إن ما نعلم عن أي شرح هو سهولة أسلوبه وقرب مأخذه ذلك أن غايته تقريب النص المشروح إلى الفهم وإعادة إنتاجه بالشكل الذي يصبح به سهل المنال. وشرحنا لا يشذّ عن هذه القاعدة، فأسلوب الجذامي تميز بالسهولة والسلاسة مع ما قد يبدو عليه من قوة ومتانة في الأساليب المستعملة، وفصاحة في التعبير.
ويمكن أن نلمس ملامح شخصية الجذامي من خلال أسلوبه، وذلك أنه يرقى إلى أساليب كتاب القرن الثاني والثالث الذي عرف بسيادة المحسنات البديعية والبيانية والبلاغية واستعمالها والإشارة إليها والعناية بالتصاريف وتنويعها، وأوجه النقد، وفي "الانتخاب" بيان عن ذلك. أما الأساليب البلاغية، فنجده يلمح إليها في إشارات: مثل قوله: "وهذه استعارة عجيبة" (^١). و"وهذا من التشبيه البديع الذي لم يُسْبَقُ إليه" (^٢). و"ومن بديع ذلك قول محمد بن هانئ يصف جَيْشَ الْمُعِزِّ" (^٣). و"وبعده وهو من بديع التشبيه:
مُقَدَّمَةً قَرًّا كَأَنَّ رِقَابَهَا … رِقَابُ بَنَاتِ الْمَاءِ تَفْزَعُ لِلرَّعْدِ" (^٤)
وإيراده لمصطلحات: الطبقات - التجنيس - التصدير - الترصيع (^٥).
أما آراؤه النقدية فمنتشرة في "الانتخاب" كمصطلحات نقدية ولم يناقشها كقضايا، كقوله: "وهذا ما يسميه أهل النقد بالحشو والاستعانة؛ لأن "تَسُدُّ بِهِ
_________________
(١) الانتخاب: ١٦٩.
(٢) الانتخاب: ٣٩٥.
(٣) الانتخاب: ٤٠٦.
(٤) الانتخاب: ٤٨٢.
(٥) الانتخاب: ١٣٨.
[ ١ / ٨٨ ]
فَرْجَهَا" قد أغنى عنه (مِنْ دُبُر) فصار ذكره فضلًا لا يحتاج إليه، ومثله قول أبي العيال الهذلي: (مجزوء الوافر)
ذَكَرْتُ أَخِي فَعَاوَدَنِي صُدَاعُ الرَّأْسِ وَالْوَصَبُ" (^١)
أو ذكر ألفاظ: القياس والسماع والتأويل مثل قوله: "وقد فرق قوم فقالوا: الميِّتُ المشدد: ما سيموت، والمَيْتُ المخفف: ما قد مات، وهذا أيضًا خطأ في القياس مخالف للسماع" (^٢). وقد تأتي على شكل آراء يرجع فيها قولًا أو يدحضه، ومن أمثلة ذلك قوله: "والقول ما قال سيبويه" (^٣). و"وتفسير ابن دريد عندي أصح" (^٤). و"والذي قال أبو عبيدة هو الصحيح" (^٥). و"وأما البيت الذي أنشده الأصمعي فلا حجة فيه" (^٦). و"وهذا صحيح على ما يوجبه القياس" (^٧). ومنها ما كان رأيًا في بعض الشعراء قال: و"قال أبو الطيب وإن لم يكن حجة في اللغة" (^٨). و"كان الأصمعي يزعم أن ذا الرمة أخطأ، وكان مولعًا بالطعن على ذي الرمة" (^٩). و"وكان الأصمعي لا يرى الطرماح حجة" (^١٠).
والسمة العامة لآراء الجذامي النقدية أنها كانت تقييمية في أغلبها.
ولا ننفي عنه اتصافه بالحنكة في كونه يعرض جميع الآراء في القضية الواحدة ثم يرجح منها ما يراه صائبًا كقوله: "ذكر أبو جعفر النحاس أن "ألا" لا يضاف إلى الأسماء الظاهرة، ولا يضاف إلى الأسماء المضمرة
_________________
(١) الانتخاب: ٣٨٢.
(٢) الانتخاب: ١٠٣.
(٣) الانتخاب: ١٢.
(٤) الانتخاب: ٣٢.
(٥) الانتخاب: ٩١.
(٦) الانتخاب: ٩١.
(٧) الانتخاب: ٢٣٢.
(٨) الانتخاب: ١٧.
(٩) الانتخاب: ٥٦٧.
(١٠) الانتخاب: ١٤٥.
[ ١ / ٨٩ ]
فلم نجز هذا الذي أجازه ابن قتيبة، وذكر مثل ذلك أبو بكر الزبيدي، وهو مذهب الكسائي فاتبعاه عليه وليس بصحيح لأنه لا قياس يعضده ولا سماع يؤيده" (^١).
_________________
(١) الانتخاب: ١٦.
[ ١ / ٩٠ ]