أما في المجال الاقتصادي فقد عمل الموحدون على تنمية مواردهم المالية من زكوات وغنائم؛ فصكت العملة، وكان أساسها الدينار الذهبي والدرهم الفضي، وقد كان أساسَ أجور الجنود وكذا المعاملات التجارية الداخلية والخارجية.
[ ١ / ٣٢ ]
وقد اهتموا بالمصحف الكريم حتى أنهم أنفقوا عليه الكثير لتزيينه: "وقد قام أمامه مصحف صاحب رسول الله ﷺ عثمان بن عفان ﵁ على حمل مرتفع، وقدام هذا المصحف مصحف الإمام المهدي ﵁، وعلى مصحف عثمان حلة حمراء تصونه، والمصحف المكرم منظم حول حفاظه بالجوهر النفيس والياقوت الأحمر والأصفر والأخضر والزمرد الأخضر النفيس العجيب، وقد جلبت أحجار الياقوت والزمرد والجوهر إلى الخليفة الأول الرضى" (^١).
وقد اهتم الموحدون بمجال العمارة، وكانوا حريصين على تخليد اسمهم في هذا المجال وكان بناء المدن الهم الأول في ذلك، وقد تظافرت جهود المهندسين المعماريين من المغرب والأندلس لتنفيذ خطة الإعمار، واستنفروا جميع العملة والبنائين والنجارين والعرفاء والاختصاصيين في الغراسة، وتم بناء مدينة جبل طارق: "وأحكم البنّاؤون في بناء القصور المشيدة والديار، واخترعوا في أسسها طيقانًا والحنايا لتعتدل بها الأرض، مبنية بالحجر المنجور والجيار مما هو عجيب في الآثار، وكما قيل: الملوك تبني على قدرها من الأقدار، وبما لو عاينها المتقدمون من آل عاد بن شداد لأقروا بالعجز وفضولهم على الذين بنوا القصر من سندان (^٢).
وقد كانت المطحنة الهوائية، وهي عبارة عن رحى تسير بالهواء لطحن الأقوات والتي صنعها المهندس الحاج يعيش في أعلى جبل طارق مظهرًا من مظاهر النهضة الميكانيكية.
كما وقف الموحدون على بناء مدينة المهدية رباط الفتح، وأتقنوا البناء، وجلبوا إليها الماء وزوّدوها بقنطرة ربطت بينها وبين مدينة سلا. وكذلك مدينة مراكش التي كانت إذ ذاك عاصمة الدولة، وقد نالت قسطًا كبيرًا من الاهتمام، لكون الاستقبالات الرسمية كانت تقام بها.
_________________
(١) المن بالإمامة: ٣٥٠.
(٢) المن بالإمامة: ٨٦.
[ ١ / ٣٣ ]
كما أعادوا الحياة إلى مدينة قرطبة وإشبيلية من قصور فخمة وجسور، ومنها الجسر العظيم الذي يربط بين إشبيلية وقرية الشرف، وقصبة إشبيلية، وبناء الأسواق. واهتموا ببناء المساجد، ومنها المسجد العظيم بإشبيلية الذي عهد الإشراف على فنونه للطبيب ابن زهر، "وتعطل بناؤها إلى أن وصل أبو بكر بن زهر من حضرة أمير المؤمنين، وقد أمر بإعادة بناء الصومعة المذكورة، وبناء ما اختلّ من الجامع، وأمر ﵁ في مدة إقامته بإشبيلية بعمل التفافيح الغريبة الصنعة، العظيمة الرفعة، الكبيرة الجرم، المذهبة الرسم، الرفيعة الاسم والجسم" (^١).
واستقر السيدان والشيخ أبو يعقوب بقرطبة، فأمروا ببنيان قصورها وعمارتها وحماية ثغورها، وجلبوا البنّائين والعرفاء لبناء القصور والدور من خرابها، وإعادتها على ترفيع قبابها وصرف حالتها من مشيبها إلى شبابها (^٢).
كما بنوا جامع الكتيبة بمدينة مراكش، وجامع إشبيلية، وقد بنوهما شكرًا لله على انتصاراتهم.
كما اهتم الموحدون بتقوية الأسطول الحربي اهتمامًا كبيرًا؛ وذلك لأنه يضمن القوة البحرية التي ساندتهم في حروبهم، وكان أن صنعت قطائع من مختلف الأشكال والأنواع بالمصانع الخاصة، كما اهتموا بميدان المواصلات، فأقاموا شبكة طرقية تربط مختلف أجزاء الإمبراطورية في ظروف يسيرة.
كما اهتموا بالبريد حيث يعين موظفون لذلك يسمون بالرقاصين، وقد تمّ اختيارهم بتحرِّ شديد؛ لأن وظيفتهم كانت تعتبر من أشرف الوظائف؛ فقد كان يمنع عليهم الإساءة إلى سمعة وظيفتهم، وكان هناك رقاص استثنائي لإيصال الأشياء الهامة.
_________________
(١) المن بالإمامة: ٣٩٢.
(٢) المن بالإمامة: ١٤٠.
[ ١ / ٣٤ ]