لقد كانت المؤسسات السياسية في الدولة الموحدية منظمة بحيث توزع الصلاحيات والمهام عبر نظام المراتب، وتصف كتب التاريخ هذا البناء من أنه "يتكون من السادة، وهم: أعضاء الأسرة الحاكمة، ومنهم الخليفة وإخوانه وأخواته وأقاربه. ويقرب منهم "الأشياخ"، والحفّاظ، وأهل الخمسين، وهم خمسون من الأولين الذين بايعوه من أهل القبائل، وأهل الجماعة، وهم من كان يخصهم الخليفة للتشاور، وطلبة الحضر، وهم العلماء الوافدون، وطلبة الموحدين، ومنهم تتكون أطر المملكة؛ فمنهم القضاة والعمال والأمناء والعشارون والمقدمون، ومنهم المجنّدون في الجيش للجهاد، فجماعة العشرة كانت تشبه في عصرنا اليوم هيئة مجلس الوزراء، وجماعة الخمسين تشبه أعضاء مجلس الشيوخ، وجماعة السبعين تشبه مجلس النواب في الحكومات البرلمانية. وكان هذا النظام هو الأساس الذي قامت عليه الدولة الموحدية" (^٢).
وتعتمد الدولة على الزكوات والجبايات والغنائم والمصادرات وغيرها
_________________
(١) المن بالإمامة: ١٦٥.
(٢) الدولة الموحدية بالمغرب في عهد عبد المؤمن بن علي: ٦٨.
[ ١ / ٣١ ]
من الموارد المالية لمدّ هؤلاء وأولئك بأجورهم، وكانت تسمى "بركة"، توزع عليهم رأس كل شهر وعند كل مناسبة.
وكانت تقام مراسيم خاصة لتنصيب العمال الجدد، أو تشريفات المستحقين، أو خروج الخليفة للغزو، أو تلقي البيعة، كما أن الدولة كانت تقوم بإطلاق سراح جلّ المعتقلين والمخالفين، وتغدق على الضعفاء والمحتاجين.
وكان من عادة الخليفة أن يخصص أيامًا لاستعراض سائر القبائل المشاركة في الغزو في حفل يسمى: "التمييز"، وقد يدوم عدة أيام، تقام فيه المآدب للطعام، وتزاد فيه أجور الجيوش. وتخصص أيام لاستقبال الخليفة أو توديعه إظهارًا للولاء، وتعبيرًا عن المحبة، وهو ما يسمى بـ: التبريز.
واتسمت سياسة الدولة الخارجية مع الأفارقة والإسبان بمحالفة من يعرض عليهم صداقته، ومعاداة من يعاديهم أو يحاول الخروج عن طاعتهم أو غدرهم؛ فقد اعتمد الخلفاء على الدهاء السياسي والحيل الحربية مع الأصدقاء والأعداء، واعتمدوا على الجواسيس والمترجمين. وقد ضمنت لهم هذه السياسة عزة ومنعة، وأكسبتهم قوة استطاعوا أن يكونوا بها إمبراطورية واسعة ممتدة الأطراف.
وقد كان لهم نظام للمعارك يصفها ابن صاحب الصلاة وابن عذارى وصفًا دقيقًا يؤكد تمكنهم من خطط الحرب وأطوارها.
ولم يكن الخلفاء ممن يستبدون بالحكم، فقد كانوا يستشيرون أولي العلم فيما يعزمون عليه من الأمور سواء في الغزوات، أو في تشييد المنشآت، أو في الأحكام القضائية، أو المعاشية.