[١] مسألة:
قال في هذا الباب: "قالوا: وجدت في الغضب موجدة، ووجدت في الحزن وجدا، ووجدت الشيء وجدانًا ووجودًا. وافتقر فلان بعد وُجد، بضم الواو".
[ ٢ / ١٤٣ ]
(قال المفسر): قد قال بعد هذا في باب ما جاء فيه ثلاث لغات من [بنات الثلاثة]، الوجد والوُجد والوِجد: من المقدرة، فأجاز فيها الفتح، والضم، والكسر. وكذلك قال يعقوب، وباللغات الثلاث قرأ القراء: (أسكنوهن من حيث سكنتم من وُجدكم).
[٢] مسألة:
وقال في هذا الباب: "وجب القلب وجيبا ووجبت الشمس وجوبًا، ووجب البيع جبة".
(قال المفسر): قد حكى ثلب في البيع وجوبًا وجبة.
[٣] مسألة:
وقال في هذا الباب: "أويت له مأوية وأية: أي رحمته وأويت إلى بني فلان آوى أويا. وآويت فلانًا إيواء".
[ ٢ / ١٤٤ ]
(قال المفسر): قد قال في باب فعلت وأفعلت باتفاق معنى: "أويته وآويته: بمعنى، وأويت إلى فلان: مقصور لا غير".
[٤] مسألة:
قال في هذا الباب: "سكرت الريح تسكر سكورًا: أي سكنت بعد الهبوب، وسكرت البثق أسكره سكرا: إذا سددته، وسكر الرجل يسكر سكرًا وسكرًا".
(قال المفسر): هذا مخالف لترجمة الباب، لأنه ترجم الباب بالمصادر المختلفة عن الصدر الواحد، وهذان صدران مختلفان، أحدهما: فعل مفتوح العين، والثاني فعل مكسور العين. فإن احتج له محتج بأنه أراد أنهما فعلان متفقان في أنهما ثلاثيان وإن اختلفا في كسر العين وفتحها، انتقض عليه ذلك. فإنه قد ذكر في هذا الباب: بلى وأبلى، وحمى وأحمى، وسفر وأسفر، ونزع ونازع، وعجز وعجز. وهذه كلها صدور مختلفة، بعضها ثلاثي وبعضها رباعي وبعضها أكثر من ذلك.
[ ٢ / ١٤٥ ]
وقد ذكر أيضًا في هذا الباب: "فرس" جواد: بين الجودة والجودة، وهذا مصدر لا صدر له. والذي ينبغي أن يعتذر له به، أن يقال: إنها وإن اختلفت أوزانها، فهي مشتقة من أصل واحد، وبعضها متشبث ببعض، فلم يمكن أن يُذكر واحد منها دون صاحبه.
[٥] مسألة:
وقال في هذا الباب: "غار الماء يغور غورًا، وغارت عينه تغور غئورًا وغار على أهله يغار غيرة، وغار أهله: بمعنى مارهم يغيرهم غيارًا. وغار الرجل: إذا أتى الغور وأنجد بالألف. وغارني الرجل يغيرني ويغورني: إذا أعطاك الدية، غيرة. وجمعها: غير".
(قال المفسر): قد قالوا: غارت الشمس غئورًا وغيارًا. قال امرؤ القيس:
فلما أجن الشمس عني غيارها نزلت إليه قائمًا بالحضيض
وقال أبو ذؤيب:
هل الدهر إلا ليلة ونهارها وإلا طلوع الشمس ثم غيارها
وقد حكى ابن قتيبة في كتاب الأبنية: الغير، والغار في الغيرة.
وأنشد لأبي ذؤيب:
[ ٢ / ١٤٦ ]
لهن نشيج بالنشيل أنها ضرائر حرمى تفاحش غارها
وقد قالوا: غرت في الغار والغور أغور غورًا وغئورًا. حكاه اللحياني، وحكى أيضًا: أغار بالألف: إذا أتى الغور، وكان يروى بيت الأعشى:
نبي يرى مالا ترون وذكره أغار لعمري في البلاد وأنجدا
وكان الأصمعي لا يجيز أغار، وكنا يروى بيت الأعشى:
لعمري غار في البلاد وأنجدا
وعلى قوله: عول ابن قتيبة:
وكان ينبغي لابن قتيبة أن يذكر أغار هاهنا مع غار، كام ذكر أحمي مع حمى، وأبلى مع بلى، فتركه ذلك إخلال برُتبه الكتاب.
[ ٢ / ١٤٧ ]
[٦] مسألة:
وقال في هذا الباب: "وقبلت المرأة القابلة قِبالة".
(قال المفسر): وهذا غير معروف، إنما المعروف قبلت القابلة الولد قبالة: أخذته من الوالدة، كذا حكى اللغويون. وأغفل أيضًا، قبل الرجل الشيء، بفتح الباء، قبالة، بفتح القاف: إذ ضمنه، فهو قبيل.
[٧] مسألة:
وقال في هذا الباب: "خطبت المرأة خطبة حسنة، وخطبت على المنبر خطبة. الأولى بالكسر، والثانية بالضم، وجعلهما جميعًا مصدرين".
(قال المفسر): قال أبو العباس ثعلب: الخطبة بالكسر: المصدر، والخطبة بالضم: اسم ما يخطب به. وقال ابن درستويه: الخطبة والخطبة: اسمان، لا مصدران، ولكنهما وضعا موضع المصدر. ولو استعمل مصدراهما على القياس لخرج مصدر ما لا يتعدى فعله منهما على (فعول)، فقيل خطب خطوبًا، ولكان مصدر المتعدى منهما على (فعل) كقولك: خطبت المرأة خطبًا، ولكن ترك استعمال ذلك لئلا يلتبس بغيره، ووضع غيره في موضعه، مما يغني عنه، ولا يلتبس بشيء.
[ ٢ / ١٤٨ ]
قال: والخطبة، بالكسر: اسم ما يخطب به في النكاح خاصة. والخطبة، بالضم: ما يخطب به في كل شيء. قال: ودليل ذلك ما روي عن النبي ﷺ، قالوا: (كان رسول الله ﷺ يعلمنا خطبة النكاح) كذا روى بضم الخاء.
[٨] مسألة:
وقال في هذا الباب: رأيت في المنام (رؤيا) ورأيت في الفقه (رأيا)، ورأيت الرجل (رؤية).
(قال المفسر): هذا الذي ذكره هو المشهور. وقد قيل في رؤية العين، (رأى)، كما قيل في الفقه، و(رؤيا) كما قيل في النوم. قال الله تعالى: (يرونهم مثليهم رأي العين) وقال الراجز:
ورأى عيني الفتى أخاكا يعطي الجزيل فعليك ذاكا
وقال آخر، أحسبه الراعي:
ومستنبح تهوى مساقط رأسه على الرحل في طخياء طلس نجومها
رفعت له مشبوبة عصفت لها صبًا تزدهيها تارة وتقيمها
فكبر للرؤيا وهش فؤاده وبشر نفسًا كان قبل يلومها
واتبع أبو الطيب المتنبي الراعي فقال:
مضى الليل والفضل الذي لك لا يمضي ورؤياك أحلى في العيون من الغمض
[ ٢ / ١٤٩ ]
[٩] مسألة:
وقال في هذا الباب: "فاح الطيب يفوح فوحًا، وفاحت الشجة تفيح فيحًا".
(قال المفسر): قد حكى في باب فعل يفعل. ويفعل: "فاحت الريح تفوح وتفيح". وهذا يوجب أن يجوز في الطيب فيحًا أيضًا، وقد حكاها ابن القوطية في كتاب الأفعال. وقال الخليل: فاح المسك يفوح فوحًا وفئوحًا: وهو وجدانك الريح الطيبة، وفوح جهنم مثل فيحها وهو سطوع حرها.
[١٠] مسألة:
وقال في هذا الباب: "قنع يقنع قناعة: إذا رضى، وقنع يقنع قنوعًا: إذا سأل.
(قال المفسر): قد حكى ابن الأعرابي: قنوعًا في الرضا، حكاها ابن جني، وأنشد:
أيذهب مال الله في غير حقه ونظمأ في أطلالكم ونجوع
[ ٢ / ١٥٠ ]
أنرضى بهذا منكم ليس غيره ويقنعها ما ليس فيه قنوع
وأنشد أيضًا:
وقالوا: قد زهيت فقلت كلا ولكني أعزني القنوع
وذكر أن أبا الطيب المتنبي كان ينشد:
ليس التعلل بالآمال من أربى ولا القناعة بالإقلال من شيمي
قال: وكان مرة ينشد: (ولا القنوع بضنك العيش من شميي).
[١١] مسألة
وقال في هذا الباب "عرضت له الغول تعرض عرضًا وغيرها عرض يعرض".
(قال المفسر): هذا الذي قاله ابن قتيبة: قول كثير من اللويين. وقال يونس: أهل الحجاز يقولون: قد عرض لفلان شر، يعرض: تقديره: (علم يعلم)، وتميم تقول: عرض، تقديره: ضرب.
ولقائل أن يقول إن الذي ذكره يونس ليس بخلاف لما ذكره غيره، لأنه ذكر أن ذلك مستعمل في الشر. فيمكن أن يكون الأصل في الغول، ثم استعير في الشر كله، لأن الغول ضرب من الشر،
[ ٢ / ١٥١ ]
وحكى أبو عبيد في الغريب المصنف عن أبي زيد: عرضت له الغول وعرضت.
[١٢] مسألة:
وقال في هذا الباب: "جلوت السيف أجلوه جلاء، وجلوت العروس جلوة. وجلوت بصري بالكحل جلوًا".
(قال المفسر): قد قال في باب الممدود المكسور الأول: "جلاء المرآة والسيف". وقال فيه أيضًا: "والجلاء: مصدر جلوت العروس".
وأسقط من هذا الموضع، جلا القوم عن منازلهم جلاء، وأجلوا إجلاء، وأجليتهم وجلوتهم، وأجلوا عن القتيل إجلاء. وكان حكم هذا كله أن يذكره هاهنا.
[١٣] مسألة:
وقال في هذا الباب: "طاف حول الشيء يطوف طوفًا، وطاف الخيال يطيف طيفًا، وأطاف يطاف أطيافًا: إذا قضى حاجته (من الحدث) وأطاف به يطيف إطافة: إذا ألم به".
(قال المفسر): في هذا الموضع إغفال من ثلاث جهات، إحداها أنه قد ذكر في باب فعلت وأفعلت باتفاق المعنى: أنه يقال طافوا به،
[ ٢ / ١٥٢ ]
وأطافوا: لغتان، ولم يذكر هاهنا غير اللغة الواحدة. والثانية: أن طاف يقال في مصدره: طوف، وطواف، وطوفان. ويجوز فيه أيضًا: اطاف بالتشديد، يطاف أطيافًا.
وقد قرأ بعض القراء (فلا جناح عليه أن يطاف بهما)، ويقال أيضًا: تطوف تطوفًا. والثالثة: أن الخيال يقال فيه أيضًا مطاف، قال الشاعر:
أنى ألم بك الخيال يطيف ومطافه لك ذرة وشعوف
ويقال أيضًا: المطاف: بمعنى الطواف.
[١٤] مسألة:
وقال في هذا الباب: "حسر يحسر حسرًا من الحسرة، وحسر عن ذراعيه يحسر حسرًا".
(قال المفسر): قد قال في باب معرفة في الثياب واللباس: "حسر عن رأسه" فجعله في الرأس وحده، وجعله هاهنا في الذراعين خصوصًا.
وقال في باب معرفة في السلاح: "فإن لم تكن عليه درع فهو حاسر".
فجعله في الجسم كله، والصحيح أن الحسر مستعمل في كل شيء كشف عنه. فلذلك يقال: حُسر البحر عن الساحل وحكى الخليل:
[ ٢ / ١٥٣ ]
حسر الدابة بكسر السين تحسر حسرا وحسورا، وحسرتها أنا، بفتح السين حسرا، ويقال مثله في العين.