قال: وهي إذا كانت كذلك حذفت في الخفض والرفع نحو قول الله ﷿ (يوم ينظر المرء ما قدمت يداه). (لكم فيها دفء) و(ملء الأرض ذهبًا). وكذلك إن كنت في موضع نصب غير منون، نحو قوله ﷿ (يخرج الخبء) فإن كانت في موضع نصب منون، ألحقتها ألفًا، نحو قولك: أخجرت خبأ وأخذت دفأ.
(قال المفسر): تفريقه بين المنصوب المنون والمنصوب غير المنون، يوهم من يسمعه أن للهمزة صورة مع المنون، وذلك غير صحيح. لأن الألف في قولك: أخرجت خبأ، وأخذت دفئًا. ليست صورة الهمزة، إنما هي الألف المبدلة من التنوين، كالتي في قولنا: ضربت زيدًا.
وقد تحرز ابن قتيبة من هذا الاعتراض بعض التحرز، بقوله: ألحقتها ألفًا. ولم يقل جعلتها ألفًا.
ومما يبين لك ذلك أن الهمزة إنما تصور في معظم أحوالها بصورة الحرف الذي تنقلب إليه عند التخفيف، أو تقرب منه: فتكتب
[ ٢ / ١٢٨ ]
لؤم الرجل بالواو، لأنك لو خففتها لجعلتها بين الهمزة والواو. وتكتب (جؤنا) بالواو، لأنك لو خففتها لكانت واوًا محضة.
فلما كانت الهمزة في الخبء والدفء إذا خففت ألقيت حركتها على ما قبلها وحذفت، وكان الوقف يزيل حركتها، وجب ألا تكون لها صورة في الخط. وهذه العلة بعينها موجودة فيها إذا كانت في موضع تنوين. ألا ترى أنك إذا خففت خبئًا ودفئًا، قلت: خبا ودفا، كما نقول: الخب والدف.
فإن قال قائل: فإن من النحويين من يرى أن العلة التي من أجلها حذفت ولم يكن لها صورة في الخبء والدفء، أن الهمزة. إنما تدبرها حركة ما قبلها إذا كانت ساكنة أو حركتها في نفسها إذا كانت متحركة، إلا أن تعرض علة تمنع من أن تدبر بحركتها في نفسها فتدبر، أي تكتب حينئذ بحركة ما قبلها، مثل العلة العارضة في جؤن ومئر، لأنها لو دبرت ها هنا بحركتها في نفسها، لكانت ألفًا. ولا تصح الألف، إلا إذا انضم ما قبلها أو انكسرن فأدى ذلك إلى أن تدبر بحركة ما قبلها، فجعلت واو محضة في جؤن، وياء محضة في مئر. فما ينكر أن تكون الهمزة في الخبء والدفء لما كانت لا تثبت حركتها في الوقف، لم يجز أن تُدبر بحركتها في نفسها،
[ ٢ / ١٢٩ ]
ولم يكن قبلها حركة ندبرها، فسقطت صورتها. ولما كانت في أخذت خبأ، ورأيت دفئًا ثابتة الحركة، لا يزيلها الوقف، وجب أن تدبر بحركتها في نفسها، فتجعل ألفان ثم اجتمعت ألفان، الألف التي هي صورة الهمزة، والألف التي هي بدل من التنوين، فحذفت إحداهما. قيل له هذا الاعتلال ممكن أن يعلل به.
ولكن لا يخلو صاحب هذا الاعتلال من أن يكون حذف الألف التي هي صورة الهمزة، أو حذف التي هي بدل من التنوين. فلا يجوز أن تحذف التي هي بدل من التنوين عند أحد علمناه. فصح ن المحذوفة هي صورة الهمزة. فقد آل الأمر في التعليلين جميعًا أن الهمزة في خبء ودفء لا صورة لها في حال النصب والتنوين، كما لم يكن لها صورة في الرفع والخفض. ومع الألف واللام. وأن الألف المرئية في الخط إنما هي المبدلة من التنوين.
باب