[١] مسألة:
قال ابن قتيبة في هذا الباب:"ومنه في المثل: لاتكن حلوا فتسترط، ولا مرًا فتعقى. يقال: قد أعقى الشي: إذا اشتدت حرارته.
(قال المفسر): المعروف فتعقى (بفتح القاف) أي تمج وتطرح من الأفواه. وهو مشتق من العقوة وهي الفناء. ومعناه تطرح بالفناء لمرارتك. وتفسير ابن قتيبة يدل على سر القاف. وقد وقف عيه أبو علي فقال: هكذا قرأته، ولا معنى له عندي.
(قال المفسر): من رواه بكسر القاف، فله عندي تأويلان:
[ ٢ / ٩١ ]
أحدهما: أن يكون معناه: لاتكن مرًا فتصير بالعقوة لمرارتك، فيكون من باب أفعل الشيء إذا صار كذلك، أو أصابه ذلك. وقد ذكره ابن قتيبة.
والثاني: أن يكون من باب اجتزائهم يذكر السبب عن ذكر المسبب لأن المرارة هي سبب الطرح. فاكتفى بذكرها عن ذكر الطرح، فيكون كقول الشاعر، وهو جزء بن ضرار أخو الشماخ:
وأنبئت قومي أحدث الدهر فيهم وعهدهم بالحادثات قريب
فإن ي حقًا ما أتاني فإنهم كرام إذا ما النائبات تنوب
ولم يرد أنهم كرام في هذه الحال دون غيرها. وإنما المعنى، فسيصبرون لكرمهم فاكتفى بذكر الكرم الذي هو سبب الصبر، عن ذكر المسبب عنه، الذي هو الصبر.
وأنا أحسب قولهم: أعقى الشيء: إذا اشتدت مرارته راجعًا إلى هذا المعنى، لأن شدة مرارته سبب لأن يطرح بالعقوة. وكلام العرب أكثره مجاز وإشارة إلى المعاني. لذلك غمض كثير منه على من لم يتمهر فيه.
ويجوز أن يكون مشتقًا من العقى: وهو ما يخرج من بطن المولود. فيكون معنى تعقى على هذا تستقذر، فتصير كالعقى فافهم.
[ ٢ / ٩٢ ]
فروق في الأرواث
قال في هذا الباب "نحو السبع وجعره".
(قال المفسر): تخصيصه النجو هاهنا بأنه: للسبع غلط، وتناقض منه، لأنه قد قال في آخر باب تأويل كلام من كلام الناس. يستعمل، عند تكلمه في الاستنجاء إن النجو يكون من الإنسان.
وكذلك قال: إن حلقة الدبر تحتمل أن تسمى جاعرة لأنها تجعر أي تخرج الجعر ولم يخص سبعًا من غيره. وقد رُوى أن دغة التي يضرب بها المثل في الحمق، فيقال: أحمق من دغة، أصابها الطلق، وهو وجع الولادة، فظنته غائطًا، فنهضت لتحدث، فولدت فلما صاح المولود، فزعت، فأتت ضرتها، وقالت: يا هنتاه! هل يفتح الجعر فاه. قالت: نعم، ويدعو أباه. وعلمت أنها ولدت، فنهضت إلى المولود، فأخذته.
جحرة السباع ومواضع الطير
قال ابن قتيبة في هذا الباب: (يقال: لجحر الضبع: وجار،
[ ٢ / ٩٣ ]
ولجحر الثعلب والأرنب مكأ مقصور، ومكؤ".
(قال المفسر): قد يكون المكؤ والمكا، للحيات، أنشد أبو حاتم:
وكم دون بيتك من مهمه ومن حنش جاحر في مكا
وقال صاحب كتاب العين: المكو والمكا: مجثم الأرنب والثعلب ونحوهما.