[٢] مسألة:
وقال في هذا الباب: (وكل من: مقطوعة في كل حال وأما ٠ ممن ومما) فموصولتان أبدا).
(قال المفسر): هذا تناقض منه، لأنه قد قال في صدر الباب: تكتب فيمن ترغب؟ فتصل للاستفهام. وإنما أتى هذا من سوء العبارة.
وكان الصواب أن يقول: وكل (مَنْ) إذا كانت خبرًا غير استفهام فهي مقطوعة أبدًا، إلا ممن وعمن، فإنهما موصولتان، وإن كانتا لغير الاستفهام من أجل الادغام. وإن كان أراد أن هذه الكلمة التي هي (كل) إذا أضيفت إلى (مَنْ) فهي مقطوعة، فهو كلام صحيح، لا اعتراض فيه. وأظنه هذا أراد.
باب
(لا) إذا اتصلت
قال في هذا الباب: (تكتب أردت ألا تفعل ذاك، وأحببت ألا تقول ذاك. ولا تظهر (أن) ما كانت عاملة في الفعل. فإذا لم تكن عاملة في الفعل، أظهرت أن، نحو علمت ألا تقول ذاك وتيقنت ألا تذهب).
(قال المفسر): في هذا الفصل ثلاثة أقوال للنحويين. أحدها: الذي قاله ابن قتيبة. والثاني: أنها تظهر إذا أدغمت في اللام بغنة ولا تظهر إذا أدغمت بغير غنة. وهذا القول ينسب إلى الخليل.
[ ٢ / ١٢١ ]
والقول الثالث: أنها تكتب منفصلة على كل حال. والذي ذكره ابن قتيبة أحسن الأقوال. غير أنه يحتاج إلى زيادة في البيان، ليعلم الموضع الذي يلزم فيه نصب الفعل، والموضع الذي يرفع فيه، وحينئذ يبين الموضع الذي يظهر فيه (أن) والموضع الذي لا يظهر فيه.
* * *
أعلم أن (أن) المشددة وضعت للعمل في الأسماء، وأن المخففة وضعت للعمل في الأفعال المستقبلة. فما دامتا على أصل وضعهما، فلا لبس بينهما، لأن أحداهما مشددة - والثانية مخففة، وإحداهما تعمل في السماء، والثانية في الأفعال.
ثم إن المشددة يعرض لها في بعض المواضع التخفيف، وإضمار اسمها، فلا يظهر في اللفظ، ويعرض لها عند ذلك أن يليها الفعل، كما يلي المخففة في أصل وضعها، فيقع اللبس بينهما، فيحتاجان إلى ما يفصل بينهما، والفصل بينهما يكون من وجهين:
أحدهما: أن المخففة من الشديدة تقع قبلها الأفعال المحققة، نحو علمت، وأيقنت، وتحققت، والناصبة للفعل تقع قبلها الأفعال التي ليست محققة، نحو رجوت وأردت وطمعت.
والوجه الثاني: أن المخففة من المشددة يلزمها العوض من المحذوف منها، والعوض أربعة أشياء: السين، وسوف، وقد، ولا، التي للنفي، كقولك: حلمت أن سيقوم، وأيقنت أن سوف يخرج، وتحققت أن قد ذهب. وما يعترضني شك في أن لا يفعل. وإنما لزم وقوع الأفعال المحققة قبل المخففة من المشددة، والأفعال غير المحققة
[ ٢ / ١٢٢ ]
قبل الناصبة للفعل، لأن (أن) المشددة إنما دخلت في الكلام لتحقيق الجمل وتأكيدها. فوجب أن يقع قبلها ل فعل محقق، لأنه مشاكل لها، ومطابق لمعناها.
ولما كانت (أن) الناصبة للفعل، إنما وضعت لنصب الأفعال المستقبلة، والفعل المستقبل ممكن أن يكون، وممكن أن لا يكون، وجب أن يقع قبلها كل فعل غير محقق، لأنه موافق لمعناها، فإذا وقع قبلها الظن والحسبان، جاز أن تكون المخففة من الشديدة، وجاز أن تكون الناصبة للفعل، لأن الظن خاطر يخطر بالنفس، فيقوى تارة، ويضعف تارة. فإذا قوى وكثرت شواهده ودلائله، صار كالعلم، ولذلك استعملت العرب الظن بمعنى العلم.
وإنما قلنا: إن إظهار (أن) في الخط إذا كانت مخففة من المشددة، وترك إظهار غير المخففة هو القياس، لأن سبيل ما يدغم في نظيره أو مقاربه ألا يكون بينه وبين ما يدغم فيه حاجز، من حركة ولا حرف، لأنه إذا كان بينه وبينه حاجز، بطل الإدغام. ولذلك لزم ألا يدغم شيء في مثله أو مقاربه، حتى تسلب عنه حركته، لأن الحركة تحول بينهما إذا كانت رتبة الحركة (أن) بعد الحرف.
فلما كان اسم (أن) المخففة من الشديدة مضمرًا بعدها، مقدرًا معها، صار حاجزًا بينها وبين (لا)، فبطل إدغام النون من (أن) في لام (لا) لأجل ذلك.
ولما كانت (أن) الناصبة للأفعال ليس بعدها شيء مضمر، باشرت النون لام (لا) مباشرة المثل للمثل، والمقارب للمقارب. فوجب إدغامها فيها، فانقلبت إلى لفظها، فلم يجز ذلك ظهورها في الخط.
[ ٢ / ١٢٣ ]