هذا الباب أجاز فيه ابن قتيبة أشياء كثيرة، منع منها فيما تقدم من كتابه، قد ذكرناها في مواضعها.
وذكر في هذا الباب: "هرقت الماء وأهرقته". وهذا الذي قاله قد قاله بعض اللغويين ممن لا يحسن التصريف، وتوهم أن هذه الهاء في هذه الكلمة أصل، وهو غلط، والصحيح أن هرقت وأهرقت فعلان رباعيان معتلان، أصلهما: أرقت، فمن قال هرقت، فالهاء عنده بدل من همزة أفعلت، كما قالوا: أرحت الماشية وهرحتها، وأنرت الثوب وهترته، ومن قال أهرقت، فالهاء عنده عوض من ذهاب حركة عين الفعل عنها، ونقلها إلى الفاء، لأن الأصل أريقت، أو أروقت، بالياء أو بالواو، على الاختلاف في ذلك، ثم نقلت حركة الواو أو الياء إلى الراء، فانقلبت حركة العلة ألفًا، لانفتاح ما قبله، ثم حذف لسكونه وسون القاف. والساقط من أرقت يحتمل أن يكون واوًا، فيكون مشتقًا من راق الشيء يروق، ويحتمل أن يكون ياء، لأن الكسائي حكى راق الماء يريق: إذا انصب، والدليل على أن الهاء في هرقت وأهرقت ليست فاء الفعل، على ما توهم من ظنها كذلك، أنها لو كانت كذلك للزم أن يجري هرقت في تصريفه مجرى ضربت. فيقال: هرقت أهرق، كما تقول: ضربت أضرب ضربًا، أو مجرى غيره من الأفعال الثلاثية
[ ٢ / ٢٤٢ ]
التي يجيء مضارعها بضم العين، وتجيء مصادرها مختلفة، وكان يلزم أن يجري أهرقت في تصريفه مجرى أرمت ونحوه من الأفعال الرباعية، الصحيحة، فيقال: أهرقت أهرق إهراقًا، كما تقول: أكرمت أكرم كراما، ولم تقل العرب شيئًا من ذلك، وإنما يقولون في تصريف هرقت أهريق فيفتحون الهاء، وكذلك يفتحونها في اسم الفاعل، فيقولون مهريق، وفي اسم المفعول: مهراق، لأنها بدل من همزة لو ثبتت في تصريف الفعل لكانت مفتوحة، ألا ترى أن لو صرفت أرقت على ما ينبغي من التصريفن ولم تحذف الهمزة منه، لقلت في مضارعه يؤريق، وفي اسم فاعله: مؤريق، وفي اسم مفعوله مؤراق. وقالوا في المصدر: هراقة، كما قالوا إراقة. وذا صرفوا أهرقت قالوا في المضارع: أهريق، وفي المصدر إهراقة، وفي اسم الفاعل مهريق، وفي اسم المفعول مهراق، فأسكنوا الهاء في جميع تصريفا لكلمة، فهذا يدل على أنه فعل رباعي معتل وليس بفعل صحيح، وأن الهاء فيه بدل من همزة أرقت، أو عوض كما قلنا. قال العديل بن الفرخ:
فكنت مهريق الذي في سقائه لرقراق آل فوق رابية صلد
وقال ذو الرمة:
فلما دنت إهراقة الماء أنصتت لأعزلة عنها وفي النفس أن أثنى
وقال الأعشى في أراك:
في أراك مرد تكاد إذا ما ذرت الشمس ساعة تهراق
[ ٢ / ٢٤٣ ]
[١٠] مسألة:
ذكر ابن قتيبة في هذا الباب أفعالًا على زنة فعل مضمومة العين، وهي: وقح الحافر وخلق الثوب، وملح الماء، ونتن الشيء، ومرع الوادي، ورحبت الدار، وأفعالا مكسورة العين وهي: ألفت المكان، ونكرت القوم، ونعم الله بك عينا، وجدب الوادي، وخصب، ووبئت الأرض، وحطبت، وعشبت، وضبعت الناقة، ولحقته، وقويت الدار، وزكنت الأمر، وخطئت، وردفته. وفي بعض هذه الأفعال لغتان: الضم والفتح، وهو مرع الوادي ومرع، ومنها ما فيه الضم والكسر، وهو رحبت الدار ورحبت ولم يكن غرضي في ذكر هذه الأفعال الرد على ابن قتيبة، لإدخاله إياها في باب (فعل) المفتوح العين، وإنما ذكرتها لأني رأيت كثيرًا من المستورين في هذه الصناعة، المنتحلين لها، يصرفونها كلها إلى الفتح. وقد وقعت إلى نسخ كثيرة من هذا الكتاب، مقروءة على قوم مشهورين، ووجدت أكثر هذه الألفاظ فيها مبشورة مصلحة، ورأيت قومًا يعتقدون أن ابن قتيبة غلط في إدخالها في باب (فعل) المفتوح العين. وهذا الذي اعترضوا به غير صحيح، لأن الأفعال الماضية كلها كيفما تصرفت صيغها، يجوز أن يعبر عنها بفعل، وإنما تراعى مقابلة الحركات بالحركات والسواكن بالسواكن في موضع آخر غير هذا، وشهرة هذا عند العارفين بصناعة التصريف تغنينا عن إطالة القول فيه.
[ ٢ / ٢٤٤ ]
باب