[١] مسألة:
قال في هذا الباب: "قلوت اللحم والبسر، وقليت الرجل: أبغضته".
(قال المفسر): قد ذكر في باب فعلت في الياء والواو، بمعنى واحد: قلوت الحب، وقليته، وهو خلاف ما ذكره هاهنا.
[٢] مسألة:
وقال في هذا الباب: "حنوت .. عليه: عطفت، وحنيت العود، وحنيت ظهري. وحنوت: لغة".
(قال المفسر): قد ذكر في باب فعلت في الواو والياء بمعنى واحد: "حنوت العود وحنيته".
[٣] مسألة:
وقال في هذا الباب: "قُتل الرجل بالسيف، فإن قتله عشق النساء أو الجن لم يقل فيه إلا اقتتل".
[ ٢ / ١٥٦ ]
(قال المفسر): قتل يصلح في كل شيء. وكذلك قتل بالتشديد، فأما اقتتل فهو مختص بالعشق، قال جميل:
فقلت له قتلت بغير جرم وغب الظلم مرتعه وبيل
وقال امرؤ القيس:
أغرك مني أن حبك قاتلي وأنك مهما تأمري القلب يفعل
وقال جرير:
إن العيون التي في طرفها حور قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
[٤] مسألة:
وقال في هذا الباب: "تهجدت: سهرت، وهجدت: نمت".
(قال المفسر): قد حكى في باب تسميته المتضادين باسم واحد: الهاجد المصلى بالليل، وهو النائم أيضًا.
وقال في باب فعلت وفعلت بمعنيين متضادين: "تهجدت: صليت بالليل، ونمت". قال: وقال بعضهم: تهجدت: سهرت، وهجدت: نمت، قال لبيد:
قال هجدنا فقد طال السرى وقدرنا إن خنا الدهر غفل
[ ٢ / ١٥٧ ]
[٥] مسألة:
وقال في هذا الباب: "فرى الأديم: قطعه على جهة الإصلاح، وأفراه: قطعه على جهة الإفساد".
(قال المفسر): هذا قول جمهور اللغويين. وقد وجدنا فرى مستعملًا في القطع على جهة الإفساد.
قال الشاعر:
فرى نائبات الدهر بيني وبينها وصرف الليالي مثل ما فُرى البرد
وحكى أبو عبدي في الغريب المصنف عن الأصمعي: أفريت: شققت، وفريت: إذا كنت تقطع للإصلاح.
[٦] مسألة:
وقال في هذا الباب: "قسط في الجور، فهو قاسط، وأقسط في العدل، فهو مقسط".
(قال المفسر): هذا هو المشهور المستعمل الذي ورد به القرآن. قال الله تعالى: (وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا)، وقال (إن الله يحب المقسطين).
وحكى يعقوب بن السكيت في كتابه الأضداد عن أبي عبيدة: قسط:
[ ٢ / ١٥٨ ]
جار. وقسط: عدل، وأقسط بالألف: عدل لا غير، وهذا نادر.
[٧] مسألة:
وقال في هذا الباب "خفق الطائر: إذا طار، وأخفق: إذا ضرب بجناحيه ليطير".
(قال المفسر): قد قال في باب فعلت وأفعلت بمعنى واحد: خفق الطائر بجناحيه، وأخفق: إذا طار، فجعلهما سواء.
[٨] مسألة:
وقال في هذا الباب: "أتبعت القوم: لحقتهم. وتبعتهم: سرت في إثرهم".
(قال المفسر): قد قيل تبع وأتبع: بمعنى واحد، حكى ذلك الخليل وغيره وقد يتكون بلحاق وبغير لحاق، وهو الصحيح. ويدل على أن تبع يكون بلحاق قول الشاعر، أنشده أبو العباس المبرد:
تبعنا الأعور الكذاب طوعا يزجى كل أربعة حمارا
فيا لهفي على تركي عطائي معاينة وأطلبه ضمارا
إذا الرحمن يسر لي قفولًا أحرق في قرى سولاف نارا
يعني بالأعور، المهلب بن أبي صفرة، وكان سار معه لحرب الخوارج:
[ ٢ / ١٥٩ ]
[٩] مسألة:
وقال في هذا الباب: "جُزت الموضع: صرت فيه، وأجزته: قطعته وخدفته".
قال امرؤ القيس:
فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى بنا بطن خبت ذي حقاف عقنقل
(قال المفسر): يقال: جاز الموضع يجوزه، وأجازه يجيزه، وجاوزه يجاوزه، وتجاوزه يتجاوزه: كل ذلك بمعنى قطعه وخلفه، هذا هو المعروف وهذا الذي فعله غير صحيح، ويدل على ذلك قولهم: جاز الرجل حده، وجاز قدره، وقول طرفة:
جازت البيد إلى أرحلنا آخر الليل بيعفور خدر
وقال أبو إسحاق الزجاج "جاز الرجل الوادي وأجازه: إذا قطعه ونفذه". قال: وقال الأصمعي: جزته: نفذته، وأجزته: قطعته." وحكى ابن القوطية: جاز الوادي جوازًا، وأجازه: قطعه وخلفه، وحكى عن الأصمعي، جازه: مشى فيه، وأجازه: قطعه وخلفه. وأظن ابن قتيبة أراد هذا الذي ذكره ابن القوطية عن الأصمعي. وقد
[ ٢ / ١٦٠ ]
بينا أنه غير صحيح، ويجب على هذا أن يكون جزت الموضع: سرت فيه (بالسين). وكذا في الغريب المصنف، ووقع في روايتنا في الأدب (بالصاد).
[١٠] مسألة:
وقال في هذا الباب: "أرهقت فلانًا: أعجلته، ورهقته: غشيته".
(قال المفسر): قال أبو علي البغدادي: قد يقال: رهقته وأرهقته بمعنى لحقته، وحكى الخليل: أرهقنا: أي دنا منا.
[١١] مسألة:
وقال في هذا الباب: "أسجد الرجل: إذا طأطأ رأسه وانحنى. وسجد: إذا وضع جبهته بالأرض."
(قال المفسر): قد قيل سجد بمعنى انحنى، ويدل على ذلك قوله تعالى (وادخلوا الباب سجدًا). ولم يؤمروا بالدخول على جباههم، وإنما أمروا بالانحناء. وقد يمكن من قال القول الذي حكاه ابن قتيبة،
[ ٢ / ١٦١ ]
أن يجعل سجدًا حالًا مقدرة، كما حكى سيبويه من قولهم: مررت برجل معه صقر صائدًا به غدًا، أي مقدرًا للصيد عازمًا عليه، ومثله قوله تعالى: (قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة)، ولكن قد جاء في غير القرآن مايدل على صحة ما ذكرناه. قال أبو عمرو الشيباني الساجد في لغة طيء: المنتصب، وفي لغة سائر العرب: المنحنى، وأنشد:
لولا الزمام اقتحم الأجاردا بالغرب أو دق النعام الساجدا
ويدل على ذلك أيضًا قول ميد بن ثور الهلالي:
فلما لوين على معصم وكف خضيب وأسوارها
فضول أزمتها أسجدت سجود النصارى لأحبارها
ولا يكون السجود إلا من سجد، وسجود النصارى إنما هو إيماء وانحناء. وقد قيل في قوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) إنه إنما كان إيماء على جهة التحية، لا سجودًا على الجباه.
[ ٢ / ١٦٢ ]
[١٢] مسألة:
وقال في هذا الباب: "أرهنت في المخاطرة، وأرهنت أيضًا: أسلفت، ورهنت في غير ذلك."
(قال المفسر): هذا قول الأصمعي، وأجاز غير الأصمعي رهنت وأرهنت في كل شيء، وأنشد لدكين بن رجاء الراجز:
لم أر بؤسًا مثل هذا العام أرهنت فيه للشقا خيتامي
وأنشد:
فلما خشيت أظافيرهم نجوت وأرهنتهم مالكا
وكان الأصمعي يقول وإنما الرواية: وأرهنهم مالكًا، يذهب إلى أنه فعل مضارع مبني على مبتدأ محذوف كأنه قال: نجوت وأنا أرهنهم، والجملة في موضع نصب على الحال كأنه قال: نجوت وهذه حالي.
[١٣] مسألة:
وقال في هذا الباب: "أوعيت المتاع: جعلته في الوعاء، ووعيت العلم: حفظته".
[ ٢ / ١٦٣ ]
(قال المفسر): قد قال في باب فعلت وأفعلت باتفاق معنى: وعيت العلم وأوعيته وأوعيت المتاع. وهو خلاف ما قاله هنا.
[١٤] مسألة:
وقال في هذا الباب: "أحصره المرض والعدو: إذا منعه من السفر. قال الله ﷿ (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي). وحصره العدو: إذا ضيق عليه."
(قال المفسر): هذا الذي قاله هو المشهور. وحكى أبو إسحاق الزجاج: من حصرك هاهنا؟ ومن أحصرك: بمعنى واحد.
[١٥] مسألة:
وقال في هذا الباب: أخلد بالمكان: إذا أقام به، وخلد يخلد خلودًا: إذا بقى."
(قال المفسر): قد قال في باب فعلت وأفعلت باتفاق المعنى: خلد إلى الأرض وأخلد: إذا ركن.
[١٦] مسألة:
وقال في هذا الباب: "أمددته بالمال والرجال، ومددت دواتي بالمداد. قال الله تعالى: (والبحر يمده من بعده سبعة أبحر)، هو من المداد
[ ٢ / ١٦٤ ]
لا من الإمداد، ومد الفرات، وأمد الجرح: إذا صارت فيه مدة."
(قال المفسر): قدقال بعد هذا في باب فعلت وأفعلت باتفاق المعنى: مددت الدواة وأمددتها وهو خلاف ما قاله هاهنا.
وقال في تاب آلات الكتاب: مددت الدواة أمدها مدادًا: إذا جعلت فيها مدادا. فإن كان فيها مداد، فزدت عليه قلت: أمددتها إمدادًا.
[١٧] مسألة:
قال في هذا الباب: "أجمع فلان أمره، فهو مجمع: إذا عزم عليه. قال الشاعر:
(لها أمر حزم لا يفرق مجمع)
"وجمعت الشيء المتفرق جمعا".
(قال المفسر): قد قال في باب فعلت وأفعلت باتفاق المعنى: أجمع القوم رأيهم، وجمعوا رأيهم. فأجاز اللغتين جميعًا في العزيمة. وقد قالوا: نهب مجمع: أي مجموع. قال أبو ذؤيب:
وكأنها بالجزع بين ينابع وأولات ذي العرجاء نهب مجمع
[ ٢ / ١٦٥ ]
فصح بهذا أن جمع وأجمع جائزن في كل شيء، إلا أن جمع في ضم المتفرق أشهر، وأجمع في العزيمة على الشيء أشهر.
[١٩] مسألة:
وقال في هذا الباب: "أجبرت فلانًا على الأمر فهو مجبر، وجبرت العظم فهو مجبور".
(قال المفسر): قد حكى أبو إسحاق الزجاج وغيره: جبرت الرجل على الأمر، وأجبرته: إذا أكرهته عليه، ومنه قيل للفرقة التي تقول بالإجبار، جبرية، وجبرية لا تكون إلا من جبر.
[٢٠] مسألة:
وقال في هذا الباب: "يقال لكل ما حبسته بيدك مثل الدابة وغيره: وقفته، بغير ألف، وما حبسته بغير يدك: أوقفته. يقال: أوقفته على الأمر. وبعضهم يقول: وقفته، بغير ألف، في كل شيء."
(قال المفسر): قد قال بعد هذا في باب ما لا يهمز والعوام تهمزه: وقفته على ذنبه. وأنكر قول العامة: أوقفته بالألف. فإذا كان صحيحًا جائزًا، فلم جعله هناك من لحن العامة؟ وإن كان اعتقد أن وقفته أفصح من أوقفته، فكان ينبغي أن يذكره في باب ما جاء فيه لغتان، استعمل الناس أضعفهما، ولا يشغل بال قاريء كتابه بأن يجيز له شيئًا في موضع من كتابه، ويمنعه منه في موضع آخر. وفي كتابه أشياء كثيرة من هذا النحو قد مر بعضها، وسترى بقيتها فيما نستأنفه إن شاء الله تعالى.
[ ٢ / ١٦٦ ]
وقال أبو إسحاق الزجاج: وقفت الدابة، وأوقفته، بالألف، لغة ردية جدًا، وقال الخليل وقفت بالموضع وقوفًا، ووقفت الأرض والدابة وقفًا: حبستهما، ووقفت الرجل على الأمر، ولا يقال: أوقفته، إلا في مثل قولك للرجل: ما أوقفك هاهنا، إذا رأيته واقفًا.
[٢١] مسألة:
وقال في هذا الباب: "أصحت السماء، وأصحت العاذلة، وصحا من السكر."
(قال المفسر): أما السماء فلا يقال فيها إلا أصحت بالألف، وأما السكر فلا يقال فيه إلا صحا بغير ألف، وأما العاذلة فيقال فيها: صحت وأصحت، فيشبه ذهاب العذل عنها تارة، بذهاب الغيم عن السماء. وتارة بذهاب السكر عن السكران، وأما الإفاقة من الحب، فلم أسمع فيه إلا صحا، بغير ألف، كالسكر سواء، قال جرير:
أتصحوا أم فؤادك غير صاح عشية هم صحبك بالرواح
وقال كثير:
صحا قلبه يا عز أو كاد يذهل وأضحى يريد الصرم أو يتبدل
[ ٢ / ١٦٧ ]
باب