهفريد بنت فيروز بن يزدجرد، وهي أول سرية ولدت ملكًا في الإسلام، وهو القائل:
[ ١ / ١٣١ ]
أنا ابن كسرى وأبي مروان وقيصر جدى وجدى خاقان
ومعنى شاهفريد بالفارسية: سيدة البنات. وكان يزيد هذا يدعى (الناقص). واختلف في المعنى الذي من أجله لقب بذلك. فقال قوم: لقب الناقص لأنه نقص الجند أعطياتهم عند ولايته. وقيل: لقبه بذلك مروان بن محمد بن مروان، وهو الذي كتب إليه يزيد بما حكاه ابن قتيبة. وقال قوم: لقب الناقص لفرط. كما له، كما يقال للحبشي: أبو البيضاء، وللأعمى: بصير وكذا قال خليفة بن خياط. وكانت خلافته خمسة أشهر وليلتين. ومروان هو آخر خلفاء بني أمي بالمشرق، وكان يكني أبا عبد الله وأمه: (لوعة)، سرية من الكرد،. وقيل: بل أمه ريا: جارية كانت لإبراهيم بن الأشقر النخعي. فصارت إلى محمد بن مروان يوم قتل إبراهيم، وكانت حاملًا من إبراهيم فولدت على فراش محمد بن مروان. وقتل مروان ببوصير من صعيد مصر، بعد ظهور الدولة العباسية. فكانت خلافته نحوًا من ست سنين. والتلكوء: الإبطاء والتأخر.
وقوله (وسكون الطائر): يستعمل في الكلام على وجهين: أحدهما: أن يكون مثلًا للوقار والرزانة، يريد أنه لشدة وقاره، لو نزل على رأسه طائر لم يطر. وهو الذي أراده ابن قتيبة هاهنا.
والثاني: أن يكون مثلًا مضروبًا للمذلة والخضوع. يراد أنه لذله لا يتحرك، وهذا المعنى الذي أراد الشاعر بقوله:
إذا نزلت بنو تيم عكاظا رأيت على رؤوسهم الغرابا
[ ١ / ١٣٢ ]
وقال آخر في الهيبة والخضوع:
كأنما الطير منهم فوق أرؤسهم لا خوف ظلم ولكن خوف إجلال
وقال ذو الرمة:
من آل أبي موسى ترى الناس حوله كأنهم الكروان أبصرن بازيا
مرمين من ليث عليه مهابة تفادى أسود الغاب منه تفاديا
وما الخرق منه يرهبون ولا الخنا عليهم ولكن هيبة هي ماهيا
وأما قول الضبي:
كأن خروء الطير فوق رءوسهم إذا اجتمعت قيس معًا وتميم
ففيه قولان: وقال النميري يصف قومًا قرعًا:
فإن بياض قرعهم كخرء الطير وهو أبيض
قال غيره: يريد الذل والخضوع، كما قال الشاعر:
أرب يبول الثعلبان برأسه لقد ذل من بالت عليه الثعالب
[ ١ / ١٣٣ ]
وقوله: (وخفض الجناح) هذا مثل مضروب للين الجانب، وتعطف الإنسان على من أوى إليه، وإشفاقه على من رآه بحال شدة وبؤس. وأصل ذلك أن الطائر يضع جناحيه على فراخه، ويلحفها إياهما، فضرب مثلًا التعطف، قال الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ ولهذا قالوا: فلان موطأ الأكناف. وقد يضرب الجناح أيضًا مثلًا في العون على الأمور. كما قال مسكين الدرامي:
أخاك أخاك إن من لا أخا له كساع إلى الهيجا بغير سلاح
وإن ابن عم المرء فاعلم جناحه وهل ينهض البازي بغير جناح
وقوله (العالي في ذروة المجد) المجد: الشرف. وذروته: أعلاه. وكذلك ذروة كل شيء وذروته، بالكسر والضم، والجمع ذرا، بضم الذال في اللغتين جميعًا.
وقوله (الحاوي قصب السبق): هذا مثل مضروب للتقدم والتبريز على الأكفاء في كل شيء. وأصله أنهم كانوا إذا تسابقوا إلى غاية من الغايات، وخاطروا على ذلك، وضعوا الخطر على رأس قصبة وركزوها في الغاية التي يتحارون إليها، فمن سبق إليها أخذها، فصار ذلك مثلًا لكل من غولب فغلب. والسبق بسكون الباء: المصدر. والسبق بفتح الباء: الخطر بعينه. قال رؤبة:
لوحها من بعد بدن وسنق تضميرك السابق يطوى للسبق
[ ١ / ١٣٤ ]
ويريد بالدارين: الدنيا والآخرة.
هذا آخر ما حضرنا من القول في هذه الخطبة.
ولما كان أبو محمد بن قتيبة- رحمه الله تعالى- قد شرط على الكاتب شروطًا في هذه الخطبة، ألزمه معرفتها وكان الكتاب مختلفي الطبقات، منهم من تلزمه معرفة تلك الأشياء، ومنهم من يختص ببعضها دون بعض. فإن علم غير ما هو مضطر إلى معرفته في صناعته، كان زائدًا في نبله، وإن جهله، لم يكن معنفًا على جهله، رأينا أن نذكر أصناف الكتاب، وما يحتاج إليه كل صنف منهم، مما يخص مرتبته، ما لا يسع واحدًا منهم أن يحتمله. ثم نذكر بعد ذلك آلة الكتاب التي يحتاجون إلى معرفتها، كالدواة والقلم ونحوهما. ونجري في ذلك كله إلى الاختصار، ليكون متممًا لفائد هذه الخطبة وبالله التوفيق.
[ ١ / ١٣٥ ]
=====
[ ١ / ١٣٦ ]