نلمس هذا المنهج في أجزاء كل باب على حدة، إلا أنه يتكرر إذا تعلق الأمر بنفس الموضوع المشروح فنجد منهجًا خاصًا بشرح الشعر ومنهجًا خاصًا في شرح الألفاظ اللغوية، ومنهجًا خاصًا في الإعراب.
والجذامي في بعض هذه الأبواب يبدأ بالتعليق عليها مثل قوله في باب المتضادين: "قوم من النحويين ينكرون هذا الباب ويقولون: لا يجوز تسمية المتضادين باسم واحد؛ لأن ذلك نقيض الحكمة … ابن القوطية: الأضداد في كلام العرب ليست من لغة قبيلة واحدة، بل هي مفترقة في قبائل شتى. ." (^١). وقوله في باب ما يعرف واحده ويشكل جمعه: "هذه جموع على غير قياس، وكذلك الباب قبله، وما كان من هذا الباب فهو عند سيبويه اسم جمع لا جمع، وهو عند أبي الحسن الأخفش جمع" (^٢).
وفي كل باب نجد أن الجذامي يبتدئ بسرد قول ابن قتيبة بعبارة: "قوله" لتمييزه عن الشرح، ثم يشرع في حشد الأقوال، فيبدأ بقول البطليوسي، ثم قول داود بن يزيد السعدي، وتعليقات أبي علي وهي من ثوابت كل باب من الشرح، ثم يشرع في ذكر الأقوال، وهي في أغلبها منسوبة لأصحابها، ثم يتدخل لتصويب أو تعديل الآراء أو الرد عليها، وقد يقرن الشرح بذكر المصادر التي استقى منها معلوماته.
منهج شرح الشعر:
ويستمد شرحه للشعر من "الاقتضاب" فيما فسّر به أبيات "أدب الكتاب"
_________________
(١) الانتخاب: ٥٨٣.
(٢) الانتخاب: ٣٤٨.
[ ١ / ٨٢ ]
وهو يشير إليه في بعض المواضع، ويتبنّاه في مواضع أخرى. كما أنه يضيف أبياتًا أخرى سابقة أو لاحقة على بيت الشاهد ويشرحه لفظًا ومعنًى. ويتبع في الشرح الخطوات الآتية:
* ذكر الشاهد من قول ابن قتيبة.
* إتمام البيت إن كان ناقصًا وذكر رواياته.
* تصويب ما في البيت من خطأ.
* نسبة البيت لصاحبه أو ذكر الاختلاف في نسبته.
* ذكر مناسبة الشعر.
* شرح ألفاظ البيت الشعري.
* إيراد الأبيات قبل أو بعد الشاهد مع إعرابها وشرحها.
* وإذا ذكر الشاعر فإنه يعمل على إيراد اسمه ونسبه ولقبه مع الإشارة إلى أسباب تسمية بعض الشعراء. مثال: "قوله: (وافر)
فَبَاتُوا يُدْلِجُونَ
ط: هو لأبي زبيد الطائي واسمه حرملة بن المنذر، يصف قومًا سروًا والأسد يقفو لينتهز الفرصة فيهم، وبعده: (وافر)
إِلَى أَنْ عَرَّسُوا وَأَغَبَّ عَنْهُمْ … قَرِيبًا مَا يُحَسُّ لَهُ حَسِيسُ
خَلَا أَنَّ الْعِتَاقَ مِنَ الْمَطَايَا … أَحَسْنَ بِهِ فَهُنَّ إِلَيْهِ شُوسُ
قوله: بصير بالدجى، أي: بالمشي في الظلم هاد فيها. والْغَمُوسُ: الواسع الشدقين … ويروى: عَمُوسٌ بالعين غير معجمة، وهو الذي يتهافت في الأمور. الغموس: الذي يستتر في سواد الليل وينغمس فيه، والعموس بالعين المهملة: الذي يتعسف في الأشياء" (^١).
وقد يلجأ إلى الإعراب في قوله: (طويل)
وَتَشْكُو بِعَيْنٍ مَا أَكَلَّ رِكَابَهَا … وَقِيلُ الْمُنَادِي أَصْبَحَ الْقَوْمُ أَدْلِجِي
_________________
(١) الانتخاب: ١٦٧.
[ ١ / ٨٣ ]
وموضع "ما" نصب بتشكو، وقيل: المنادي معطوف عليه، ويروي: أكلت ركابها، أنّث على معنى الحال. وأصبح هنا لا خبر لها لأن معناها: دخلوا في الصباح. وما في البيت موصولة بمعنى الذي" (^١). وقد يشرح الشعر بإيراد التأويلات المتعددة كقوله: (بسيط)
أَعْطَوْا هُنَيْدَةَ يَحْدُوهَا ثَمَانِيَةٌ
والسَّرَفُ: فيه ثلاثة أقوال: قال قوم: هو الخطأ، معناه أنهم لا يخطئون فيضعون النعمة في غير موضعها … وتأويل أبو حاتم السرف: الإكثار، وقال: معناه إنهم لا يستكثرون ما يهبون وإن كان كثيرًا لجلالة قدرهم. وأما القول الثالث فهو قول يعقوب، ذهب إلى أن السرف هنا بمعنى الإغفال. . ." (^٢).
وإذا روي البيت بغير نسبة أوردها: "ط: لا يعرف قائله ولا ما يتصل به: د: قال ابن دريد: هو لابن خلِيلِ الْقَرْوِ يخاطب أباه. . ." (^٣).
كما قد يورد اختلاف الروايات في مناسبة الشعر كقوله: "قال أبو حاتم: استعمل خالد بن عبد الله القسري رجلًا من ربيعة فلما كان يوم النيروز … وذكر أبو عمرو الشيباني: استعمل ابن هبيرة رجلًا من باهلة. . ." (^٤).
منهج شرح المفردات:
لقد ركّز الجذامي على شرح اللغة والغريب تركيزًا كبيرًا، وذلك لأن فك مغالق المعنى تبدأ من شرح المفردات، والمتتبع للشرح يحس أنه مرتبط بالشرح، وذلك لأن الجذامي بتركيزه على شرح اللغة والمعني يجعل القارئ في علاقة مستمرة مع الشرح والشارح، حيث تظل شخصية الشارح هي المسيطرة على الشرح لا المعلومات والأشعار والأخبار والموضوعات.
_________________
(١) الانتخاب: ١٦٧ - ١٦٨.
(٢) الانتخاب: ٥٠٣.
(٣) الانتخاب: ٥٤٦.
(٤) الانتخاب: ٥٤٨.
[ ١ / ٨٤ ]
والجذامي يشرح المفردات بتأن حيث يذكر تفسيرات العلماء ويذكر استشهاداتهم فيطرح بذلك مجموعة من أوجه استعمال الكلمة. وهو يشرح المفردات متتابعة بحسب ورودها في "أدب الكتاب": "الرقمة: الكية، ظبيتها: فرجها، وضرتها: لحمة ضرعها، وقوله: المركل ع: أبو علي: المركل المعد".
كما أنه يسعى إلى تقصّي معانيها المختلفة بإيراد تقاليبها: مثال قوله: "دِرِّيٌّ: كسر أوله لثقل ضمة بعدها كسرة وياءان" (^١). الضَّبْعَةُ: الشَّهْوَةُ لِلْفَحْلِ يقال: ضَبَعَتِ الناقة، وضَبُعَتْ ضَبَعَةً، وأَضْبَعَتْ، وَاسْتَبْضَعَتْ" (^٢).
كما يذكر لغات اللفظة الواحدة: "عِجْسٌ، وعُجْسٌ، وعِجْسٌ، ثلاث لغات" (^٣). وقد يضيف كلمات أخرى لتعضيد الشرح، وهي غالبًا من اللغات المختلفة بين القبائل لنفس الكلمة: "القَوَارِي قال يعقوب: يقول لها أهل العراق: الزَّرَازِيرُ" (^٤).
ونجده يسعى إلى إثبات الكلمات بالشكل والحروف: "ع: كسر الميم في المِرْفَقِ على إخراجه مخرج الآلات والفتح على أنه الموضع الذي يرتفق عليه" (^٥). قال أبو علي: يقال: حَوْصَلَّةٌ بالتشديد، وحَوْصَلَةٌ بالتخفيف، وحَوْصَلَاءٌ بالتخفيف والمد. وقال أبو علي: إذا فتحت شددت، وإذا كسرت خففت" (^٦).
كما نجده يثبت الشرح بالاستعانة بمحاكاة اللفظ للمعنى مثال الْقَضْمُ والخَضْمُ (^٧).
_________________
(١) الانتخاب: ٣٠٢.
(٢) الانتخاب: ٢٢٨.
(٣) الانتخاب: ٥٢٥.
(٤) الانتخاب: ٥٣٦.
(٥) الانتخاب: ٤٤٣.
(٦) الانتخاب: ٤٤٥.
(٧) الانتخاب: ٥٦١.
[ ١ / ٨٥ ]
منهج الإعراب:
لقد اهتم الجذامي بالنحو والإعراب والصرف، وقد خاض في مسائل نحوية يقتضيها التفسير مما جعله يثير مجموعة من القضايا النحوية، ولتحليل آراء النحاة فيها التجأ إلى الإعراب وذلك لإبراز أقوال النحاة فيها وإبراز رأي المذهبين البصري والكوفي، وهكذا فقد أتى على إعراب بعض الآيات أو الأبيات الشعرية أو الجمل أو الألفاظ لتتبين كل المعاني فيأخذ بأصحها. وقد لاحظنا أن الإعراب كان سمة ثابتة لكل باب من أبواب كتاب "الانتخاب"، كقوله في إعراب الآية: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ (^١) "إنما تكون "ما" اسمًا في قراءة من قرأ ﴿كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ بالرفع، وأما من نصب ﴿كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ فإن "ما" في قراءته صلة، فكأن الذي كتب في "المصحف" إنما موصولة إنما كتبها على قراءة من نصب فلذلك وصلها" (^٢). ومثال إعراب الشعر قوله: "في البيت: (طويل)
وَلَا تَنْكِحي إِنْ فَرْقَ الدَّهْرُ بَيْنَنَا
ويجوز خفض الوجه ونصبه ورفعه، فمن خفض جعل القفا في موضع خفض، ومن نصبه جعله في موضع نصب على التشبيه بالمفعول به على حد قولك: حسن الوجه. والكوفيون يجيزون نصبه على التمييز، ولا يجيزه البصريون؛ لأن التمييز عندهم لا يكون إلا نكرة. ومن رفع الوجه ففيه وجهان: أحدهما أن يكون القفا في موضع رفع الوجه عطف عليه. . ." (^٣).
وقد برع الجذامي في إعراب الألفاظ براعة النحوي المحنك، إذ لم يدع بابًا من أبواب كتاب "الانتخاب" إلا وأعرب ما يراه قد أشكل حتى يوضح كل أوجه إعرابه.
ولم يخالف الجذامي منهجه هنا منهجه في "شرح مقامات الحريري"، وذلك لأنه ركز في شرح المقامات على شرح اللغة والغريب تركيزًا شديدًا،
_________________
(١) سورة طه: الآية ٦٩.
(٢) الانتخاب: ٦١٠.
(٣) الانتخاب: ٤٤٠.
[ ١ / ٨٦ ]
واهتمّ بشرح النحو والإعراب والصرف، وخاض في المسائل النحوية التي تعرضت لها، وأكثر من الاستشهاد بالحديث بحيث يصعب حصرها، وخالف بذلك الشريشي الذي اعتمد على الشعر في الاستشهاد، كما اقتضب ترجم الأعلام والشعراء بما يخدم النص.
ومنهجه الخاص بشرح كل مقامة فكان بأن يبدأ بتقديم مضمون للمقامة ثم يتتبّع اللغة والغريب بالشرح فيتناول الألفاظ الواحدة تلو الأخرى، فيذكر مصدرها وأصلها واشتقاقها ووزنها وما قيل فيها، ويستشهد بالقرآن والحديث، وكان دأبه في الشرحين معًا أن يقرن الشرح بذكر المصادر، وكذلك ينص على الروايات التي وصلت بها المقامات.
[ ١ / ٨٧ ]