باب
من الهجاء
[١] مسألة:
قال في هذا الباب: "تكتب "إذا" بالألف، ولا تكتب بالنون، لأن الوقوف عليها بالألف، وهي تشبه النون الخفيفة في مثل قول الله تعالى: (لنسفعًا بالناصية). و(ليكونا من الصاغرين). إذا أنت وقفت، وقفت على الألف، وإذا وصلت، وصلت بنون.
وقال الفراء: ينبغي لمن نصب بإذن الفعل المستقبل، أن يكتبها بالنون، فإذا توسطت الكلام فكانت لغوًا كتبت بالألف.
قال ابن قتيبة: وأحب إليّ أن تكتبها بالألف في كل حال، لأن الوقوف عليها بالألف في كل حال".
(قال المفسر): قد اختلف الناس في (إذن) كيف ينبغي أن تكتب، فرأى بعضهم أن تكتب بالنون على كل حال، وهو رأي أبي العباس المبرد. ورأى قوم أن تكتب بالألف على كل حال، وهو رأي المازني. ورأى الفراء أن تكتب بالنون إذا كانت عاملة، وبالألف إذا كانت ملغاة.
وأحسن الأقوال فيها قول المبرد. لأن نون (إذن) ليست بمنزلة التنوين، ولا بمنزلة النون الخفيفة، فتُجرى مجراهما في قلبها ألفًا. إنما هي أصل
[ ٢ / ١٢٤ ]
من نفس الكلمة، ولأنها إذا كتبت بالألف أشبهت (إذًا) التي هي ظرف، فوقع اللبس بينهما. ونحن نجد الكتاب قد زادوا في كلمات ما ليس فيها، وحذفوا من بعضها ما هوا لفرق بينها وبين ما يلتبس بها في الخط، فكيف يجوز أن تكتب (إذا) بالألف، وذلك مؤد إلى الالتباس بإذا.
وقد اضطربت آراء الكتاب والنحويين في الهجاء، ولم يلتزموا فيه القياس، فزادوا في مواضع حروفًا خشية اللبس، نحو واو عمرو، وياء أوخى وألف مائة وحذفوا في مواضع ما هو في نفس الكلمة، نحو خالد ومالك، فأوقعوا اللمس بما فعلوه، لأن الألف إذا حذفت من خالد صار (خلدًا)، وإذا حذفت من مالك، صار (ملكًا)، وجعلوا كثيرًا من الحروف على صورة واحدة، كالدال والذال، والجيم والحاء والخاء، وعولوا على النقط في الفرق بينها، فكان ذلك سببًا للتصحيف الواقع في الكلام. ولو جعلوا لكل حرف صورة لا تشبه صورة صاحبه، كما فعل سائر الأمم، لكان أوضح للمعاني وأقل للالتباس والتصحيف. لذلك صار التصحيف للسان العربي أكثر منه في سائر الألسنة.
[٢] مسألة:
وقال في آخر هذا الباب: "وتكتب: فرأيكما وفرأيكم، فإن نصبت رأيك، فعلى مذهب الإغراء، أي: فرأيك، وإن رفعت، لم ترفع على مذهب الاستفهام، ولكن على الخبر، (وكبتت،
[ ٢ / ١٢٥ ]
[موفقًا إن أردت الرأي وموفقين، إن أردت الرجلين] وإن كتبت إلى حاضر فنصبت (فرأيك) لم يجز أن تنصب رأي الأمير، لأنه بمنزلة الغائب، ولا يجوز أن تُغرى به".
(قال المفسر): كذا وقع في النسخ وهو خطأ لأن الغائب يغرى به الحاضر، وإنما الممتنع من الجواز أن يغري الغائب بغيره. ألا ترى أنك تقول: عليك زيدًا. فيجوز أن يكون زيد حاضرًا وغائبًا والصواب أن يقول: ولا يجوز أن يغري. وأما زيادة قوله (به) فمفسر لما أراده، ومحيل له من الصواب إلى الخطأ.
باب