وأما كاتب اللفظ، وهو المترسل، فيتحاج إلى الاستكثار من حفظ الرسائل والخطب، والأمثال والأخبار والأشعار، ومن حفظ عيون الحديث يدخلها في تضاعيف سطوره متمثلًا إذا كتب. ويصل بها كلامه إذا حاور.
[ ١ / ١٣٩ ]
ولا بأس باستعمال الشعر في الرسائل اقتضابا وتمثلًا. وإنما يحسن ذلك في مكاتبة الأكفاء، ومن دونهم، ويكره ذلك في مخاطبة الرؤساء، والجلة من الوزراء، لأن محلهم يكبر عن ذلك، إلا أن يكون الشعر من قرض الكاتب. فإن ذلك جائز له. وقد تسامح الناس في تلك، وخالفوا الرتبة القديمة.
ويحتاج الكاتب إلى معرفة مراتب المكاتبين عند من يكتب عنه، وما يليق بهم من الأوعية والعنوانات، على حسب ما تقتضيه مرتبة مخدومة بين مراتبهم، فينزل كل واحد منهم مرتبته اللائقة به.
ومراتب المكاتبين ثلاث: مرتبة من فوقك. ومرتبة من هو مثلك، ومرتبة من هو دونك. والمرتبة العليا تنقسم ثلاثة أقسام: فأعلاها مرتبة الخليفة ووزيره، ومن كان نظير الوزير عنده. ثم مرتبة الأمراء ومن جرى مجراهم، ممن هو دون الوزراء. ثم مرتبة العمال وأصحاب الدواوين. كذا قال ابن مقلة.
والواجب أن تجعل للخليفة مرتبة أرفع من كل مرتبة، وألا يشاركه فيها وزير ولا غيره.
والمرتبة الوسطى تنقسم ثلاثة أقسام أيضًا: فأعلاها: مرتبة الشريف من الأصدقاء، والعالم. والثانية: مرتبة الشيخ من الإخوان، الذي يجب توقيره، وإن لم يكن شريف ولا عالمًا. والثالثة: مرتبة الصديق إذا خلا من هذه الأحوال.
والمرتبة السفلى تنقسم ثلاثة أقسام أيضًا: فأعلاها مرتبة من قرب محله
[ ١ / ١٤٠ ]
من محلك. والثانية: مرتبة من لك رياسة عليه، ووليت عملًا هو من XXX فيه. والثالثة: مرتبة الحاشية، ومن جرى مجراهم من الأولياء والخدم.
ولكل طبقة من هذه الطبقات، مرتبة في المخاطبة، ومنزلة متى زيد عليها، أو قصر به عنها، ووقع في الأمور الخلل، وعاد ذلك بالضرر. وذلك أن الرئيس إذا قصر به عما يستحقه، أغضبه ذلك وأحنقه. والتابع متى زيد على استحقاقه أطغاه ذلك وأكفره. إلا أن يكون قد فعل في الخدمة ما يقتضي التنويه به ورفعه عن تلك المنزلة إلا منزلة أعلى منها.
وليس في هذه الطبقات من لا تعاب الزيادة في مخاطبته إلا الصديق وا لحبيب، فكل ما تخاطب به مما يمكن المودة، ويوطد الألفة، فإنه حسن وصواب.
فينبغي للكاتب أن ينزل كل واحد من هذه الطبقات في مرتبة تليق به، على قدر منزلته منه، وعلى ما جرت به عادة الكتاب في زمانه. فإن العادات تختلف اختلاف الأزمنة، فيستحسن أهل كل زمان لا يستحسنه غيرهم.
وللنساء مراتب في مخاطبتهن، ينبغي للكاتب أن يعرفها، فمن ذلك أنه لا ينبغي للكابت أن يدعو لهن بالكرامة، ولا بالسعادة، لأن كرامة المرأة وسعادتها موتها عندهن. ولا يقال لواحدة منهن: أتم الله نعمه عليك، لأنهن ينكرن أن يكون شيء عليهن. ولا يقال: جعلني الله فداءك، ولا قدمني إلى الموت قبلك، لأن هذا يجري مجرى المغازلة. ولا يقال لوا حدة منهن: بلغني الله أملي فيك لاستقباحهن أن يكون شيء فيهن.
[ ١ / ١٤١ ]
وبالجملة فينبغي للكاتب إليهن، أن يتجنب كل لفظة يقع فيها اشتراك ويمكن أن تتأول على ما يقبح. فإن ذلك يعد من حذقه ونبله.