إن المعرفة الحقيقية للمكانة التي يحتلها الشرح الذي بين أيدينا باعتبار أهميته وامتيازه لا يمكن أن تتضح إلا بتتبُّع الشرح بأكمله، والاطلاع على ما استوعبه الشارح خلاله، ووظفه من كتب ومصادر وتبين المواضع التي تكشف عن هذا الامتياز سواء تعلق الأمر بثقافة الجذامي الواسعة أو بخصائص شرحه وانتقاداته وتدخلاته الشخصية التي تسمو به إلى مرتبة الجودة والإتقان.
فعلى الرغم مما قد يبدو على منهج الشرح من أنه لا يعدو جمعًا للمادة من مصادر مختلفة كما يدل على ذلك عنوان الشرح، إلا أنه لم ينف بروز شخصية الجذامي في التدخل المباشر أو غير المباشر بالتصرف أو ترتيب المواد بالتقديم والتأخير أو الإضافة أو التعليق أو التصديق، وهي مهمة صعبة وخاصة في مجال الشرح، فوفرة المادة العلمية قد تربك الناقل، مما قد يؤثر على الشرح سلبًا، إلا أن هذا لم يعترض الجذامي، إذ أنه يأخذ بحكمة كل ما يغني شرحه، ويقصد إلى المفيد منه.
وقد لاحظنا من خلال الشرح أنه يتمتع بقدر وافر من الأخلاق العلمية كالضبط والتوثيق مما كان ييسر هذه المهمة، وذلك لأنه يرد النقول إلى أصحابها، ويبين المصدر الذي أخذ منه، ويبين ما أضاف إليها، ويرسم لنفسه خطًا واضحًا للتدخل والمناقشة والتعليق دون خلخلة النظام العام للشرح.
ولقد طلع علينا بشخصية المحقق الفذّ، فهو أولًا يشير إلى نسخ الكتاب المشروح وجميع رواياته وهي مما انفرد به عن سائر شرّاح "أدب الكتاب". ولا يكتفي بإيراد الشاهد، بل يحيل إلى مصدره وصاحبه، وربما نقل ذلك حرفيًا. ولم يكن الجذامي ليكتفي بمجرد عرض التفسيرات والأقوال، ولم يكن همه مجرد النقل من الكتب أو من محصوله الثقافي ليؤلف شرحًا كيفما
[ ١ / ٦٥ ]
اتفق، ولكنه عمل على تسخير ثقافته في خدمة الشرح، فعلق واستدرك وانتقد وعارض وأيّد وخطّأ وأثبت الصحيح.
وهذا الأخذ والرد من أقوال العلماء واللغويين لدليل على توقفه عند كل قول، وتثبته من كل شيء يرويه، والأمثلة على ذلك كثيرة من كتاب
"الانتخاب" منه قوله: " … وَتَفْسِيرُ ابْنِ دُرَيْدٍ عِنْدِي أَصَحُّ. . ." (^١). و". . . وَالَّذِي قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ هُوَ الصَّحِيحُ … " (^٢). و" … وَقَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَشْبَهُ بِالاشْتِقَاقِ. . ." (^٣). و" … وَإِنْ كَانَ قَوْلُ الْأَصْمَعِيّ رَاجِعًا إِلَى نَحْوِ ذَلِكَ الْمَعْنَى … ". و" … وَلَا أَعْرِفُ ذَلِكَ مَرْوِيًا عَنْ أَبِي عَلِيٍّ وليس بممتنع يجعله من قولك: حَمَلْتُ الشَّيْءَ عَنِ الرَّجُلِ، وهو راجع إلى المعنى الأول … ". ". . . وكان الأصمعي مُولَعًا بالطَّعْنِ على ذي الرمة. . ." (^٤).
وهو يدلي برأيه في أغلبها ومنه قوله: " … واشتقاقها عندي من قولهم: مَرْؤَ الطعام ومَرِئَ" (^٥). ويرجح أحد الأقوال كقوله: "و… والقول ما قال سيبويه؛ لأن الكلام جرى كالمثل والأمثال قد تخرج على القياس فَتُحْكَى كما سُمِعَتْ. . ." (^٦). وهذا الرد البسيط والموجز لم يلغ حضور الجذامي القوي من خلال تدخله الواضح في شرح مفردات اللغة والإعراب، إذ قد نجده يستغرق الصفحات في ذلك.
كما أن شخصيته برزت في أنه لم يكتف بما نقله، بل إنه يتدخل في الشرح، وذلك لإتمام ما جاء ناقصًا من قول ابن قتيبة، أو لينسب ما لم ينسبه، أو لتصحيح خطئه، أو لتعضيد قوله، كما في "باب ما يضعه الناس في
_________________
(١) الانتخاب: ٣٢.
(٢) الانتخاب: ٩١.
(٣) الانتخاب: ٩١.
(٤) الانتخاب: ٥٦٧.
(٥) الانتخاب: ٢٦.
(٦) الانتخاب: ١٢.
[ ١ / ٦٦ ]
غير موضعه": "قوله: على ما بيّنت لك في باب تسمية الشيء باسم غيره: ع: هذا الباب في كتاب "المشكل" لا في "الأدب"" (^١)، وهذا توجيه للقارئ إلى المصدر الصحيح.
وقد يتدخل لإضافة معلومات عما جاء في البطليوسي: مثل "وقال قوم: الْمَحَامِدُ: جمع مَحْمِدَةٍ، وهذا هو الوجه عندي؛ لأن الْمَحْمِدَةَ قد نطقت بها العرب نثرًا ونظمًا، قال الأحنف بن قيس: ألا أدلكم عَلَى الْمَحْمِدَةِ بِلَ مَرْزئَةٍ، الْخُلُقُ السَّجِيحُ والكَفُّ عَنِ الْقَبِيحِ" (^٢).
وقد ينسب القول الذي لم ينسبه ابن قتيبة أو البطليوسي: "قوله: وكان بعض أصحاب اللغة، ع: هو ابن السكيت في "الإصلاح" (^٣). و"قوله: ومازح عجوزًا. ع: العجوز هي صفية بنت عبد المطلب" (^٤). وهذا دليل على سعة اطلاعه وإحاطته بالمصادر.
وقد استطاع الجذامي أن ينتقد كبار علماء اللغة والمعاني والنحو ومنهم ابن قتيبة نفسه ولم يكتف بالرد عليه، بل علّل وبرر وقدم البديل الصحيح، منها تغليطه ابن قتيبة: "قوله: .. مَرْكَبَ الْعَجْزِ. ع: الجيد أن يقول: مَرْكَبَ الْكَسَلِ؛ لأن العجز عدم القدرة، والكسل مع القدرة" (^٥). كما آخذه على ما أنكر في باب وأجاز في آخر: "ع: سؤالك عن الشيء هو الاستفهام .. وهذا التقسيم قد قسمه في الرسالة وجعلها هناك هذيانًا وهنا حاصرة لأصناف الكلام .. وقد نبهت عليها من قبل" (^٦).
وبيَّن اضطراب ابن قتيبة في "أدب الكتاب": "ولقد اضطرب قول ابن قتيبة في الكاهل والحارك. ." (^٧).
_________________
(١) الانتخاب: ١٣٦.
(٢) الانتخاب: ١٢.
(٣) الانتخاب: ١٤٣.
(٤) الانتخاب: ٩٥.
(٥) الانتخاب: ٥٤.
(٦) الانتخاب: ٩٧.
(٧) الانتخاب: ٣٧٤.
[ ١ / ٦٧ ]
كما صحح للبطليوسي: "ط: هذا هو شجاع بن القاسم كاتب أوتامش التركي. ع: أبو جعفر النحاس: هذا الكاتب هو محمد بن عيسى وتصحيفه: جاء ضرطي" (^١).
كما قام بتصحيح الروايات كرواية أبي علي في قوله: "كان أبو علي يقول: الصواب نأت به هِمَّتُهُ بالنون أي نهضت، من قولهم: نَاءَ بالحمل يَنُوءُ إذا نهض به مُتَثَاقِلًا. والذي أنكر أبو علي غير منكر" (^٢).
كما وافق ابن قتيبة في كثير من الأمور: "من النحويين من قال: جَرَمَ بمعنى حُقَّ والصحيح ما قال ابن قتيبة، أي: كَسَّبَتِ الطَّعْنَةُ فَزَارَةَ الْغَضَبَ" (^٣).
وقد لاحظنا إلمامه بعلوم عصره واستفادته منها في الشرح بحيث بثّ هذه المعارف في كتاب "الانتخاب" بما يفيد الشرح ويغنيه، وهكذا برزت علوم الرياضيات في مجال شرح موقع النقطة في صناعة الهندسة (^٤)، وأنواع الخط (^٥).
كما أنه استفاد من إلمامه بعلم الفلك ليستثمر هذه المعارف في الشرح خاصة في أبواب "معرفة في النجوم" يقول: "أما حال القمر في استهلاله وأفعاله فإن أهل التجربة يقولون: إن نبات الأرض كله وثمارها تزيد بزيادة القمر وتنقص بنقصانه" (^٦). وفي شرحه لباب "معرفة في السماء والنجوم" (^٧)، وكذا في ذكره للرياح وأسمائها وأوقاتها (^٨). وكان يضيف هذه المعلومات في إطار التعليقات التي رمز إليها بـ"ع".
_________________
(١) الانتخاب: ٥٦.
(٢) الانتخاب: ٦١.
(٣) الانتخاب: ٢٤٠.
(٤) الانتخاب: ٣٨.
(٥) الانتخاب: ٤٠ - ٦٩.
(٦) الانتخاب: ٧٢.
(٧) الانتخاب: ٢٨٤ - ٣٠٠.
(٨) الانتخاب: ٣٠١ - ٣٠٧.
[ ١ / ٦٨ ]
أما في مجال الطب فقد أورد معارف كثيرة، منها ما رواه في أوقات الحجامة في حديث رسول الله ﷺ: (يُحْتَجَمُ لِسَبْعِ عَشْرَةَ لَيْلَةً) (^١)، وفسر ذلك بأن الدم ينقص في آخر الشهر. وما بثّه من معارف في باب "معرفة في النبات" يقول: "الْعَرَارُ: وَاحِدَتُهُ عَرَارَةٌ" قَالَ الأعشى:
بَيْضَاءُ ضَحْوَتِهَا وَصَفْرَاءُ الْعَشِيَّةِ كَالْعَرَارَةْ
قيل: هو النَّرْجِسُ الْأَصْفَرُ عِنْدَنَا … وليس الْأُقْحُوَانُ الْبَابُونَجْ إنما يشبهه في الزهر، ويقال: أَقْحَتِ الأرض: إِذَا نَبَتَتِ الْأُقْحُوَانَ" (^٢).
أما معرفته بالحيوان فتتجلى بإضافاته في أبواب كتاب "الانتخاب" المتعلقة بذلك، ومنها الأبواب المتعلقة بالخيل في أسمائها وصفاتها وشياتها وعللها وما تمدح به وما تذم به، معضدًا ذلك بالشعر والمثل (^٣). والأبواب المتعلقة بسائر الحيوانات كالسباع والحيات والهوام والفروق بينها (^٤). والأبواب المتعلقة بالطيور (^٥).
كما نلاحظ إلمامه بجانب الأحوال الاجتماعية للعرب، وذلك لأنه يذكر وسائل عيشهم بما فيها الآلات التي يستخدمونها يقول: "إذا قيل: الْمُحِلَّاتُ، فهي القِدْرُ والرحى والسُّفْرَةُ والدلو والفأس" (^٦)، وهي آلات تصحب الرحل في سفرهم. وذكر مساكنهم يقول: "بيوت العرب: بَيْتٌ مِنْ حَجَرٍ، قُبَّةٌ مِنْ أَدَمٍ، خِبَاءٌ مِنْ صُوفٍ. . ." (^٧). وذكر ملابسهم يقول: "واللِّفْقُ: مَا جَعَلْتَهُ فِي حُجْزَةِ سَرَاوِيلِكَ. . ." (^٨). كما يشير إلى صناعات العرب وأسماء الصناع، يقول:
_________________
(١) الانتخاب: ٧٢.
(٢) الانتخاب: ٣٢٠.
(٣) الانتخاب: ٣٥٦ - ٣٩٩ - ٤٠٢ - ٤١٠ - ٤١٣.
(٤) الانتخاب: ٤٩٩ - ٥٠٠ - ٥٤٣ - ٥٥٣.
(٥) الانتخاب: ٥٣٣.
(٦) الانتخاب: ٥١٢.
(٧) الانتخاب: ٥٧٢.
(٨) الانتخاب: ٥٢١ وما بعدها.
[ ١ / ٦٩ ]
"وَكُلُّ صانع عند العرب قَيْنٌ"، و"وَالْهَالِكِيُّ: الْحَدَّادُ، وَالنِّهَامِيُّ: النَّجَّارُ" (^١).
وكذلك إحاطته بأنسابهم، يقول: "لأن قضاعة تحولت من معد بن عدنان إلى اليمن وادعت أنها من ولد حمير حتى قال بعض شعرائهم:
قُضَاعَةُ بْنُ مَالِكِ بْن حِمْيَرِ … النَّسَبُ الْمَعْرُوفُ غَيْرُ الْمُنْكَرِ
قال أبو رياش: فأنشد بعض العلماء بالنسب هذا الشعر فقال: لا بل والله النسب المنكر غير المعروف" (^٢). وقد وجدناه ينسب كثيرًا من أعلام كتاب "الانتخاب" وشعرائهم إلى قبيلته بقوله: الفزاري، الفقعسي، النميري، الهذلي، وغير ذلك.
كما أحاط بلغة العرب والقبائل مما يسر عليه معرفة تقاليب الكلمات واستعمالاتها المتعددة الشائعة أو النادرة وكذا شرحها.
وقد ظلت شخصية الجذامي مسيطرة على الشرح كله بحيث إنه تحكم في ترتيب الموضوعات، محافظًا على نفس ترتيب "أدب الكتاب"، وفي تشكل النص بما يوافق منهجه العام، وفي إيراد الشواهد المناسبة في المواضع المناسبة، وهذا ما حرص على الالتزام به.
وقد لاحظنا براعته في استثمار الشاهد القرآني والحديثي والشعري والمثل على امتداد الشرح، والمتبع للشرح يلمس ذلك جليًا، إذ لا يخلو فصل أو باب من شاهد يدعم قوله وسيأتي تفصيل الحديث عن ذلك.
كما أن الجذامي غالبًا ما يتصرف في بعض النقول دون أن يمس ذلك جوهر التوثيق الذي نزع إليه وكان سمة تميّز بها، وذلك بردها إلى أصحابها وذكر الكتاب الذي أخذ منه النقل، من ذلك قوله: "ويؤيده أيضًا أن أبا عمرو الشيباني قال في كتاب "الحروف": الْعِرْضُ الْجَسَدُ، حكاه عن العذري" (^٣).
كما نزع إلى توثيق الشعر بذكر الشاعر ورواية الشعر وتعدد رواياته
_________________
(١) الانتخاب: ٥٢٦ - ٥٢٧ - ٥٢٨.
(٢) الانتخاب: ٥٣٣.
(٣) الانتخاب: ١٧١.
[ ١ / ٧٠ ]
وسبب وروده وقد نجده يصحح رواية بيت أو يضيف إليه أبياتًا تفيد إضاءة المعنى، مثال ذلك قوله في بيت أعشى باهلة:
لَا يَتَأَرَّى لِمَا فِي الْقِدْرِ يَرْقُبُهُ
والبيت مركب من بيتين وصحة إنشاده:
لَا يَتَأَرَّى لِمَا فِي الْقِدْر يَرْقُبُهُ … وَلَا تَرَهُ أَمَامَ الْقَوْمِ يَقْتَفِرُ
لا يَغْمِرُ السَّاقَ مِنْ أَيْنٍ لَا وَصَبٍ … وَلَا يَعَضُّ عَلَى شُرْسُوفِهِ الصَّفَرُ (^١)
وقد بذل جهدًا كبيرًا في خدمة النص بحيث قام بمقابلة نص "أدب الكتاب" بنسخه كلها، منها ما نص عليه في قوله: "وقد تأملته في عدة من النسخ المضبوطة الصحاح فوجدته بالباء، والصحيح في هذا أنهما لغتان وإسقاط الباء أفصح وأكثر" (^٢). وحاول تقصي الروايات التي روي بها وهي:
- روايته من طريق أبي نصر هارون بن موسى الراوي عن أبي البغدادي.
- من طريق رواية عيسى بن محمد بن صاحب الأحباس وهو نفسه أصل ابن أبي الحباب.
- رواية أبي جعفر بن قتيبة الراوي عن أبيه.
وقد أشار إلى ذلك في ذكر كتبهم بقوله: كتاب أبي نصر، كتاب أبي علي، كتاب أبي جعفر، كتاب ص، كتاب س. . .
وكذلك قابل "أدب الكتاب" بمصادر أخرى من نفس موضوعاته منها: "أدب الكتاب" للصولي، و"لحن العامة" للزبيدي، و"إصلاح المنطق" لابن السكيت، وبشروحه ومنها "الاقتضاب" للبطليوسي.
كما أن الجذامي أخذ بتصويبات البطليوسي لـ"أدب الكتاب"، وهذا التصرف معتبر لديه ووجب أن نأخذه بعين الاعتبار؛ لأن إيراده تلك التصويبات دون التعقيب عليها دليل تأكيد على ما جاء فيها من تصويب ونقد. كما أن كتاب "الانتخاب" لم يخل من آراء الجذامي النقدية مثال قوله:
_________________
(١) الانتخاب: ١٨٧ - ١٨٨.
(٢) الانتخاب: ١٠٨.
[ ١ / ٧١ ]
"قال أبو الطيب وإن لم يكن حجة في اللغة" (^١). وقوله: " … وكان الأصمعي لا يرى الطرماح حجة" (^٢). وأنه غالبًا ما يلجأ إلى التدخل لنقد المادة التي يوردها أو لتوجيه بعض الأخطاء، مثال اختياره لرأي المبرد في قوله: "وأحسن الأراء رأي المبرد" (^٣). ونجده بعد أن سرد آراء سيبويه والخليل والفراء يصحح التأويلين كلاهما. كما أنه يختار كتابة "تَجْنِيبٌ" بالجيم على الحاء ويقول: "تَجْنِيبٌ فِي الْبَيْتِ بِالْجِيمِ أَجْوَدُ" (^٤).
وقد يلاحظ أن الجذامي في بعض أبواب كتاب "الانتخاب" يأخذ في الاستطراد في الشرح إلا أنه لا يفتأ أن يتدارك ثم يعود إلى نص "أدب الكتاب" ليتمم الشرح، وهذا مما يحسب له من تمكنه من مادته، ومن حسن امتلاكه لزمام الأمور.
كما أنه تفرد بالإحالة على التعليقات، وقد يحيل إلى أصحابها فيكتب: ع: ابن السكيت أو ع: المبرد، وقد يحيل إلى المصادر: ع: الجمهرة، ع: فقه اللغة. وقد جعلها مجاله الخاص للتدخل بالشرح والانتقاد، وقد أخبر في المقدمة أنها تعليقات من كتب شتى، وهي في الحقيقة مادته الخام التي اختمرت في ذاكرته من خلال طول مطالعاته إلا أن تواضعه الشديد منعه من تبنيها وجعلها من بنات أفكاره.
كما أنه تفرّد باختصار أسماء المنقول لهم يقول: "ونَسَبْتُ كل قوم إلى قائله بعلامات تدل على أسمائهم طلبًا لترك التطويل بالإفصاح عنهم؛ فجعلت ط: علامة أبي محمد عبد الله بن السيد البطليوسي، وز: علامة الزجاج، ود: علامة عما نقلته من خط الأستاذ أبي سليمان بن يزيد السعدي. . ." (^٥).
_________________
(١) الانتخاب: ١٧.
(٢) الانتخاب: ١٤٥.
(٣) الانتخاب: ٣٩٢.
(٤) الانتخاب: ٣٩٣.
(٥) الانتخاب: ٥.
[ ١ / ٧٢ ]