[١] مسألة:
قال في هذا الباب: (التقريظ: مدح الرجل حيا والتأبين: مدحه ميتًا).
(قال المفسر): قد جاء التأبين في مدح الرجل حيا، إلا أنه قليل لا يكاد يعرف، أنشد يعقوب للراعي:
فرفع أصحابي المطي وأبنوا هنيدة فاشتاق العيون اللوامح
[٢] مسألة:
إن قال قائل: كيف سم ما ضمنه هذا الباب نوادر، والنوادر: هي الشواذ عن الاستعمال، وجمهور ما ضمنه هذا الباب ألفاظ معروفة مستعملة؟
فالجواب: أنه لم يذهب بتسميتها نوادر إلى ما ذهبت إليه، وإنما أراد أنها ألفاظ متفرقة من أبواب شتى، لم تنحصر كل لفظة منها مع ما يشاكلها تحت باب، كما انحصرت الألفاظ، التي ذكرها في سائر الأبواب. وكل شيء فارق نظيره وتحيز عنه بجهة ينفرد بها، فقد ندر عنه. ومنه قيل: ندرت النواة من تحت الحجر: إذا طارت، ففارقت أخواتها.
[ ٢ / ١١١ ]
[٢] مسألة.
وقال في هذا الباب: (دوم الطائر في الهواء: إذا حلق واستدار في طيرانه. ودرى السبع في الأرض: إذا ذهب).
(قال المفسر): هذا الذي ذكره قول الأصمعي، وأجاز غيره دوم في الأرض وهو صحيح، ومنه اشتقت الدوامة، وكل شيء استدار في هواء كان أو أرضن فهو دائم ومدوم. وفي الحديث: كره البول في الماء الدائم، وقال ذو الرمة:
حتى إذا دومت في الأرض أدركه كبر ولو شاء نجى نفسه الهرب
وقال أيضًا:
يدوم رقراق السراب برأسه كما دومت في الخيط فلكة مغزل
وقال جريز:
عوى الشعراء بعضهم لبعض على فقد أصابهم انتقام
إذا أرسلت صاعقة عليهم رأوا أخرى تحرق فاستداموا
[ ٢ / ١١٢ ]
وكان الأصمعي يزعم أن ذا الرمة أخطأ في قوله: (مؤمت في الأرض" وأن الصواب إنما هو قول:
معروريا رمض الرضراض بركضه والشمس حيرى لها في الجو تدويم
وكان مولعا بالطعن على ذي الرمة
[٣] مسألة:
وقال في هذا الباب عن يونس: (إذا غلب الشاعر فهو: مغلب. وإذا غلب قيل: غلب).
(قال المفسر): القياس يوجب أنيقال: مغلب فيهما جميعًا غير أن السماع ورد مخالفًا للقياس، فاستعمل من احدهما الفعل، ولم يستعمل الاسم: كما لم يستعملوا اسم فاعل من عسى وليس ونحوهما واستعمل من الثاني الاسم ولم يستعمل الفعل.
كما قالوا رجل مدرهم: إذا كان كثير الدرهم، ولم يقولوا: درهم. وقالوا: رجل رامح ودارع وتامر، ولا فعل لشيء من ذلك. وهذا مما خرج مخرج النسب. ولم يجر على الفعل غير أن فيه شذوذا، عن المنسوب من هذا الباب. لأن قياس المنسوب أن يجيء المفعول منه على صيغة لفظ الفاعل، ألا تراهم قالوا: عيشة راضية ومعناها مرضية، وماء دافق، ومعناه مدفوق.
[ ٢ / ١١٣ ]
وإنما لزم أن يجيء المفعول من هذا الباب على صيغة لفظ الفاعل، لأن الفعل ينسب غليه، كنسبته إلى الفاعل. فيقال: رجل ذو رضا، وعيشة ذات رضا ورجل ذو دفق للماء، وماء ذو دفق. فلما تساويا في نسبة الفعل إلى كل واحد منهما على صورة واحدة، وجب أن تكون صيغة اسميهما واحدة.
ونظير تساوى الفاعل والمفعول في الاسم المصوغ لهما يساويهما في نسبة الفعل إليهما، تساويهما في الإعراب، حين تساويا في إسناد الحديث إليهما. فقالوا: ضُرب زيد، فرفعوه وهو مفعول، حين حدثوا عنه كما تحدث عن الفاعل. وكذلك مات زيد، وضرب الضرب، والضرب لا يُضرب، وعلى هذا المجرى كلام العرب. قال علقمة
فظل الأكف يختلفن بحانذ إلى جؤجؤ مثل المداك المخضب
يريد اللحم المحنوذ (وهو المشوى) وقال آخر:
لقد عيل الأيتام طعنة ناشره أناشر لا زالت يمينك آشره
أي مأشورة. وقد حكى الهروي في الغريبين أنه يقال: مغلب فيهما جميعًا، وهذا موافق للقياس، ومخالف لما زعمه يونس.
[٤] مسألة:
وقال في هذا الباب: (بات فلان يفعل كذا وكذا: إذا فعله
[ ٢ / ١١٤ ]
ليلا: وظل يفعل كذا وكذا: إذا فعله نهارًا).
(قال المفسر): قد قال هذا كثير من اللغويين، وليس بصحيح عند التأمل. وإنما ينبغي أن يُقال: إن ظل أكثر ما يستعمل بالنهار. وأما القطع على أنه لا يستعمل إلا بالنهار، فدعوى مفتقره إلى دليل، وقد وجدنا ظل مستعملًا في أمور لا تختص نهارًا دون ليل. فمنها قوله تعالى (فظلتم تفكهون). وقوله: (إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين) فهذا لا يختص وقتًا دون وقت، وكذلك قول مسكين الدرامي.
وفتيان صدق لست مطلع بعضهم على سر بعض غير أني جماعها
يظلون شتى في البلاد وسرهم إلى صخرة أعيا الرجال انصداعها
وقال رؤبة:
ظل يقاسي أمره أمبرمه أعصمه أم السحيل أعصمه
[٥] مسألة:
وقال في هذا الباب: (لا يقال راكب إلا لراكب البعير خاصة).
(قال المفسر؛ قد تقدم الكلام على هذا في باب أسماء الجماعات، فأغنى عن إعادته هاهنا.
[ ٢ / ١١٥ ]
[٦] مسألة:
وقال في هذا الباب: (برك البعير، وربضت الشاة، وجثم الطائر).
(قال المفسر): قد استعمل البروك في غير البعير، والربوض في غير الشاة، والجثوم في غير الطائر.
ويروى عن رجل من العرب كان يلقب البُرك: أنه قال: في بعض حروبهم: أبا البرك، أبرك حيث أدرك.
وقال أبو حاتم في كتاب الفرق: وقالوا في البعير والنعامة: برك بروكا. وفي الحافر وفي الظلف والسباع: ربض يربض ربوضًا.
وقال أبو عبيدة: جثم البعير. وقال أبو حاتم في كتاب الفرق: ويقال: جثم الإنسان وغيره، وجثا، وأنشد لرؤية يصف صقرا:
كرز يلقي ريشه حتى جثم
وأنشد غيره لتأبط شرًا:
نهضت إليها من جثوم كأنها عجوز عليها هدبل ذات خيعل
وقال زهير:
بها العين والأرام يمشين خلفة وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم
[٧] مسألة:
وقال في هذا الباب: (يقال: حششت البعير وخزمته وأبريته. هذه وحدها بألف).
[ ٢ / ١١٦ ]
(قال المفسر: قد قيل: بروت الناقة وأبريتها، وهما لغتان.
[٨] مسألة:
وقال في آخر هذا الباب (ولا يقال: عقور إلا للحيوان).
(قال المفسر): كذا قال يعقوب، وهو غير صحيح، لأنه قد جاء عقور في غير الحيوان، قال الأخطل:
ولا يبقى على الأيام إلا بنات الدهر والكلم العقور
يعني الهجاء. وقال بعض بني زبيد يصف ناقة
أحلنا بالعقور على مطاها ولم تحفل بتأثير العقور
قيل: أراد بالعقور: السوط، وقيل الرجل، وهو الصحيح.
باب