إن كتاب "الانتخاب" لا يعدو أن يكون جمعًا مستفيضًا ومتنوعًا للمصادر الكثيرة، وهو يمنح الفرصة للتعرف على الكتب التي قرأها الجذامي أو استفاد منها، إذ هي المادة المعتمدة فيه ويمنح الفرصة كذلك للتعرف على منهج الشارح. والحديث عن السمة العامة يعني الإشارة إلى قيمة الشرح من حيث ما يحتويه كمًا وكيفًا من نصوص أدبية وعلمية وتاريخية.
ويتسم تناول المادة العلمية في كتاب "الانتخاب" بالاستيعاب والاستقصاء لجميع ما يغني الشرح، وهو ما صرح به الجذامي نفسه في المقدمة إذ قال: "فإني جمعت فيه جميع ما تأدّى إلي على "أدب الكتاب" من شرح … وتفسير الأبيات المستشهد بها فيه. . ." (^١). وهذه السمة، أي: "الاستيعاب والاستقصاء" لم تحل دون أن يكون الأخذ من المصادر رشيدًا يتوخى التخيُّر للنصوص، وموافقة النقل للمقام، ومطابقة الشواهد للمراد. كما أنه توخى الترتيب في الأبواب والتنظيم في النصوص والأفكار والشرح والنقل دون الإسهاب أو الحشو أو الإطناب، ثم التثبت والحرص على نسبة الأقوال، ونسبة الآراء إلى أصحابها.
وقد اطلع الجذامي على الشروح السابقة عليه منها المشرقية والأندلسية، وأفاد منها واستوعب معلوماتها، ونقل عنها، ووظّف هذه النقول في شرحه وتفسيراته. وقد نصّ على هذا الاطلاع والاستفادة وعبر عن ذلك مباشرة في مقدمة الشرح، قال: "فإني جمعت في هذا الكتاب جميع ما تأدّى إليّ من كلام العلماء باللغة والنحو على "أدب الكتاب" لأبي محمد عبد الله بن
_________________
(١) الانتخاب: ٥.
[ ١ / ٩٩ ]
مسلم بن قتيبة الدينوري من شرح وتفسير الأبيات المستشهد بها فيه والتنبيه على الأغلاط الواقعة في أصله أو من قبل الناقلين" (^١).
ونحن هنا لا يمكن بحال أن نتحدث عن تأثر الشرح بغيره من الشروح السابقة، إنما يتعلق الأمر بنقول منها فحسب، فقد كان لكتاب "الانتخاب" أسلوبه الخاص به وطريقته ومنهاجه ومتعته الخاصة به.
وهذا ما يجعلنا نؤكد على أن ثقافة الجذامي الواسعة ورغبته في مضاهاة المشارقة ومنافستهم كما الشأن بالنسبة لجميع الأندلسيين، وإحساسه بقدرته على التفوق عليهم كانت من بين الأسباب التي تدعم الاستنتاج بأنه سعى إلى التميُّز.
_________________
(١) الانتخاب: ٥.
[ ١ / ١٠٠ ]