[١] مسألة:
قال في هذا الباب: "الدخان: جمعه دواخن، وكذلك العثان جمعه عواثن ولا يعرف لهما نظير. والعُثان: الغبار".
[ ٢ / ٦٤ ]
(قال المفسر): هذا الذي قاله ابن قتيبة، قد قاله جماعة من اللغويين والنحويين. وكان القياس أن يقال: أدخنة وأعثنة. كما يقال في جمع غراب: أغربة. وقد جاء الدخان مجموعًا على القياس في قول الخطل:
صفر اللحى من وقود الأدخنات إذا قل الطعام على العافين أو قتروا
فجمع دخانًا على أدخنة، وأدخنة على أدخنات.
وقال أبو جعفر بن النحاس: الدواخن: جمع داخنة، والدخن جمع دخان. وهذا الذي قاله هو القياس، لأن فواعل، إنما هي جمع فاعلة، كضاربة وضوارب. وقد حكى في جمع دخان: دخان (بكسر الدال) وهو نادر ذكره ابن جني. وعلى هذا روى بيت الفرزدق:
(عقاب زهتها الريح يوم دخان)
ومجاز هذا عندي في العربية: أن يقال: لما كان فعال وفعيل يشتركان في المعنى، فيقال، طوال وطويل، وجسام وجسيم، حُمل بعضها على بعض في الجمع: فقالوا: دخان ودخان كما قالوا: ظريف وظراف. وكذلك قياس من قال: طوال وظراف وجسام، (إذا كسر للجمع) أن يقول طوال وظراف وجسام، كما يفعل من يقول: طويل وظريف وجسيم وهذا يسمى التداخل. ونظيره أن (فعلًا) المفتوح الأول الساكن العين، بابه أن يكسر في الجمع القليل على أفعل، كفلس وأفلس. (وفعل) المفتوح الفاء والعين بابه أن يكسر
[ ٢ / ٦٥ ]
على أفعال في العدد القليل، نحو جمل وأجمال. ثم إن فعلا وفعلا لما اشتركا في المعنى الواحد - وتداخلا، فقالوا: شعر وشعر وتهر ونهر، حمل بعضهما على بعض في الجمع، فقالوا: زمن وأزمن، كما قالوا: فلس وأفلس. وقالوا: فرخ وأفراخ، كما قالوا: جمل وأجمال. ولهذا نظائر كثيرة من التكسير.
وأما قوله: والعثان: الغبار. فصحيح. وقد يكون العثان أيضًا: الذخان. وانشد أبو رياش
(ليبلغ أنف العود ما عثن الجمر)
[٢] مسألة:
وقال في هذا الباب: "البلصوص: طائر وجمعه (البلنصي) على غير قياس".
(قال المفسر): قد اختلف اللغويون في هذين الاسمين، أيهما الواحد وأيهما الجمع؟ فقال قوم: البلصوص: هو الواحد، والبلنصي: الجمع. وقال آخرون: بل البلنصي: هو الواحد، والبلصوص: الجمع. وقال قوم: البلصوص: الذكر، والبلنصي: الأنثى. ذكر ذلك ابن ولاد في كتابه في الممدود والمقصور، وأنشد:
[ ٢ / ٦٦ ]
"والبلصوص يتبع البلنصي"
وقياس البلصوص أن يقال في جمعه: بلاصيص، كما يقولون في زرجرون: زراجين. وفي قربوس: قرابيس. وياس البلنصي إذا كان واحدًا ثم كسر، أن يقال في جمعه: بلانص كما يقال في جمع قريني: قرانب. وفي جمع دلنظي: دلانظ في قول من حذف الألف. ومن حذف النون، فقياسه أن يقول بلاص، وقراب، ودلاظ.
[٣] مسألة:
وقال ابن قتيبة في هذا الباب: "الحظ: جمعه حظوظ وأحظ، على القياس وأحظ، وأحاظ، على غير قياس .. ".
(قال المفسر): قال أبو علي البغدادي: لا أعرف ما حكاه ابن قتيبة من قولهم: أحظ وحفظي حظ. وأحظ، (فأحظ) بضم الحاء وتشديد الظاء، (وحظوظ) على القياس. وعلى غير القياس: حظاء ممدود.
وحكى ذلك في المقصور والممدود عن أبي زيد، عن بعض العرب، وقال: فألقى الظاء، وجعل مكانها ياء، ثم همزها حيث جاءت غاية بعد ألف، يريد أنهم جمعوا حظًا على حظاظ، ثم فعلوا ما زعم. فوجه القياس عندي في جمع حظ على أحظ، مثل أدل، وحظاء مثل
[ ٢ / ٦٧ ]
دلاء: أن يقال: إنه جاء على لغة من يبدل من أحد الحرفين المثلين ياء نحو قولهم: قصيت أظفاري، أي قصصتها. وقول العجاج:
إذا الكرام ابتدروا الباع بدر تقضي البازي إذا البازي سر
وقول أبي زبيد:
خلا إن العتاق من المطايا حسين به فهن إليه شوس
وقول كثير:
تزور امرأ أما الإله فيتسقى وأما بفعل الصالحين فيأتمى
فلما أراد جمع حظ، وقد توهم أن الظاء الثانية منه تبدل ياء، صار حظ عنده في الجمع مثل ظبي وجدي فقال: أحظ وحظاه، كما يقال: أظب وظباء، واجد وجداء.
وأقيس من هذا أن يكون حظاء: جمع حظوة، لأن معناها كمعنى الحظ. فيكون حظوة وحظاء، كبرمة وبرام، وجفرة وجفار. فإذا أمكن فيه مثل هذا، لم يحتج إلى تكلف الشذوذ.
[ ٢ / ٦٨ ]
وليس يمتنع أن يكون أحظ المنقوصة، وحظاء، جمع حظوة (المكسورة الحاء)، وهي لغة في حظوة (المضمومة الحاء)، لأنا وجدنا العرب، قد أجرت ما فيه هاء التأنيث في الجمع مجرى ما لا هاء فيه. فقالوا: كلبة وكلاب، كما قالوا: كلب وكلاب. وقالوا: أمة وآم كما قالوا: عصا وأعص. وقالوا رحبة ورحاب، كما قالوا: جمل وجمال. فعلى هذا يقال في جمع حظوة حظاء، كما قالوا في بئر: بئار. ويقال حظوة وأحظ، كما يقال: شدة وأشد، ونعمة وأنعم.
باب