أخذ الجذامي العلم عن شيوخ عصره وأبرز من علمنا عن تتلمذه على أيديهم ثلاث علماء اشتهروا في الأندلس وهم:
١ - داود بن يزيد بن عبد الله الغرناطي السعدي، أبو سليمان:
من أهل قلعة يحصب، مولده بعد (٤٨٠ هـ) بيسير، يعدّ بقية النحاة بالأندلس، الفاضل الورع الزاهد، صدر النحويين في عصره، وبقية الزهّاد في دهره، روي عن ابن الباذش، وأخذ عنه ولازمه إلى أن مات، وتصدر للإقراء في حياته، وكان يجلّه ويؤثره بطائفة من طلبته، وكتب له إجازة طنانة وصفه فيها بالتحقيق وجلالة المرتبة في العربية.
ورحل إلى قرطبة فسمع بها من أبي محمد بن عتاب وأبي بحر الأسدي وابن مغيث، وأقرأ العربية والأدب واللغة، وكان مشاركًا في الحديث، يستفتح مجلسه بأمّ القرآن تبرُّكًا، ويسمع الحديث في رمضان بدلًا من كتب الأشعار.
وكان غزير الدمعة، كثير الخشية عند قراءة القرآن والحديث، وكان يأكل الشعير ولم يأكل لحمًا من الفتنة الأولى لأجل المغانم والمكاسب.
انتقل من غرناطة إلى باغة من أجل أن السلطان دعاه لإقراء بنيه فقال: والله لا أهنت العلم ولا مشيت به إلى الديار. ثم انتقل إلى قرطبة، وكان يسأل الله الموت بها، فاستجيبت دعوته فتوفي بها سنة (٥٧٣ هـ).
ومن تلاميذه: ابن خروف النحوي، وأبو القاسم الملاحي، وأبو بكر بن أبي زمنين (^١).
_________________
(١) ترجمته في: بغية الوعاة: ١/ ٥٦٣؛ البلغة: ٨١؛ التكملة لابن الأبار، السفر: ١، ص: ٦٣ (ت ٢٠٣ هـ).
[ ١ / ٤٦ ]
٢ - أحمد بن عبد العزيز بن غزوان القرشي الفهري الأندلسي، أبو العباس:
كان أستاذًا نحويًا، لغويًا أدبيًا راوية، روى عن أبي علي الغساني، وروى عنه أبو علي بن الزرقالة، وذكر له تأليف نحوية وأدبية وشعرًا كثيرًا (^١).
٣ - أبو ذر مصعب بن محمد بن مسعود الخشني الجياني الأندلسي:
ينسب إلى خشين قرية بالأندلس وقبيلة من قضاعة، يعرف كأبيه بابن أبي الركب، قاض من العلماء بالحديث والسير والنحو، وله شعر، أصله من مدينة جيان، ولد ونشأ فيها، وتحول في العدوة والأندلس، وولي القضاء في جيان أيام المنصور يعقوب بن يوسف الموحدي، واستقر بفاس، كان من عظماء نحاة الأندلس، وقال شعرًا أورده صاحب "المغرب":
كأنما عمران إذ حكني … قد أودعت كفاة أفناكا
فقلت يا جسم تنعّم به … فطالما بالهجر أفناكا
قال ابن الزبير: كان أحد الأئمة المتقين المعتمدين في الفقه والأدب، ذا سمت ووقار وفضل ودين ومروءة، كثير الحياء، قليل التصرف في العلم، واعتنى وقيَّد.
روى عن ابن قوقل وابن بشكوال وعبد الحق الإشبيلي وابن بكر بن طاهر الخدب وأجاز له السلفي، وأقرأ ببلاده وغيرها، وولي قضاء بلده. ولو لم يكن في وقته أتم وقارًا ولا أحسن سمتًا منه.
واتفق الشيوخ على أنه لم يكن في وقته أضبط منه ولا أتقن في جميع علومه حفظًا وقلمًا، وكان نقادًا للشعر، مطلق العنان في معرفة أخبار العرب وأيامها وأشعارها ولغاتها، متقدمًا في كل ذلك وفي إقراء الكتاب ومعرفة أغراضه وغوامضه، تكرر في "جمع الجوامع".
من تصانيفه: "شرح غريب سيرة ابن هشام"، و"شرح الإيضاح"،
_________________
(١) بغية الوعاة: ١/ ٣٢٥ (ت ٦١٧ هـ).
[ ١ / ٤٧ ]
و"شرح الجمل"، وله في العروض تأليف، توفي بفاس في ١١ شوال من سنة (٦٠٤ هـ) ودفن بعدوة القرويين (^١).
هذه ترجمة لأساتذة الجذامي قدّمناها بين يدي هذا البحث لما تتيحه من إضاءة الجوانب العلمية في سيرته، ولم نجد فيما وصلنا عنه أنه عمل لأحدهم ترجمة أو صرح بالأخذ عنه وتبرير ذلك في أن الشرحين الذين وصلانا عنه لم يفتحا مجالًا لذلك، أو أنه قدم لهم ترجم إلا أنها ضاعت مما ضاع من آثاره، فنحن نكاد نجزم أن كاتبًا من هذا المستوى من العلم لم يكن ليكتفي بشرحين فقط، بل لا بدّ وأن له كتابات وتصانيف أخرى، أو تقييدات لم تصل أيدي النجدة إليها إلى الآن.
وقد تلقى الجذامي العلم عنهم بطرق الأخذ المعروفة وكيفية التحمل المعهودة ما بين قراءة وسماع وإجازة؛ فقد تلقّى عن أبي سليمان بن يزيد السعدي مباشرة، وذلك أثناء حلول أبي سليمان بباغة، كما أن كثرة النقول التي وجدناها في "الانتخاب" تدل على أنه أقرأ "أدب الكتاب" لطلبته ومنهم الجذامي، وكانت تلك النقول شروحًا وتعليقات قدمها أبو سليمان للطلبة، خاصة وأن "أدب الكتاب" كان مادة أساسية وثابتة في المقررات التعليمية التي كانت تدرس ويعتنى بها رواية وحفظًا.
وقد كان الجذامي ملازمًا لأستاذه، فقد كان يقرأ عليه ما كان يستنسخه، وهي طريقة تعتمد المقابلة الشخصية، وقد وجدنا دليلًا على ذلك في خاتمة "شروح سقط الزند" المخطوط بقلم ناسخه: "نقلت هذا الكتاب من أصل الفقيه الأجلّ الأستاذ الأعرف الأكمل أبي جعفر أحمد بن داود الجذامي، وكان عليه بخط يده أنه قابله بأصل الأستاذ أبي سليمان بن يزيد السعدي، وقرأه عليه قراءة تفهُّم لمعانيه وتصحيح لألفاظه" (^٢).
أما الأستاذ أبو ذر الخشني الجياني فكان ممن أسسوا البنيان العلمي
_________________
(١) التكملة: ٢/ ٧٠٠ (ت ١٠٩٨)؛ جذوة الاقتباس: ٣٦٦.
(٢) شروح سقط الزند، مخطوط بالخزانة العامة بالرباط قسم الوثائق، رقم: ١٦٤، ق: ٤٢.
[ ١ / ٤٨ ]
للجذامي، وكان ممن أكثر الرواية عنهم، فقد وردت في شرح المقامات له أنه أخذ برواية الخشني لمقامات الحريري وذلك في الصفحات الآتية: ٣٤ - ٤٧ - ٤٩ - ٥١.
وأما أستاذه أحمد بن عبد العزيز بن غزوان القرشي فلم نعلم عن لقائهما شيئًا، إلا أن التلقي لم يكن مستحيلًا، ولم يكن موقوفًا على الدراسة المباشرة، بل كانت إمكانيات الدراسة متعددة من مكاتبة وسماع وإجازة، ولا تنفي إمكانية رحلة الجذامي إليه، إلا أن ذلك لم يتأكد لنا لحد الآن.
وقد استفاد الجذامي من شيوخه في النحو وعلوم العربية والأدب، وتلقى الحديث والسير من الخشني خاصة، وأكثر النقل عن أبي سليمان بن يزيد السعدي خاصة ويدل على هذا مقاطع عديدة من نص الشرح.
وكان له شيوخ آخرون تلقى عنهم علومًا أخرى، إلا أن تأثيرهم فيه لم يكن على نفس الدرجة من الشيوخ الثلاثة، ولذلك لم تهتم المصادر بذكرهم.
تلاميذه وأصحابه:
لم تطلعنا التراجم على أسماء لتلاميذ الجذامي إلا إشارة وجدناها في "التكملة" فيها: "وقد أخذ عنه" (^١)، وهي تفيد أن للجذامي قدمًا راسخة في نقل العلم وروايته، وكان له دور هام في الحركة التعليمية في عصره، وقد حلاه المترجمون بألفاظ تدل على أستاذيته منها: ". . الفقيه الأجلّ، الأستاذ الأعرف الأكمل أبي جعفر بن داود. . ." (^٢). ومنها: "الشيخ الفقيه النحوي الماهر أبو جعفر أحمد بن داود بن يوسف الجذامي" (^٣).
وقد أهملت التراجم ذكر تلاميذ الجذامي، مما جعل سلسلة العلم تقف عنده. أما أصحاب الجذامي فلم يذكر منهم أحد، ونحن نرى أن أصحابه هم أولئك الذين اشتركوا معه في الصناعة، أي: صناعة طلب العلم، وهم تلامذة
_________________
(١) التكملة لابن الأبار: ١/ ٩٢.
(٢) شروح سقط الزند، ق: ٩٢.
(٣) الانتخاب: ٣.
[ ١ / ٤٩ ]
شيوخه، فهم مشتركون في المعين ذاته، وقد كان أشهرهم: علي بن محمد الحضرمي المشهور بابن خروف النحوي المتوفى سنة (٦٠٩ هـ) (^١)، ومحمد بن عبد الواحد الملاحي أبو القاسم المتوفى سنة (٦١٩ هـ) (^٢)، ومحمد عبد الله بن أبي زمنين المري الإلبيري المتوفى سنة (٦٠٢ هـ) (^٣).
وقد كانوا مشتركين في نقل العلوم من نحو، ولغة، وفقه، وحديث، وتاريخ من نفس الشيوخ، كما كانوا مشتركين في الأخلاق العالية؛ فقد بهرنا بما حلوا به من صفات، فهذا أبو القاسم الملاحي بالإضافة إلى كونه محدثّ وراوية وأديبًا ومؤرخًا عارفًا بالأنساب حافظًا للأسانيد فقد كان "من المفاخر الغرناطية، وكان من أفضل الناس، وأحسنهم عشرة، وألينهم كلمة وأكثرهم مروءة، وأحسنهم خُلقًا وخَلقًا، ما رأيت مثله. قدسّ الله تربيته" (^٤).
وأبو بكر بن أبي زمنين الذي ولي القضاء كان: "عدلا مهيبًا جزلًا، فإذا انفصل من مجلس الحكم صار من ألين الناس جانبًا، وأحسنهم خلقًا، وأكثرهم تواضعًا، وكان محدثًا جليلًا فاضلًا" (^٥).
ولم يصلنا أن الجذامي كان مقربًا من أحد الحكّام من عصره أو من بلده، وكان ذلك سببًا من أسباب غموره، ويمكن إرجاع هذا إلى أنه كان زاهدًا في ذلك الأمر، خاصة مع ما علم مما كان يتهدد المقرب من الحاكم من كيد حساده، أو نقمة الحاكم عليه، أو بيع ضميره بإباحة المحظور. وهذا الورع مما ورثه عن أستاذه أبي سليمان الذي رفض إقراء أبناء السلطان: انتقل من غرناطة إلى باغة من أجل أن السلطان دعاه لإقراء بنيه فقال: "والله لا أهنت العلم ولا مشيت به إلى الديار. انتقل من غرناطة إلى باغة من أجل أن السلطان دعاه لإقراء بنيه فقال: والله لا أهنت العلم ولا مشيت به إلى الديار".
_________________
(١) انظر ترجمته في: جذوة الاقتباس: ٣٠٧؛ الوفيات: ١/ ٣٤٣؛ فوات الوفيات: ٢/ ٧٩؛ معجم الأدباء: ٥/ ٤٢٠.
(٢) انظر ترجمته في: الإحاطة: ٣/ ١٧٦.
(٣) انظر ترجمته في: تاريخ قضاة الأندلس: ١١٠؛ شجرة النور الزكية: ١١٣.
(٤) جذوة الاقتباس: ٣٠٧.
(٥) تاريخ قضاة الأندلس: ١١٠.
[ ١ / ٥٠ ]