وأما كاتب الجيش فيحتاج إلى المعرفة بالحساب، إلى أن يعرف الأطماع وأوقاتها، وحلى الناس وكيف تؤخذ. ومن يحلى ممن لا يحلى ويعرف الأرزاق وما يتوفر منها، والأطماع: هي الرواتب الجارية على الجند، في الأوقات التي يستحقونها فيها، على ما يقتضيه كل زمان.
وأما الحلي: فأن يصف كل واحد بحليته، التي بها ينفصل عن غيره، وكانت الرتبة القديمة في ذلك عند الكتاب، أن يذكر الرجل في يمنة الورقة وينسب إلى بلده أو ولايته، فيقال: فلان الرومي أو العربي أو نحو ذلك. ثم يذكر جاريه المرتب له تحت اسمه ويفصل فصل يسير، ثم يكتب يسرة الورقة بعد ذلك الفصل، سنه. فيقال: شاب، أو كهل، أو مراهق. ولا يقال: شيخ ولا صبي. ثم يذكر قده، فيقال: ربعة إلى الطول وربعة إلى القصر، فإن كان غير طويل ولا قصير، قيل: مربوع. وكانوا لا يقولون: طويل ولا قصير على الإطلاق، لأن الطول والقصر من باب الضاف. فالطويل: إنما يكون طويلًا بالإضافة إلى من هو أقصر منه. والقصير: وإنما يكون قصيرًا بالإضافة إلى من هو أطول منه، فكان قولهم: ربعة إلى الطول، وربعة إلى القصر، أحوط في تصحيح المعاني. ثم يذكر لونه فيقال: أسود، أو دم، أو أسمر، تعلوه حمرة إذا كان أشقر أو أبيض.
[ ١ / ١٤٨ ]
وكانوا لا يقولون: أبيض ولا أشقر لأن البياض والشقرة، مما كانت العرب يعير بهما بعضهم بعضا. وكانوا يسمون البيض والشقر: العبيد والحمران وبنى حمراء العجان وصهب السبال، ويهجنون من كان منهم، إذا عرف فيه عرق منهم.
ويروى أن إبراهيم بن هشام بن إسماعيل بن هشام بن المغيرة القرشي، خطب إلى عقيل ابن علقة بنته، لبعض بنيه- وكان أحمر أبيض اللون فردده وقال:
رددت صحيفة القرشي لما أبت أعراقه إلا احمرارًا
ثم يذكر الجبهة وأوصافها من ضيق، أو رحب، أو جلح، أو صلع أو غضون، ويذكر الحاجبين بما فيهما من قرن أو بلج أو زجج، ثم العينين بما فيهما من كحل، أو زرقة، أو سهل، أو خوض، أو جحوظ، أو غئور، أو حور، أو حول، أو عور، ونحو ذلك.
[ ١ / ١٤٩ ]
ثم يذكر الأنف بما فيه من قنا، أو فطس، أو خنس، أو ورود أرنبة، أو انتشاء.
ثم يذكر الأسنان بما فيها من درد أو شغًا، أو فلج، أو سواد، ونحو ذلك.
ويذكر الشفة وما فيها من علم أو فلج أو تقلص. ويذكر الشامات والخيلان، وآثار الضرب والطعن.
وكان الاعتماد عندهم من هذه الحلي على ما لا يتغير، ولا ينتقل، مثل الفطس والزرقة والطول والقصر. فإن ذكر غير ذلك كان حسنا وزيادة في الإيضاح. وإن اقتصرت على بعض ذلك أجزأ وكفى.
ويحتاج أيضًا كاتب الجيش إلى أن يعرف شيات الخيل وصفاتها. وقد ذكر ابن قتيبة من ذلك ما فيه الكفاية.
ولا يجوز للكاتب أن يذكر حلية قائد ولا أمير ولا نحوهما من المشهورين، لأن شهرتهم تغني عن حليتهم. ثم يذكر عددهم، ومبلغ جاريهم في آخر الصحيفة، ويكتب إلى الخازن بجملة واجبهم إلى مجلس العطاء، وتخرج الصحف بالأسماء والحلي ومبلغ الجاري إلى المنفقين مع المال، فيتولون عرضهم،
[ ١ / ١٥٠ ]
ويعطي من صحب حليته منهم، ويرفع الحساب بما يعطونه، أو ما يتوفر من واجب من لم تصح حليته منهم.
فعلى هذه الرتبة كان العمل قديمًا. ولكل زمان ودولة أحكام، ورتب ليست في غير ذلك الزمان وغير تلك الدولة.
فينبغي لكاتب أن يكون عمله بحسب ما قد استحسنه أهل زمانه، واستقر عليه العمل وقته وأوانه.