[١] مسألة:
أنشد في هذا الباب لجرير:
أعطوا هنيدة يحدوه ثمانية ما في عطائهم من ولا سرف
ثم قال بإثر البيت: السرف: الخطأ.
(قال المفسر): يريد أن السرف الذي يراد به الإكثار
[ ٢ / ٩٤ ]
والإفراط، لا يصلح هاهنا، لأن الممدوح لا يمدح بأنه لا يكثر العطاء، وإنما يمدح بأنه يكثر ويفرط. ولذلك يشبه الشعراء الممدوح بالبحر والمطر، ألا ترى إلى قول حبيب:
له خلق نهى القرآن عنه وذاك عطاؤه السرف البدار
فلما استحال أن يحمل البيت على هذا، حمل على أنه أراد السرف الذي معناه الخطأ، ومعناه على هذا أنهم لا يخطئون فيضعون النعمة في غير موضعها، وهذا نحو قول الآخر:
إن الصنيعة لا تكون صنيعة حتى تصيب بها طريق المصنع
وذهب يعقوب إلى أن السرف في هذا البيت بمعنى الإغفال. وحكى أن إعرابيا واعد قوما في موضع، ثم أخلفهم، فلاموه على ذلك، فقال: مررت بكم فسرفتكم. وهذا نحو مما قال ابن قتيبة فمعناه على قول يعقوب أنهم لا يغفلون أمر من قصدهم، وعول على جودهم.
وأما أبو حاتم فتأول بيت جرير على السرف الذي هو الإكثار، وقال: معناه أنهم لا يستكثرون ما يهبون، ولكنهم يرونه قليلًا. فتقديره
[ ٢ / ٩٥ ]
على قوله: ما في عطائهم منٌ ولا سرف عندهم، أو في اعتقادهم، ونحو ذلك، ثم حذف.
[٢] مسألة:
وقال في هذا الباب: "الفئام: جماعة الناس"
(قال المفسر): كذا رويناه عن أبي علي بالهمز. وحكاه أبو بكر ابن دريد بغير همز، وذلك وقع في كتاب العين غير مهموز. وقد يقال فِيام وفَيام (بالكسر والفتح).
[٣] مسألة:
وقال في هذا الباب: "والركب أصحاب الإبل، وهم العشرة ونحو ذلك".
(قال المفسر): هذا الذي قاله ابن قتيبة، قد قاله غير واحد من اللغويين.
وحى يعقوب أن عمارة بن عقيل قال: لا أقول راكب إلا لراكب البعير خاصة. وأقول: فارس وبغال وحمار. ويقوى هذا الذي قاله، قول قريط العنبري.
ليت لي بهم قومًا إذا ركبوا شنوا الإغارة فرسانا ووحدانا
[ ٢ / ٩٦ ]
والقياس يوجب أن هذا غلط، والسماع يعضد ذلك. ولو قالوا؛ إن هذا هو الكثر في الاستعمال لكان لقولهم وجه. وأما القطع على أنه لا يقال راكب ولا ركب إلا لأصحاب الإبل خاصة، فغير صحيح، لأنه لا خلاف بين اللغويين في أنه يقال: ركبت الفرس وربت البغل وركبت الحمار. واسم الفاعل من ذلك راكب. وإذا كثرت الفعل قلت ركاب وركوب. وقد قال الله تعالى: "والخيل والبغال والحمير لتركبوها" فأوقع الركوب على الجميع، وقال امرؤ القيس:
إذا ركبوا الخيل واستلأمو تحرقت الأرض واليوم قر
وقال زيد الخيل لطائي:
وتركب يوم الروع فيها فوارس بصيرون في طعن الأباهر والكلى
وقال ربيعة بن مقروم الضبي:
فدعوا نزال فكنت أول نازل وعلام أركبه إذا لم أنزل
وهذا كثير في اشعر وغيره. وقد قال الله تعالى (فرجالًا أو ركبانًا)
[ ٢ / ٩٧ ]
وهذا اللفظ لا يدل على تخصيص شيء من شيء، بل اقترانه بقوله: فرجالًا يدل على أنه يقع على لك ما يُقل على الأرض. ونحوه قول الراجز:
بنيتة بعصبة من ماليا أخشى ركيبًا أو رجيلًا عاديًا
فجعل الركب ضد الرجل. وضد الرجل يدخل فيه راكب الفرس وراكب الجمل وغيرهما. وقول ابن قتيبة أيضًا: إن الركب: العشرة ونحو ذلك غلط آخر، لأن الله تعالى قال: "والركب أسفل منكم" يعني مشركي قريش يوم بدر، وكانوا تسع مائة، وبضعة وخمسين، والي قاله يعقوب في الركب هوا لعشرة فما فوقها، وهذا صحيح، وأظن أن ابن قتيبة أراد ذلك فغلط في النقل.
معرفة في الآلات
[١] مسألة:
قال ابن قتيبة في هذا الباب: (الذواوع: زقاق الخمر ولم أسمع لها بواحد) ز
(قال المفسر): حكى أبو علي البغدادي عن أبي بكر بن الأنباري أن واحدها ذارع. وأنشد غيره لعبد بني الحسحاس:
[ ٢ / ٩٨ ]
سلافة دن لا سلافة ذارع إذا صب منه في الزجاجة أزبدا
[٢] مسألة:
وقال في هذا الباب: (يقال نصاب السكين والمدية، وجزأة الإشفي والمخصف).
(قال المفسر): ذكر صاحب كتاب العين أن الجزأة تكون للسكين. وحكى جزأت السكين وأجزأتها. وذكر مثل ذلك أبو عمر المطرز وقال: يقال: للسين المجزأة. وقد ذكرناها في الكتاب الأول، والنصاب أيضًا يستعمل في أصل كل شيء.
وقد قال ابن قتيبة في باب السيف: (والسيلان من السكين والسيف جميعًا: الحديدة التي تدخل في النصاب). فجعل النصاب للسيف أيضًا. وأنشد أبو العباس المبرد.
أقول لثور وهو يحلق لمتى بعقفاء مردود عليها نصابها
يعني الموسى.
[ ٢ / ٩٩ ]
[٣] مسألة:
وقال في هذا الباب: (والكر: الحبل يصعد به على النخل، ولا يكون كرا إلا كذلك).
(قال المفسر): هذا الذي قاله ابن قتيبة قد قال مثله أبو عبيد. وقال صاحب كتاب العين: الكر: الحبل الغليظ ولم يخص حبلًا من حبل. وقد قال العجاج يصف سفينة:
لأيا ينائيها عن الجئور جذب الصراريين بالكرور
وينائيها: يباعدها ويصرفها. والجئور: الجور عن طريقها.
معرفة في اللباس والثياب
[١] مسألة:
قال في هذا الباب: (حسر عن رأسه، وسفر عن وجهه، وكشف عن رجليه).
(قال المفسر): كلامه هذا يوهم من يسمعه، أن الحسر لا يستعمل إلا في الرأس، وقد قال في باب المصادر المختلفة عن الصدر
[ ٢ / ١٠٠ ]
الواحد: حسر عن ذراعيه. وقد قال في الباب الذي بعد هذا الباب (فإن لم يكن عليه درع فهو حاسر). وهذا كله تخليط وقلة تثقيف للكلام. وكذلك الكشف لا يخص الرجلين دون غيرهما من الأعضاء. وكل شيء نُزع عنه ما عليه فقد كشف. وهذا الذي قاله، قد قاله غيره، ولكن كان يجب له ألا يتشاغل به.
فأما السفر والسفور، فلا أعلمه مستعملًا في شيء من الأعضاء سوى الوجه: فأما من غير الأعضاء، فإنه مستعمل في كل شيء. قال العجاج
سفر الشمال الزبرج المزبرجا
والزبرج: السحاب الذي تحمله الريح. وقال ابن دريد لا يقال له زبرج حتى يكون فيه حمرة.
معرفة في السلاح
قال في هذا الباب: (ويقال عصيت بالسيف فأنا أعصى به:
[ ٢ / ١٠١ ]
إذا ضربت به، وعصوت بالعصا، فأنا أعصو: إذا ضربت بها. والأصل في السيف مأخوذ من العصا، ففرقوا بينهما).
(قال المفسر): هذا الذي ذكره، قد ذكره غيره، وهو المشهور. وحكى الخليل: عصى بسيفه: إذا ضرب به ضربه بالعصا. ولغة أخرى: عصا به يعصو. وحكى نحو ذلك الكساني ويقال أيضًا: اعتصى يعتصي، قال الشاعر:
ولكننا نأبى الظلام ونعتصي بكل رقيق الشفرتين مصمم
معرفة في الطير
قال في هذا الباب: (القارية والقواري: جمعها، وهي طير خضر تتيمن بها الأعراب).
(قال المفسر): العرب تتيمن بالقواري، وتتشاءم بها. أما تيمنهم بها، فلأنها تبشر بالمطر، إذا جاءت وفي السماء مخيلة غيث، ولذلك قال النابغة الجعدي:
فلا زال يسقيها ويسقى بلادها من المزن رجاف يسوق القواريا
[ ٢ / ١٠٢ ]
وأما تشاؤمهم بها فإنه يكون إذا لقي أحدهم واحدة منها في سفره من غير غيم ولا مطر. قال الشاعر:
أمن ترجيع قارية تركتم سباياكم وأبتم بالعناق
يوبخ قوما غزوا فغنموا. فلما انصرفوا غانمين، سمعوا صوت قارية، فتركوا غنيمتهم وفروا.
[٢] مسألة:
وقال في هذا الباب: (الوطواط: الخطاف، وجمعه: وطاوط.
(قال المفسر): قد ذكر الخليل نحو ما ذكره ابن قتيبة. وأما أبو حاتم فقال في كتاب الطير: الواطواط: الخفاش. قال: وقال بعضهم: الخفاش الصغير. والوطواط: العيم.
معرفة
في الهوام والذباب وصغار الطير
[١] مسألة:
قال في هذا الباب: "الحرباء: أبكر من العظاءة شيئًا. يستقبل الشمس ويدور معها كيف دات، ويتلون ألوانا بحر الشمس".
[ ٢ / ١٠٣ ]
(قال المفسر): هذا الذي ذكره هاهنا، هو المشهور من أمر الحرباء: وقد ذكر في باب ذكور ما شهر منه الإناث، أن "الحرباء ذكر أمحبين". وذكر في هذا الباب أن حبين: ضرب من العظاء، منتنة الريح. وذكر غيره - وأحسبه كراعا - أن أم حبين دويبة لها أجنحة مختلفة الألوان، تدخلها تحت قشرتين، فيجتمع إليها الصبيان إذا وجدوها، ويقولون:
أم حبين انشرى برديك إن الأمير ناظر إليك
وضارب بالسوط منكبيك
فإن ألحوا عليها نشرت أجنحتها.
[٢] مسألة:
وقال في هذا الباب: "والحلكاء (بفتح الحاء والمد): ذويبة تغوص في الرملن كما يغوص طائر الماء في الماء".
(قال المفسر): لم يعرف أبو علي البغدادي الحلكاء، بفتح الحاء والمد" وحكى في الممدود والمقصور: والحلكى بضم الحاء وتشديد
[ ٢ / ١٠٤ ]
اللام وفتحها، والقصر، شحمة الأرض، نغوص في الرمل، كما يعوص طائر الماء في الماء، حكاها عن أبي الدقيش الأعرابي.
[٣] مسألة:
قال في هذا الباب: (والدلدل: عظيم القنافذ، وهو الشيهم أيضًا).
(قال المفسر) قد ذكر في باب ما شهر منه افناث، أن الشيهم، ذكر القنافذ، وكذا في كتاب العين.
معرفة في الحية والعقرب
[١] مسألة:
قال في هذا الباب: (رزباني العقرب: قرناها).
(قال المفسر): هذا الكلام يوهم من سمعه أن قرني العقرب جميعًا يقال لهما زباني. وإنما الزباني أحد قرني العقرب وهو اسم مفرد مبني على (فعالى) مقصورة، كقولهم: جمادى وحبارى. فإذا أردت قرنيها جميعًا قلت: زبانيان. وكذلك الزبانيان من النجوم. إنما هو كوكبان مفترقان، بينهما أكبر من قامة الرجل في رؤية العين ويسميهما أهل الشام: يدي العقرب واحدها زباني، ويقال زباني الصيف، لأن سقوطها في زمن تحرك الحر، قال ذو الرمة.
[ ٢ / ١٠٥ ]
قد زفرت للزباني من بوارحها هيف أنشت بها الأصناع والخبار
وقال أيضًا يصف ريحًا:"
حدتها زباني الصيف حتى كأنما تمد بأعناق الجمال الهوازم
وكان الواجب أن يقول: زباني العقرب: قرنها. أو يقول: زبانيا العقرب: قرناها، فيوقع الإفراد مع الإفراد، والتثنية مع التثنية.
الأسماء المتقاربة في اللفظ والمعنى
[١] مسألة:
قال في هذا الباب: "النضخ أكثر من النضح. ولا يقال من النضخ فعلت".
(قال المفسر): هذا الذي قاله، قول كثير من اللغويين. وقد حكى صاحب كتاب العين، نضح ثوبه بالطيب. وقد حكى أبو عبيد
[ ٢ / ١٠٦ ]
في الغريب عن أبي زيد: نضحت عليه الماء أنضح بالخاء غير معجمة. ونضخ عليه الماء ينضخ بالخاء المعجمة. واختار ما ذكر ابن قتيبة، وقد قال الله تعالى: (فيهما عينان نضاختان). فعال: من أبنية المبالغة، ولا يبنى إلا من فعل.
وقد اختلف في النضح والنضخ، فقيل: النضح بالحاء غير معجمة: ما كان رشا خفيفا، والنضخ بالخاء معجمة: ما كثر حتى يبل. وقيل النضح بالحاء غير معجمة في كل شيء رقيق كالماء ونحوه. والنضخ بالخاء معجمة: في كل شيء ثخين نحو العسل والرب.
[٢] مسألة:
وقال في هذا الباب: "الخضم بالفم، والقضم بأطراف الأسنان".
[ ٢ / ١٠٧ ]
المفسر): قد قيل إن الخضم: أكل الرطب، وأن أكل اليابس.
وذكر ابن جني - ﵀- أن العرب اختصت اليابس بالقاف. والرطب بالخاء، لأن في القاف شدة، وفي الخاء رخاوة، وذكر أشياء من هذا النحو مما حاكت فيه العرب المعاني بالألفاظ.
ولعمري إن العرب ربما حاكت المعنى باللفظ الذي هو عبارة عنه في بعض المواضع، ويوجد ذلك تارة في صفة الكلمة، وتارة في إعرابها. فأما في الصفة فقولهم للعظيم اللحية: لحياني. وكان القياس أن يقول: لحيي. وللعظيم الرقبة: رقباني. والقياس رقبي. وللعظيم الجمة: جماني. والقياس جمي. فزادوا في الألفاظ على ما كان ينبغي أن يكون عليه، كما زادت المعاني الواقعة على نظائرها. وكذلك يقولون: صر الجندب: إذا صوت صوتًا لا تكرير فيه. فإذا كرر الصوت قالوا: صرصر.
وأما محاكاتهم المعاني بإعراب الكلمة دون صيغها، فإنا وجدناهم يقولون: صعد زيد الجبل، وضرب زيد بكرًا. فيرفعون اللف، كما ارتفع المعنى الواقع تحته، ولكن هذا قياس غير مطرد. ألا تراهم قالوا: أسد وعنكبوت، فجعلوا اللفظين مخالفين للمعنيين. وقالوا: زيد مضروب، فرفعوه لفظًا، وهو منصوب معنى.
وقالوا: مات زيد، وأمات الله زيدًا، وأحدهما فاعل على الحقيقة،
[ ٢ / ١٠٨ ]
والآخر فاعل على المجاز. فإذا كان الأمر على هذا السبيل، كان التشاغل بما تشاغل به ابن جني عناء لا فائدة فيه.
[٣] مسألة:
وقال في هذا الباب: (الرجز: العذاب. والرجس: الفتن).
(قال المفسر): هذا قول الكسائي: وكثير من اللغويين. وقال أبو الحسن الأخفش: الرجز: هو الرجس بعينه. والذي حكى ابن قتيبة هو الوجه.
[٤] مسألة:
وقال في هذا الباب: (الغلط في الكلام. فإن كان في الحساب فهو غلت).
(قال المفسر): هذا الذي قاله هو الأشهر. وقد جاء الغلط في الحساب.
والوجه في هذا أن يقال: إن الغلط عام في كل شيء أخطأ افنسان وجهه، عن غير تعمد منه ولا قصد، والغلت في الحساب وحده.
ويروى أن أعرابيًا دخل على المساور بن هند يسأله، فتشاغل عنه، ثم سعل وضرط، وكره أن يسمع الأعرابي ضرطته فجذب السفط، وقال لكاتبه: غلطنا في حساب الخراج، فأعده، ليوهم الأعرابي
[ ٢ / ١٠٩ ]
أن الصوت الذي سمع إنما كان صوت السفط، فخرج الأعرابي وقال:
أتيت المساور في حاجة فما زال يسعل حتى ضرط
وحك قفاه بكرسوعه ومسح عثنونه وامتخط
وقال غلطا حساب الخراج فقلت من الضرط جاء الغلط
[٥] مسألة:
وقال في هذا الباب: (رجل صنع: إذا كان بعمده حاذقًا. وامرأة صناع، ولا يقال للرجل صناع).
(قال المفسر): قد حكى أبو عبيد: رجل صناع، وامرأة صناع، مثل فرس جواد: للذكر والأنثى. ويقال: هو صنع اليدين، بكسر الصاد، وسكون النون، قال الشاعر:
ورجا موادعتي وأيقن أنني صنع اليدين بحيث يكوى الأصيد
[ ٢ / ١١٠ ]
باب