لقد اتسمت لغة الجذامي بالقوة والفصاحة وعلو التعابير، ولم تتأثر بظروف اللغة العامية التي انتشرت في الأندلس آنذاك وبتلاقح لغات الجزيرة الإيبيرية، وهذا ما يلاحظ في كتاب "الانتخاب"، فالمطلع عليه يجد نفسه أمام لغة عالية تعود إلى القرن الأول والثاني من حيث القوة والفصاحة.
وقد لاحظنا إلمامه باللغة العربية وألفاظها بحيث لم يجد صعوبة في شرحها، وبحيث أن جلّ الألفاظ التي جاءت في "أدب الكتاب" مشروحة في كتاب "الانتخاب" بنفس مستوى النص المشروح. ولاحظنا كذلك نزوع الجذامي إلى شرح الكلمات وإيراد معانيها وتقاليبها ولغاتها الكثيرة، وتفسيرات العلماء لها، واستشهاداتهم، فنجده يضع بين يدي القارئ جملة هامة من الأوجه والاستعمالات الصالحة والجائزة والمحتملة للفظة. وقد اعتمد في ذلك على لغة العرب الجارية على الألسنة والأصيلة التي رواها الأعراب.
وقد عني بذكر جميع اللغات، وحرص على توثيقها؛ فنجده يوردها بقوله: اللغة العربية واللغة الفارسية (^١)، واللغة الحميرية (^٢)، والعجمية (^٣)، الهندية (^٤). ويشير إلى لغات القبائل التي تكلمت بها العرب، وقد تقصاها تقصّيًا شديدًا، مثل:
- لغة حمير: شَرَاحِيلُ: وَدِيعَةُ اللهِ (^٥).
_________________
(١) الانتخاب: ٥٤ - ١٣٢ - ٥١٩ - ٥٥٦.
(٢) الانتخاب: ٢٦٥.
(٣) الانتخاب: ٣٢٢.
(٤) الانتخاب: ١١٤.
(٥) الانتخاب: ٢٦٤.
[ ١ / ٩١ ]
- لغة قيس: "السَّدَفُ في لغة قيس: الضَّوْءُ" (^١).
- لغة بني أسد: "رِيحٌ وأَرْيَاحٌ: لغة بني أسد" (^٢).
- لغة بني الحارث بن كعب: "لغة بني الحارث بن كعب قلب الياء الساكنة إذا انفتح ما قبلها ألفًا نحو: أخذت الدرهمان. والسلام عَلَاكُمْ" (^٣).
- لغة نجد: "أهل نجد يسمونه: الْجَرِينَ" (^٤).
- لغة أهل اليمن: "أهل اليمن يسمونه: الْمِسَحَّةَ" (^٥).
- لغة تميم: "دِرْعُ الحَدِيدِ: يذكره بنو تميم" (^٦).
- لغة أهل الشام: "يسميها أهل الشام: بَجَى الْعَقْرَبِ" (^٧).
- لغة أهل الحجاز: "عَشَرَةٌ: بالتخفيف لغة أهل الحجاز" (^٨).
كما لم يغفل الإشارة إلى لغة العامة في مواضع كثيرة مثل قوله: "وزُبَانَى العقرب: تسميها العامة حُمَةً" (^٩). و"العَظَاءُ: هي التي تسميها العامة: حَيَّةَ الْجَنَّةِ" (^١٠).
وتأتي الإشارة إلى اختلاف روايات اللفظة الواحدة بما يسميه "اللغات" كقوله: "في اليُرَنَّاءِ أربع لغات" (^١١). وقوله: "في المِنْخَرِ: لغات" (^١٢). وقوله: "الذُّنَابَي لُغَةٌ في الذَّنَبِ" (^١٣).
_________________
(١) الانتخاب: ٣٠٨ - ٥٨٥.
(٢) الانتخاب: ٣٠١.
(٣) الانتخاب: ٦٣٤.
(٤) الانتخاب: ٥١٩.
(٥) الانتخاب: ٥١٩.
(٦) الانتخاب: ٦٦٨.
(٧) الانتخاب: ٥٥٣.
(٨) الانتخاب: ٦٤٥.
(٩) الانتخاب: ٥٥٣ - ٥٥٤.
(١٠) الانتخاب: ٥٤٥.
(١١) الانتخاب: ٣٢٤.
(١٢) الانتخاب: ٣٦٧.
(١٣) الانتخاب: ٣٨١.
[ ١ / ٩٢ ]
كما نجده يجري مقارنات بين هذه اللغات في مواضع كثيرة مثل قوله: "عَشِرَةٌ: بكسر الشين لغة بني تميم وعَشَرَةٌ: بالتخفيف لغة أهل الحجاز" (^١). و"وَرَّخْتُ: لُغَةُ بني تميم وأَرَّخْتُ لغة قيس" (^٢). و"رُدَّ وَارْدُدْ: الإدغام في لغة بني تميم وسائر العرب، وإظهار التضعيف في لغة أهل الحجاز" (^٣). و"الشَّوْلَةُ: يسميها أهل الحجاز: إبْرَةَ، وتسميها العامة: حُمَةً" (^٤). و"الْمَالَجُ في لغة نجد وأهل اليمن ويسمونه: المِسَحَّةَ، ويسمى بالفارسية: مَالَجَهْ" (^٥). و"رِيحٌ وأَرْيَاحٌ: لغة بني أسد وغيرهم يقول: أَرْوَاحٌ على القياس" (^٦). و"دِرْعُ الحديد: يذكره بنو تميم" (^٧).
وعناية الجذامي بلغة العرب لم تشتغله عن العناية باللغات الأخرى، وذلك أنه يشير إلى الألفاظ المعربة، وقد أشار إلى أنها معربة وذكر أصلها في عديد من المواضع كقوله: "الخُلَّرُ: فارسي معرب" (^٨). و"الأستاذ: كلمة فارسية ونظيرها في العربية: رَبَّانيٌّ" (^٩). و"أسرب: فارسي معرب" (^١٠). و"بَهْرَامِجُ: اسم فارسي" (^١١). "دَاوُدُ: معرب" (^١٢). و"العَرارُ: يسمي مُشْكُنيَةَ بالعجمية" (^١٣). و"النَّيْرُوزُ: فارسية معربة" (^١٤). و"سِجِلَّاطٌ: رومي معرب" (^١٥).
_________________
(١) الانتخاب: ٦٠٧.
(٢) نفسه: ٦٤٢.
(٣) نفسه: ٦٢٦.
(٤) نفسه: ٢٨٦.
(٥) نفسه: ٥١٩.
(٦) نفسه: ٣٠١.
(٧) نفسه: ٦٦٨.
(٨) نفسه: ٣٢٥.
(٩) نفسه: ١٢٤.
(١٠) نفسه: ٥٥٦.
(١١) نفسه: ٣٢٢.
(١٢) نفسه: ٦٢٠.
(١٣) نفسه: ٣٢٢.
(١٤) نفسه: ٥٤٨.
(١٥) نفسه: ٥٣٩.
[ ١ / ٩٣ ]
"البَاذَرَنْجَوَيْهُ: هو البَاذَرُوجُ" (^١).
وقد يذكرها دون الإشارة إلى تعريبها، مثال: شَاهَفْرَيْدُ (^٢) -إِسْبَسْتُ (^٣) - الْيَارِيَا شَانَهْ (^٤).
ونجده حريصًا في نقله للألفاظ على توثيقها بالحروف والوزن فضلًا عن الحركات وذلك زيادة في التثبت وإرادة إفهام القارئ مثلًا: "الثُّلَجُ: بحاء غير معجمة على وزن نُفَرٍ" (^٥).
"المَنْخِرُ: بفتح الميم وكسر الخاء" (^٦).
كم أننا نلاحظ استعماله لأسماء الشهور، وقد ذكرهم بأسماء أعجمية: مارس، فبراير، دجنبر، وذلك في "باب معرفة في النجوم".
ونجد الإشارة إلى الخط في موضعين اثنين: الخط المدمج (^٧)، خط المهند (^٨).
كما أنه لم يغفل الإشارة إلى الغريب من الألفاظ والوحشي وقد اشتمل كتاب "الانتخاب" عليها، مثل: الطرموق، الإطرغشاش، مستوفز، مقسئنة، وغيرها، وقد شرحها في مواضعها (^٩).
وعمل الجذامي على إجراء المقارنة بين معاني الألفاظ حسب تركيبها، مثال: العسف والاعتساف - الغموس والعموس والهموس - جعر وجعفر - الحجول والتحجيل - الحرة والحر - التحلب والحلب.
_________________
(١) الانتخاب: ٣٢٣.
(٢) الانتخاب: ١٣٢.
(٣) الانتخاب: ٣٢٤.
(٤) الانتخاب: ٣٢٤.
(٥) الانتخاب: ١١٩.
(٦) الانتخاب: ٣٦٧.
(٧) الانتخاب: ٣٩١.
(٨) الانتخاب: ٥٤٦.
(٩) الانتخاب: ١١٣.
[ ١ / ٩٤ ]
أما الاصطلاحات فنجدها في كتاب "الانتخاب" متنوعة ووفيرة، وتختلف من باب إلى آخر، وتتباين بتباين الموضوع المشروح، فنجد في مقام الفقه اصطلاحات فقهية وقف عندها الجذامي معرفًا، وشارحًا لألفاظها ولمعانيها، ورادًا إياها إلى أصلها من الكتاب والسنّة، وقد اتخذت في غالبها طابع قواعد فقهية، مثال: المنحة مردودة، الزعيم غارم، المعاومة، المزابنة، الثنيا، الكالئ، العاقلة، الصقب وغيرها.
وكذا في مجال الحساب والرياضيات نجد اصطلاحات متعلقة بآلات الحساب والقياس: كالأشل، والباب، والغرام، والشاقول، والزج، والقيراط، والنقطة، والعدد، والخط، والسطر وغيرها، ومتعلقة بالهندسة: كالساق، والقاعدة، والقسي، والمعين، ومساقط الأحجار، والجيب، المنكوس، والسهم، والقطر.
وفي مجال علم الفلك والنجوم نجد المصطلحات الخاصة: البروج اليمانية والشامية، رأس الميزان، رأس السرطان، الشولة، الزبرة، الخراتان، السماك، الجوزاء، وغيرها كثير أيضًا في أبوابه.
وفي مجال علم النبات أيضًا نجد أسماء النبات وأشكاله وأنواعه فنجد مثلا: العرمض، الطحلب، الغلفق، الأرطى، خوصة المقل، الخردل، الزعرور، الحلبة، الحندقوقي، الباقلي.
وفي مجال الحيوان نجد اصطلاحات متعلقة بأصناف الحيوان وأحواله وخلقه، مثل: الخيل، الطيور، والهوام، والسباع، وبيوتهم وأكلهم، وأصواتهم، وأولادهم.
وفي مجال خلق الإنسان نجد اصطلاحات خاصة بأعضاء الإنسان وحالاته في المرض، والنوم، والأكل والنكاح، وأسمائه واشتقاقها.
[ ١ / ٩٥ ]