أمور الأحكام جارية في شريعة الإسلام على أربعة أوجه: حكم القضاء، وهو أجلها وأعلاها. ثم حكم المظالم ثم حكم الديوان: وهو حكم الخراج ثم حكم الشرطة.
فينبغي لكاتب القاضي أن يكون عارفًا بالحلال والحرام، وبصيرًا بالسنن والأحكام. وما توجبه الألفاظ، وأقسام الكلام، ويكون له حذق ومهارة بكتب الشروط والإقرارات، والمحاضر والسجلات.
وقد ذكر الناس في أوضاعهم من هذه المعاني ما فيه كفاية. غير أنا نذكر من ذلك نكتًا يسيرة:
[ ١ / ١٥١ ]
فجملة الشروط: أن يذكر المشترط عليه بأسمائهما وأنسابهما، وتجارتهما إن كان تاجرين، وصناعتهما إن كانا صانعين، وأجناسهما وأسماء بلدانهما. ثم يذكر الشيء الي وقع فيه الشرط. فإن كان بيعًا، ذكر البيع ووصفه، وحدد المبيع إن كان فيما يحدد. ثم ذكر الثمن ومبلغه ونقده ووزنه، والقابض منهما والمقبوض منه. وتفرقهما بعد الرضا على رأي من يرى ذلك من الفقهاء. ثم ضمن- البائع الدرك للمشتري.
وإن كان إجارة، ذكر الإجارة، ومدتها، والشيء المستأجر. وحدد ما يجب أن يحدد منه، ووصف ما لا يحدد، وذكر مدة الإجارة، وجعلها على شهور العرب دون غيرها. وذكر مال الإجارة، ووقت وجوبه وقبض المستأجر ما استؤجر عليه، ورضاه بذلك، وتفرقهما بعد الرضا، على رأي من يرى ذلك.
وإن كان فيما استؤجر نخل أو شجر، أتى بذلك وذكر مواضعه من الأرض، وجعله في آخر الكتاب معاملة ومساقاة بجزء من الثمر، إذ لا يجوز غير ذلك في الأحكام، وضمن المؤاجر الدرك للمستأجر، على رأي من يرى التضمين في ذلك.
وإن كان صلحًا، ذكر ما وقع فيه الصلح. وإن كان براءة وصفها، وذكر ما تبرأ منه. وإن كانت البراءة بعوض، ذكر العوض. وإن كان إقرارًا بدين، ذكر مبلغه، وهل هو حال أو مؤجل. وإن كان مؤجلًا، ذكر أجله ووقت حلوله، وحدد ذلك بالشهور العربية.
وإن كان وكالة، سمي الوكيل ونسبه، وذكر ما وكل فيه من خصومه،
[ ١ / ١٥٢ ]
أو منازعة، أو قبض، أو صلح، أو بيع، أو شراء، أو غير ذلك، مما تقع الوكالة فيه. وقرر الوكيل بالقبول.
وإن كان رهنًا، ذكر أولًا الدين في صدر الكتاب ووقت محله ثم ذكر الرهن، وسماه، ووصفه، وحدد ما يجب تحديده منه. ثم قرر المرتهن على قبض ذلك. وإن وكله على بيعه عند حلول أجله، وذكر ذلك بعد الفراغ من ذكر الدين والرهن.
وإن كان وصية، قرر الموصي بعد تسميته إياه في صدر الوصية، ثم ذكر أنه أوصى بكذا وكذا، وبدأ بالدين، وقرره على مبلغه. ثم ذكر الوصية بعد الدين. ثم ذكر تسبيل ذلك في الوجه الذي سبل فيه. وذكر الموصى إليه وسماه، وقرره على القبول إن كان حاضرًا. ثم يؤرخ ذلك بالشهور العربية. ثم يوقع الشهادة على المشترطين والمشترط. عليهم، وأن ما عقدوه على أنفسهم كان في صحة منهم، وجواز من أمرهم. وأنهم أقروا بذلك طوعًا بعد فهمه، ومعرفة ما فيه.
وأما المحاضر، فإن الكاتب يكتب: حضر القاضي رجلان، فادعى أحدهما على صاحبه بكذا، فأقر له. ويكتب الأسماء والأنساب والتاريخ وإن لم يكن القاضي يعرفهما بأسمائهما ونسبهما قال: ذكر رجل أنه فلان ابن فلان، ويصفه ويحليه. وذكر رجل أنه فلان بن فلان، ويصفه
[ ١ / ١٥٣ ]
ويحليه أيضًا. فادعى فلان، أو الذي ذكر أنه فلان، أو على الذي ذكر أنه فلان: كذا وكذا، فأقر له بذلك.
وإن كانت وكالة قال: فذكر أنه وكل فلان بن فلان، ويذكر ما وكله فيه، ويقول: وحضر فلان بن فلان، فذكر أنه وكل فلان بن فلان، ويذكر ما وكله [فيه]، فقبل ذلك منه، وتولاه له.
وإن أحضر المدعى كتابًا يريد أن يثبته بحق أو بيع أو غير ذلك، قال: وأحضر معه كتابًا ادعى على فلان بن فلان، أو الذي ذكر أنه فلان بن فلان، ما فيه نسخته كذا. ويقول وأحضر من الشهود فلا بن فلان، وفلان بن فلان، وادعى شهادتهما له بما تضمنه الكتاب الذي أحضره، فسألهما القاضي عما عندهما في ذلك، فشهدا أن فلان بن فلان أشهدهما على نفسه في صحة منه، وجواز من أمره، بما سمى فيه ووصف عنه، فقبل القاضي شهادتهما بذلك وأمضاها. وإن أراد القاضي أن يسجل بذلك، وليس يجوز أن يسجل إلا على من قد عرف، فليذكر في صدر الكتاب تسجيل القاضي، ويسميه وينسبه في مجلس قضائه، ويقول: وهو يلي القضاء، لفلان بن فلان على فلان، كذا، ويذكر لقبه، والناحية التي استقضاه عليها، وحضور من حضره، ونسخة الكتاب الذي ادعى عنده ما فيه، ويذكر شهادة الشاهدين فيه. ثم يقول: فأنفذ القاضي الحكم، مما ثبت عنده من إقرار فلان بجميع ما سمى، وصف في الكتاب المنسوخ في صدر هذا التسجيل بشهادة الشاهدين المذكورين فيه، وحكم بذلك وأمضاه: بعد أن سأله فلان
[ ١ / ١٥٤ ]
ابن فلان ذلك. ثم يشهد عليه بإنفاذ جميع ذلك، ويؤرخ الكتاب بالوقت الذي يقع التسجيل فيه.
فهذه جملة من هذا الشأن مقنعة.
وينبغي للكاتب أن يحتاط على الألفاظ، فلا يذكر لفظًا فيه اشتراك، مثل استعمال كثير من أصحاب الشروط، في موضع ذكر التسليم، أن يقولوا بغير دافع ولا مانع، فيوقعونه مكان قولهم: بلا دافع ولا مانع، ويظنون أن غيرًا ها هنا تنوب مناب (لا)، إذا كانت جحدًا، وليس الأمر كذلك، لأن «لا» حرف جحد، لا يحتمل في هذا الموضع إلا معنى واحد، و«غير» قد يكون بمعنى الكثرة، كقولك: لقيت فلانًا غير مرة، وجاءني غير واحد من الرجال، بمعنى لقيته أكثر من مرة واحدة، وجاءني أكثر من واحد من الرجال. فإذا قال الكاتب بغير دافع جاز أن يتأول متأول أنه أراد أكثر من دافع واحد. فإذا قال: بلا دافع، كان أسلم من التأويل، وأصح بمعنى الكلام.