وأما كابت صاحب الديوان، فيحتاج مع ما قدمناه من الأوصاف، أن يكون عارفا ًبأصول الأموال، التي تجلب إلى بيت المال، وأقسام وجوهها، وأحكام الأرضين ووظائفها وأملاك أهليها، وما يجوز للإمام أن يقطعه منها، ووجوه تفرقة الأموال وسبلها. وما يجوز في ذلك مما لا يجوز، وما جرت به العادة، مما هو خارج عن أحكام الشريعة، مبتدع في حكم الرياسة.
ووجوه الأموال ثلاثة: فئ، وصدقة، وغنيمة.
والفئ ينقسم خمسة أقسام: أحدها: ما أفاد الله على رسوله وعلى المسلمين، مما يوجد في بلاد المشركين بعد فتحها، مثل كنز النخيرجان الذي وجد بعد فتح الأهواز وما جرى مجراه.
والثاني: ما أفاء الله على رسوله ﷺ وعلى المسلمين من أموال أهل البلاد الذين أجلاهم الرعب ولم يقاتلوا، فلم يوجف عليه بخيل ولا ركاب.
[ ١ / ١٥٦ ]
والثالث: الأرضون التي صالح عليها أهلها بشيء يؤدون في كل عام.
والرابع: الأرضون التي فتحت عنوة، وأقرت بأيدي أهلها، وجعلوا عمالًا للمسلمين فيها، وضرب عليهم فيها الخراج، كما فعل عمر ﵁ بالسواد.
والخامس: جزية أهل الذمة.
وأما الصدقة فهي الزكاة الواجبة على المسلمين. وقد اختلف الفقهاء في الأصناف التي تجب فيها الزكاة اختلافًا يطول ذكره، وعلى من تجب الزكاة، وعلى من لا تجب. فينبغي لكاتب الديوان أن يعلم ذلك، ويتفقه فيه.
وأما الغنيمة: فهو ما غنمه المسلمون من بلاد المشركين أو عساكرهم.
وفي أحكام الديوان أمور كثيرة، تخالف أحكام القضاء، ولهذا فصل حكم الديوان من سائر الأحكام. وذلك أن صاحب الديوان يحكم بالخطوط التي يجدها في ديوانه، ويلزم من تنسب إليه بها الأموال إذا عرفت، والحكام لا يفعلون ذلك، ويمضي ضمان الثمار والعلات وأبواب المال وسائر وجوه الجبايات، ولا يمضي ذلك الفقهاء، لأن تضمن الغلة قبل الحصاد، ضرب من المخابرة التي نهى عنها، وبيع الثمار قبل ظهور صلاحها من بيع الغرر وبيع ما لا يملك، وقد نهى عن ذلك.
[ ١ / ١٥٧ ]
وأبواب الأموال من الجوالي وغيرها، فيها خلاف أيضًا لما توجبه الأحكام، لأن (الجوالي) مال على رقاب بأعيانها. ومتى مات واحد منهم قبل محل ما عليه أو أسلم بطل كان ما يلزمه، ووجوه الجبايات: من الأسواق، والعراض والطواحين على الأنهار، التي لا ينفرد بمكلها إنسان من المسلمين دون سائرهم، مخالفة أيضًا لما توجبه أحكام الشريعة. وجميع ذلك جائز عند الكتاب على مذاهب أحكام الخراج.
ولأجل هذا رأى قوم من الكتاب أن يجعلوا مكان تضمين الغلات، تضمين الأرض. وكانوا يتأولون في ضمان الأرحاء، أن ماءها ماء الخراج، فيجعلون الجباية منها، لما كانت مشتركة بين المسلمين. وأصحاب الدواوين كانوا يجعلون تاريخ الخراج بحساب الشمس، لا بحساب القمر، لأن الشهور القمرية تنتقل. والشمسية لا تنتقل.
وكان كثير من الكتاب إذا ذكروا الحساب الشمسي، يزيدون في ذلك أن يقولوا: ويوافق ذلك من شهور العرب شهر كذا، من سنة كذا، من سنى الهجرة، إذ كان التاريخ عند الحكام بالسنين العربية دون الأعجمية.
[ ١ / ١٥٨ ]