استثمر الجذامي المادة العلمية في كتاب "الانتخاب" استثمارًا ناجحًا، فبالإضافة إلى القرآن والحديث والشعر والأمثال، فقد استفاد من الأخبار والأحداث والأيام وحاول الإشارة إليها في سياق الشرح مثال قوله في يوم عرفة: "كانت الجاهلية تقول هذا: "أشرق ثبير كيما نغير؛ لأنهم كانوا يقفون بعرفة يوم عرفة حتى إذا كانت الشمس على رؤوس الجبال دفعوا إلى المزدلفة وباتوا بها، وأقاموا إلى أن تشرق الشمس، فكانوا يقولون: أشرق ثبير كيما نغير، أي: ندفع والإغارة هنا الدفعة للنفر يقال: أغار الرجل: إذا أسرع في عدوه؛ ومنه الغارة في الحرب فخالف رسول الله ﷺ أفعالهم، وأفاض من عرفة بعد الغروب، ومن مزدلفة بعد صلاة الصبح قبل الإسفار" (^٢).
وكذلك استفاد من علم الأنساب بحيث وجدناه يثير أنساب القبائل كتسمية قبيلة "مراد" (^٣) و"طيء" (^٤) و"قريش" (^٥).
وذكر أنساب بعض الشعراء كنسب الأعشى، ونسب الأراقم، ونسب جعفر "أنف الناقة" وغيرهم. وعمل على إيراد تراجم مقتضبة لبعض الأعلام مثل: ترجمة ابن سيرين (^٦)، والحسن بن سهل (^٧)، ويعقوب بن إبراهيم (^٨).
كما استفاد من اطلاعه لتصحيح رواية بعض الأحداث: كتصحيح خبر
_________________
(١) الانتخاب: ٤٩٧.
(٢) الانتخاب: ٣١٢.
(٣) الانتخاب: ٢٧٦.
(٤) الانتخاب: ٢٧٦.
(٥) الانتخاب: ٦٧.
(٦) الانتخاب: ٩٧.
(٧) الانتخاب: ١٢٣.
(٨) الانتخاب: ٥٦٦. (تعليق الشاملة): في المطبوع «الرابع»
[ ١ / ١٣٢ ]
ضرب ابن هبيرة عيسى بن عمر بالسياط: "ولم يكن ابن هبيرة الضارب لعيسى بن عمر إنما الضارب له يوسف بن عمر الثقفي في ولايته العراق" (^١).
واستفاد أيضًا من اطلاعه على علم الفلك ليغني شرحه بذكر مواقع النجوم وأسمائها وحركاتها وأوقاتها والليالي والشهور والأيام (^٢) ومنها ما قاله في القمر: "وأما حال القمر في استهلاله وأفعاله، فإن أهل التجربة يقولون: إن نبات الأرض كله وثمارها يزيد بزيادة القمر وتنقص بنقصانه، ويظهر ذلك بيّنّا في مدّ المياه وفي الأنوار" (^٣).
كما أشار إلى علم الرياضيات والحساب وروّاده مثل: أقليدس وقسطا في معرض حديثه عن النقطة في الهندسة والعدد في صناعة الحساب (^٤). وأشار إلى الفلسفة وعلمائها مثل أرسطوطاليس وأورد قضايا من هذه العلوم (^٥).
واحتوى كتاب "الانتخاب" على شواهد علم الطب في مواضع كثيرة، ومنها ما ذكره من أثر النجوم على الدم (^٦)، وذكر أيضًا أسماء للأطباء مثل: جالينوس (^٧)، وأبقراط (^٨)، وابن جلجل (^٩)، والزهراوي (^١٠) وغيرهم.
كما أن معارف الجذامي حول النبات والحيوان برزت في هذا الشرح بحيث كانت متنوعة وكثيرة ساهمت في إغناء الأبواب التي كانت مواضيعها في النبات (^١١).
_________________
(١) الانتخاب: ١١١.
(٢) الانتخاب: ٢٨٤.
(٣) الانتخاب: ٧٢.
(٤) الانتخاب: ٣٨.
(٥) الانتخاب: ٤٨.
(٦) الانتخاب: ٤٣٣.
(٧) الانتخاب: ٢٨٥.
(٨) الانتخاب: ٢٨٥.
(٩) الانتخاب: ٣٢٢.
(١٠) الانتخاب: ٣٢٢.
(١١) الانتخاب: أبواب النبات: ٣٢٠، القطنية ٣٢٧؛ المسمون بأسماء النبات: ٢٤٨.
[ ١ / ١٣٣ ]
وكذا في أبواب الحيوان (^١).
وغالبًا ما كنا نعثر في "الانتخاب" على شواهد نادرة مثل بعض الأخبار كقوله: "كره الرجل لأن الحسين بن علي ﵁ قتل على أرجل" (^٢). وقوله: "كان عمر بن الخطاب ﵁ أروح" (^٣). كما لم يخل كتاب "الانتخاب" من الطريف واللطيف من الحكايات التي رواها الجذامي عن أخبار المتقعرين كحكاية عيسى بن عمر قال: "أتيت الحسن البصري مجرمزًا حتى اقعنبيت بين يديه فقلت: يا أبا سعيد أرأيت قول الله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠)﴾ ما الطلع؟ فقال: هو الطبيع في كفراه" (^٤). وحكاية الرجل الذي مرضت أمه فأمرته أن يذهب إلى المسجد ليسأل الناس لها الدعاء فكتب في حيطان المسجد: "صين وأعين، رجل دعا لامرأة مقسئنة عقيلة بليت بأكل هذا الطرموق الخبيث أن يمن الله عليها بالأطرغشاش والأبرغشاش، فما قرأ الكتاب أحد إلا لعنه وأمه. وحكاية أبي علقمة النحوي إذ هاج ذات يوم في بعض الطريق فسقط إلى الأرض مغشيًا عنه، فاجتمع الناس حوله فقال: ما لكم تتكأكؤون علي كما تتكأكؤون على ذي جنة، افرنقعوا عني، فقال رجل منهم: دعوه فإن شيطانه يتكلم بالهندية" (^٥).
وأورد حروف الأبجدية القديمة: أباجد كلمن وصعفص وغيرها، وقال: هي أسماء ملوك مدين (^٦).
_________________
(١) الانتخاب: أبواب الخيل: ٣٥٦ - ٤١٣؛ أبواب الحيوان: ٤٩٥ - ٣٧١؛ أبواب الطير: ٥٣٣.
(٢) الانتخاب: ٤١٧.
(٣) الانتخاب: ٤٢٦.
(٤) الانتخاب: ١١٢.
(٥) الانتخاب: ١١٤.
(٦) الانتخاب: ٥٩٥.
[ ١ / ١٣٤ ]