لقد قامت دولة الموحدية على أساس ديني، فقد دعا مؤسس الدولة محمد بن تومرت الهرغي الملقب بالمهدي إلى التوحيد، وادعى المهدوية بعد أن رأى تردي عقيدة المرابطين واجتهد في أمور رأى أنهم ابتدعوا فيها، فدعا إلى عقيدة التوحيد، وكتب في ذلك كتاب "الطهارة"، وهو عبارة عن مجموعة أحاديث مختارة، وكتاب "أعز ما يطلب"، وكتاب "العقائد" وهي كتب من تأليفه تشرح العقيدة الموحدية.
وقد سار على نهج المهدي جميع الخلفاء الموحدين، واعتنوا بهذه العقيدة وعلومها أيما عناية، وكانوا قدوة في الاستقامة عليها، فقد اعتنوا بشعائرهم الدينية سواء في سفرهم أو في غزواتهم أو أثناء استقرارهم. وقد اعتنوا بالطلبة والأشياخ وقرّبوهم من مجالسهم، واعتادوا أن يوزّعوا القرآن أجزاء بينهم ليقرؤوا منه يوميًا حصصًا معينة، ودأبوا على الإقبال على القرآن دراسة؛ فدرسوا علم الأصول والناسخ والمنسوخ والقراءات والحديث.
وكان مذهبهم على مذهب الإمام مالك ﵀، ولذلك انكبّوا على دراسة الموطأ وكتب الفقه المالكي، وقد وصف ابن صاحب الصلاة ما كان عليه الأمير أبو يعقوب ملخصًا حال الدولة بقوله: "كان الأمير أبو يعقوب يوسف ﵁ كاملًا فاضلًا، عدلًا ورعًا، جزلًا مستظهرًا للقرآن، عالمًا بناسخه ومنسوخه، قارئًا لنصه، حافظًا له على وقفه وابتدائه، عالمًا بحديث رسول الله ﷺ، وبصحيحه، ومختلفه، وحسنه، وغريبه، وإسناده، متقنًا للعلوم الشرعية والأصولية، متقدمًا في علم الإمام المهدي ﵁، محكمًا لأفانين
[ ١ / ٣٠ ]
علمه الذي أملاه وأخذ منه، محبًا لأهله، ضابطًا على الأمر العلي" (^١).
وقد عظّم الموحدون أمور دينهم كلها، وحافظوا على هيبة المساجد ودورها؛ إذ عملوا على بنائها وتحسينها، وإقامة الصلوات فيها، وخاصة صلاة الجمعة التي كان الخليفة يحضرها، لا يثنيه عنها إلا المرض. وكانت المراسيم التي تصدر عنه تتلى على منابر المساجد، تعظيمًا لشأنها ودافعًا للالتزام بها.
وكان الفقهاء مبجلين، وإن كانوا رجال علم وعمل؛ فقد كانوا يشرفون على صناعات أخرى. والمتتبع لرجال الدولة الموحدية وعلمائها يلاحظ حرصهم على الحفاظ على سنّة رسول الله ﷺ في أمورهم كلها سواء السياسية أو المعاشية.