لقد اتفقت جميع المصادر التي ترجمت لأحمد بن داود الجذامي على تسميته ونسبه، فهو "أحمد بن داود بن يوسف بن هشام الجذامي السرقسطي الباغي، وكنيته أبو جعفر". وقد وقفت في سلسلة نسبه عند جده يوسف، وزادت الترجمة التي وضعت له في الانتخاب جدًا ثانيًا وهو: هشام (^١)، وكان هذا آخر ما وصلنا من سلسلة نسبه، ولم يصلنا شيء عمن اشتهر من أهله.
وانتقلت الترجمة إلى ذكر أصله ورجوعه إلى قبيلة جذام، وهم بنو جذام بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان، من القحطانية مساكنها بين مدين إلى تبوك بأرض اليمن حوالي أيلة من أول عمل الحجاز بالجزيرة العربية (^٢). كانت لهم أصنام يعبدونها، ولما أسلموا أبلوا البلاء الحسن في نشر الإسلام، فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (صلوات الله على جذام يقاتلون الكفار إلى رؤوس الشعف ينصرون الله ورسوله) (^٣).
وقد انتشروا في الأندلس على إثر الفتوحات، وكانت دارهم بها شذونة والجزيرة وتدمير وإشبيلية وجزء من قلعة رباح (^٤).
وقد لعبت جذام دورًا هامًا في الصراعات القبلية بالأندلس، وكان منهم أعلام كثيرون من ذوي العلم والرياسة (^٥).
_________________
(١) الانتخاب: ٣.
(٢) معجم القبائل: ١/ ١٧٤؛ جمهرة الأنساب: ٤٢٠.
(٣) الأنساب للسمعاني: ١/ ٣٣.
(٤) جمهرة الأنساب: ٤٢١؛ نفح الطيب: ١/ ٢٩٦.
(٥) انظر: القبائل العربية في الأندلس: ٤٦٢.
[ ١ / ٤١ ]
أما نسبة الجذامي إلى سرقسطة فلأن أصله منها كما جاء في الذيل والتكملة لابن عبد الملك: "سرقسطي الأصل، انتقل سلفه منها قديمًا" (^١). وسرقسطة: مدينة في شرق الأندلس كبيرة القطر، بناها قيصر، آهلة، ممتدة الأطناب، واسعة الشوارع، حسنة الديار والمساكن متصلة الجنات والبساتين، وهي على ضفة نهر كبير يأتي بعضه من بلاد الروم، وتسمى: "المدينة البيضاء" لكثرة جصها وجيارها، ولأن أسوارها من حجر الرخام لا تدخلها حية البتة، وإذا جلبت إليها ماتت، وتعرف بالملح الداراني الذي لا يوجد مثله في أي مكان (^٢).
أما نسبته إلى باغة فقد جاء في التكملة لابن الأبار، وفي "الذيل والتكملة" لابن عبد الملك: "من أهل باغة ابن هيثم عمل غرناطة". ولقد وجدنا اختلافًا في اسمها: فتارة نجد اسمها: باغة، وتارة بيغو مترجمًا عن كلمة PRIEGO بالإسبانية، ففي "معجم البلدان": "باغة: مدينة بالأندلس من كورة البيرة بين المغرب والقبلة منها وفي قبلي قرطبة" (^٣). وفيه أيضًا: "بيغو" بكسر الباء وسكون الياء، والغين معجمة، بلدة من أعمال جيان" (^٤). وفي "الروض المعطار" "بيغو: مدينة بالأندلس من عمل غرناطة" (^٥). وفي "الإحاطة": باغة وبالإسبانية PRIEGO هي بلدة حصينة قديمة تقع شمال لوشة في ولاية جيان" (^٦).
والملاحظ في هذه التعريفات أنها تقدم ترجمة لمدينتين أو اسمين لمدينة واحدة، وقد استخلصنا أن المدينة التي سكنها الجذامي هي: "مدينة باغة بالأندلس من كورة البيرة بين المغرب والقبلة منها من قبلي قرطبة منحرفة عنها
_________________
(١) الذيل والتكلمة، السفر الأول القسم الأول: ١١٥.
(٢) الروض المعطار: ٣١٧.
(٣) معجم البلدان: ١/ ٣٢٦.
(٤) نفسه: ١/ ٥٣٢.
(٥) الروض المعطار: ١٢٢.
(٦) الإحاطة: ١/ ٥٠٩.
[ ١ / ٤٢ ]
يسيرًا، وبينهما حوالي خمسين ميلًا، وهي من عمل غرناطة قريبة من قلعة يحصب، وتسمى باغة ابن هيثم تمييزًا لها عن غيرها كباغة دانية وباغة التغلبيين" (^١). ولمائها خاصية عجيبة، فإنه ينعقد حجرًا في حافات جداوله التي يكثر فيها جريه، ويجود فيها الزعفران، ويحمل منها إلى البلدان.
وقد شهدت هذه المدينة أحداثًا عظيم يذكرها ابن الخطيب في معرض ترجمته لرضوان النصري الحاجب يقول: "غزا في السادس والعشرين من محرم عام ثلاث وثلاثين وسبعمائة بجيش مدينة باغة، وهي ما هي من الشهرة وكرم البقعة، فأخذ بمخنقها، وشد حصارها، وعاق الصريخ عنها، فتملكها عنوة، وعمّرها بالحماة، ورتّبها بالمرابطة، فكان الفتح فيها عظيمًا" (^٢). أما صاحب "الروض المعطار" فيصف حصارها: "بيغو: مدينة بالأندلس من عمل غرناطة، كان عبد الله صاحب بياسة من بني عبد المؤمن استدعى عدو الدين لما نزل عليه العادل ببياسة. . . ثم ساروا إلى بيغو هذه، فأطال مع الفنش حصارها إلى أن دخل البلد بعد شدة، وصالحه أهل القلعة" (^٣).
وتعدّ المقدمة التي جاءت في الصفحة الأولى من الانتخاب أهم ما ساعدنا على الترجمة للجذامي، إذ أورد الناسخ ترجمة مقتضبة عنه قال: "كتاب الانتخاب في شرح أدب الكتاب" مما عني بتأليفه الشيخ الفقيه النحوي الماهر أبو جعفر أحمد بن داود بن يوسف بن هشام السرقسطي الجذامي الباغي، روى عن أبي سليمان بن يزيد السعدي، وكان متقدمًا في المعرفة بالنحو والحفظ للغة، ذا مشاركة جيدة في الطب وغيره، وحظ من قرض الشعر، وصنّف هذا الشرح على أدب الكتاب، وتوفي رحمه الله تعالى بباغة سنة ثمان [. .] ذكره ابن عبد الملك في "التكملة" (^٤).
ونشير هنا إلى أن الناسخ قد ذكر كتاب "التكملة" مما قد يوقع في
_________________
(١) هامش الذيل والتكملة لابن شريفة، القسم: ١، السفر: ١، ص: ١١٥.
(٢) الإحاطة ١/ ٥٠٩.
(٣) الروض المعطار: ١٢٢.
(٤) الانتخاب: ٣.
[ ١ / ٤٣ ]
الخلط بينه وبين كتاب "التكملة" لابن الأبار، إلا أننا آمنون من هذا الخلط بما قام به من إضافة الكتاب إلى صاحبه ابن عبد الملك، وهي لا تعدو تلخيصًا للعنوان الطويل: "الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة".
وقد كانت ترجمة جامعة إلا أنها لم تذكر أشياء أخرى عن الجذامي كما هو الشأن في "التكملة": "من أهل باغة ابن هيثم من عمل غرناطة، وله في "شرح أدب الكتاب" لابن قتيبة تأليف مفيد، وأخذ في "شرح المقامات" للحريري، وقد أخذ عنه" (^١).
وفي "الذيل والتكملة" قال: "سرقسطي الأصل، انتقل سَلَفُهُ منها قديمًا. . . ذا مشاركة جيدة في الطب،. . . وكلاهما مما أجاد به. . توفي بباغة" (^٢).
وفي "إشارة التعيين": "توفي عن سبعين سنة أو نيف عليها" (^٣).
وبقيت سائر ترجماته مجمعة على أنه كان متقدمًا في المعرفة بالنحو والذكر للآداب، ذا مشاركة في الطب وغيره، وحظ من قرض الشعر.
وقد كانت ولادة الجذامي سنة (٥٢٧ هـ) كما يذكر الزركلي وعمر رضا كحالة وقد أوردا هذا التاريخ اعتمادًا على ما جاء في "إشارة التعيين": "أنه توفي عن سبعين سنة أو نيف عليها" (^٤)، أي: إنهما اجتهدا في تقدير سنة الولادة باعتبار هذه الإشارة.
أما مكان الولادة فلم تذكر المصادر شيئًا عنه، إلا أننا نرجح أنه كان باغة، وذلك لأننا قرأنا عنه أنه "كان من أهلها"، وكان يسمى "الباغي"، ونحن نعلم أن الشائع في تسمية الناس هو بمكان ولادتهم بغض النظر عن الأصل، وهذا يفيد أن ولادته ونشأته ووفاته كانت به.
أما وفاته فلم تثبت في المصادر التي ترجمت له قطعًا وإنما قدمت
_________________
(١) التكملة: ١/ ٩٢ الترجمة: ٢٤٠.
(٢) الذيل والتكملة: ١١٥.
(٣) إشارة التعيين: ٣١.
(٤) إشارة التعيين: ٣١.
[ ١ / ٤٤ ]
ببعض الشك، إذ وجدنا فيها: توفي سنة سبع، وقيل: ثمان وتسعين وخمسمائة. وكانت بباغة.
المصادر التي ترجمت "للجذامي" مرتبة حسب الترتيب التاريخي هي:
* "التكملة لكتاب الصلة" للإمام أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي بكر القضاعي البلنسي المعروف بابن الأبار المتوفى (٦٥٩ هـ)، عني بنشره: عزت العطار الحسيني، مكتبة الخانجي بمصر، القاهرة، ١٩٥٦ م، ١/ ٩٢.
* "الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة" لأبي عبد الله محمد بن عبد الملك المراكشي، توفي سنة (٧٠٣ هـ)، تحقيق: محمد بن شريفة، دار الثقافة، بيروت، سفر ١، القسم ١، ص ١١٥.
* "بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة" لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ت ٩١١ هـ)، تحقيق: أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية، بيروت، لبنان، ص ٣٠٦.
* "كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون" لحاجي خليفة (ت ١٠٦٧ هـ)، مكتبة المثنى، بيروت.
* "هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين" لإسماعيل باشا البغدادي (ت ١٣٣٩ هـ)، طبع أسطنبول سنة ١٩٥٥ م، ١/ ٨٩.
* "الأعلام" للزركلي (ت ١٩٧٦ م)، دار العلم للملايين، ط ٤، ١/ ١٢٣.
* "معجم المؤلفين" لعمر رضا كحالة، مكتبة المثنى، بيروت، ١/ ٢١٩.
[ ١ / ٤٥ ]